الانتفاضة: شروط الاستمرار والنصر   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: علي العبد الله*

دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة بعد أن أطلقت وزارة الجنرال أرييل شارون يد الجيش في التصرف لجعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة كي يتخلوا عما يسميه "دورة العنف" ويعودوا إلى طاولة المفاوضات بالشروط الإسرائيلية: البحث في اتفاقات مرحلية طويلة الأمد بين 10 و20 سنة، وتحت سقف لاءاته التي أطلقها (لا للعودة إلى المفاوضات من النقطة التي انتهت عندها, لا للانسحاب من القدس, ولا لإزالة المستوطنات) في وقت قطّع فيه الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية إلى 60 قطعة وقطاع غزة إلى أربع قطع، وحصر الفلسطينيين في مساحات تحرك ضيقة لا تستجيب لاحتياجات الحياة اليومية داخلها في إطار ما سمي بخطة المائة يوم للقضاء على الانتفاضة.

فهل تنجح الانتفاضة في احتواء خطة المائة يوم الشارونية؟

انفجار سيارة مفخخة
في القدس
لقد شهدت الانتفاضة الثانية باعتبارها مقاومة من أجل الدولة الفلسطينية وحدودها وسيادتها على أرضها, عنفا إسرائيليا غير مسبوق استخدمت فيه الدبابات والمروحيات والرشاشات الثقيلة ضد المتظاهرين بهدف إخماد الانتفاضة قبل أن تتمكن من توليد مفاعيل تفرض تغييرا على توازن القوى ينعكس على صورة التسوية النهائية.

مناخ غير مواتٍ
تواجه الانتفاضة عدوانية الاحتلال ووحشيته في مناخ دولي وعربي غير موات، وذلك على النحو الآتي:

1- تزامنت الانتفاضة مع عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض وتبنيهم خطا استراتيجيا متشددا وسعيهم لصياغة بيئة دولية وبيئات إقليمية تستجيب للمصالح الأميركية، وكان نصيب وطننا العربي من هذا الخط الاستراتيجي المتشدد النظر إلى الإقليم ككيان واحد والبحث عن تحقيق استقرار قائم على تسوية سياسية للصراع العربي الإسرائيلي بشروط إسرائيلية تمنح إسرائيل أفضلية في الإقليم وعلى السيطرة على النفط العربي عبر التركيز على الملف العراقي ورفض التوجه العربي إزاءه، لذا رأت في الانتفاضة عقبة في وجه تحقيق الاستقرار المنشود وفي وجه تحقيق إجماع عربي حول برنامج الإدارة فرض عقوبات "ذكية" على العراق فسعت عبر تبنيها لرؤية الجنرال شارون التي تعطي الأولوية للأمن الإسرائيلي والتي ترفض التحدث السياسي مع السلطة الوطنية الفلسطينية قبل وقف ما يسميه "دورة العنف"، لأن استمرار المجابهة سيقوض خياراتها في الخليج العربي إزاء النفط والعراق, فاستمرار المجابهة يكشف التناقض في السلوك السياسي الأميركي إزاء القضايا العربية (ازدواجية المعايير).

نجحت الإدارة الأميركية في كسر اندفاعة الدول العربية إزاء الملف العراقي وفي تخفيض سقف مطالبها الفلسطينية حيث تخلت بعض الدول العربية عن الدعوة لرفع الحصار عن العراق ورفضت أخرى وضعه على جدول أعمال القمة العربية الدورية الأولى في عمان (يومي 27 و28/3/2001) حتى غدا مشكلة عربية عربية، وتراجعت التغطية الإعلامية العربية لتطورات الانتفاضة والمجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وأغرقت عملية تقديم الدعم المالي للانتفاضة والذي قررته قمة القاهرة الطارئة (21/22//10/2000) في شكليات الروتين والمحاججة مما عرقل وصول الدعم في الوقت المناسب، كما تراجعت عمليات نقد شارون في وسائل الإعلام الرسمية العربية.

2- تردد وارتباك عربي رسمي إزاء الانتفاضة ودعم الصمود الفلسطيني حيث شاب تعاطي الدول العربية مع الملف الفلسطيني المراوغة والغموض فقد تبنت دعم الانتفاضة ولكنها لم ترسل من الدعم المقرر إلى الآن وبعد ستة أشهر من إقراره إلا مبلغا زهيدا لم يتجاوز نسبة 3% من المقرر، في وقت فاقت فيه خسائر الفلسطينيين المليارات وبلغ العجز المالي في السلطة الوطنية الفلسطينية حدا دفع أطرافا دولية إلى التحذير من خطورة الوضع ومن اقتراب السلطة الوطنية الفلسطينية من الانهيار الكامل, ناهيك عن حالة الجوع التي يعيش الفلسطينيون تحت وطأتها.

كما عكس سلوك بعض الدول العربية إزاء الانتفاضة مثل التقاء بعض القادة العرب -رغم قرارات قمة القاهرة الطارئة- بالقادة الإسرائيليين في دافوس بسويسرا, وإعلان الرئيس اليمني علي عبد الله الصالح أن دولا عربية أعلنت إغلاق المكاتب الإسرائيلية في بلادها ولكنها تسمح لهذه المكاتب بالعمل سرا, وما نقله زئيف شيف في صحيفة هآرتس الإسرائيلية من اعتراض الأردن على تسليم غور الأردن للسلطة الوطنية الفلسطينية وطلبها تأجيل هذا التسليم إلى فترة 12 عاما.. عكس هذا السلوك مستوى صدقية الدول العربية ومدى واقعية الاعتماد على وعودها في حسابات الانتفاضة.

3- سلبية أوروبية واضحة متحصنة وراء حيادية مفتعلة وغير منصفة مع ميل إلى تفهم دوافع العنف الإسرائيلي والتذرع بأنه يرد على "العنف" الفلسطيني ضد المدنيين الإسرائيليين, ومساومات روسيا الاتحادية وجمهورية الصين مع الإدارة الأميركية الجديدة على قاعدة "الربط" بين القضايا والملفات وتبادل المصالح وفق نظرية تقاسم المصالح على الصعيدين الإقليمي والدولي.


تحتاج الانتفاضة لتحقيق أهدافها إلى تنظيم وتوظيف العوامل الإيجابية والسلبية الكامنة في الصراع وتوجيه حركة المجتمع الفلسطيني ليتمكن من التعايش مع ظروف المواجهة ولفترة طويلة

فرص الانتفاضة لتحقيق أهدافها
تحتاج الانتفاضة كي تحقق أهدافها في الاستقلال ودحر الاحتلال والاستيطان وتوفر حل عادل لقضية اللاجئين، إلى الاستمرار والتصاعد لفترات طويلة، وهذا ممكن في حال توافر عوامل محددة.

وأبرز هذه العوامل: قدرة الانتفاضة على تنظيم وتوظيف العوامل الإيجابية والسلبية الكامنة في الصراع وتوجيه حركة المجتمع الفلسطيني ليتمكن من التعايش مع ظروف المواجهة ولفترة طويلة.

فقد وفر المجتمع الفلسطيني في نضاله ضد المشروع الصهيوني عناصر إيجابية نمت باطّراد وتجسدت في ذلك الإدراك الساطع لكيانيته وأبعاده الوجودية، وذلك على النحو الآتي:

1- نجحت الأمهات في نقل إدراك الهوية إلى الأطفال في سن مبكرة, إذ لا يكاد الفلسطيني يبلغ الثانية من العمر حتى يعلم أنه فلسطيني من قرية كذا أو مدينة كذا وأن الصهاينة سلبوا أرضه, وهذا أوجد أرضية للنضال الفلسطيني وأمده بالشباب والمناضلين, وعكس إلى حد بعيد اتجاه ذلك التقدير القائل بعدم امتلاك العرب أرضية لمواجهة تبعات الحروب (تحمل تبعات الصراع: قتلى, أرامل, أيتام, خراب اقتصاد, حياة قلقة.. إلخ) أضافت إليه منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الحاضن لهذه النضالية وغدت فيه المنظمة هي الوطن وأمنت ذلك عبر مؤسساتها التوحيدية.

2- خلق وشائج حيوية بين مختلف التجمعات الفلسطينية عمقت الإحساس بالهوية وكونت عصبية وطنية هدفها الاستقلال في كيان سياسي.

3- الخبرة النضالية التي وفرتها تجربة الانتفاضة الأولى (1987) من التعليم في المنازل إلى تفعيل الاقتصاد المنزلي وزراعة الحدائق المنزلية (الحاكورة) والتكافل الاجتماعي الشديد, جعلته البيئة الريفية الغالبة في فلسطين ممكنا وتلقائيا.

4- التركيبة العمرية التي يغلب عليها الشباب بحيويته واندفاعه.

5- المكاسب التي حققها النضال الفلسطيني: اعتراف دولي بالشعب الفلسطيني وبحقوقه السياسية, وعودة القيادة مع حوالي 100 ألف من ذوي الخبرة التنظيمية والسياسية والعسكرية والعلمية إلى فلسطين.

6- العوامل السلبية التي ترتبت على استمرار الصراع والتي يمكن توظيفها في تصعيد الانتفاضة، حيث زادت عمليات الحصار والإغلاق وتقطيع الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات والطرق الالتفافية, بالإضافة إلى النقص في لقمة العيش.. زادت الفلسطينيين كرها للكيان الصهيوني وتصميما على الاستقلال وأفسحت أمام الشباب فرصة المشاركة في الانتفاضة.

7- تهرب إسرائيل من تنفيذ الاتفاقات المرحلية وعدم الإقرار بالمطالب الفلسطينية. ففي عرضها بشأن الحل النهائي لم يترك للفلسطينيين إلا خيار المجابهة، مما زاد من قوة النفس الكفاحي وروح المجابهة بين الفلسطينيين.

8- التوتر والفصام الذي اخترق روح الجندي الإسرائيلي نتيجة تحوله من "مقاتل" إلى "قاتل" يطلق الرصاص على مدنيين عزل.

9- وجود وسائل الإعلام وبخاصة القنوات الفضائية, ودورها في تقييد أيدي قوات الاحتلال وإفشال خططها.

توظيف العناصر الإيجابية للانتفاضة
إن القدرة على تنظيم وتوظيف كل هذه العناصر يستدعي الآتي:

1- تمسك القيادة الفلسطينية بجوهر المطالب والحقوق الفلسطينية.

2- تفعيل الأطر والمؤسسات الوطنية والتأسيس لقيام دولة مستقلة كاملة السيادة.

3- إعادة تشكيل مؤسسات السلطة الوطنية على قاعدة الوحدة الوطنية ومشاركة كل التيارات فيها.

4- استثمار الظرف الراهن (الحصار والعزل) والتأسيس للانفصال الاقتصادي عن إسرائيل.

5- إعادة النظر -وباستمرار- في أساليب وأدوات المواجهة لتخفيض مستوى الخسائر البشرية.

6- التحرك لشرح أسباب الانتفاضة وأهدافها لكسب تأييد عالمي.

أهمية المساندة العربية
غير أن تنظيم وتوظيف هذه الإمكانات يحتاج كي تكون الظروف في حدود الممكن البشري على الصمود والاستمرار إلى سند عربي يوفر الآتي:

1- دعم سياسي واضح وتوجيه رسالة واضحة إلى إسرائيل بإعلان التمسك باتفاقية الدفاع العربي المشترك وبتنفيذها وإدراج فلسطين ضمن الدول التي يجب حمايتها من العدوان, ورسالة إلى الولايات المتحدة تعكس مزاج الشعب العربي من السلوك الأميركي المستخف بمشاعرهم ومصالحهم واتخاذ إجراءات عملية ضد المصالح الأميركية في المنطقة, والقيام بشرح طبيعة الانتفاضة وحقوق الفلسطينيين للعالم.

2- دعم اقتصادي مالي يسمح ليس فقط بإقامة بنية تحتية خدمية لقيام دولة فلسطينية مستقلة اقتصاديا بل وخلق قاعدة صناعية  زراعية عبر الاستثمار في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية لتوفير فرص عمل للأيدي العاملة الفلسطينية يتيح لها الاستغناء عن العمل في إسرائيل وانفصال الاقتصاد الفلسطيني عن الإسرائيلي وفتح الأسواق العربية أمام المنتجات الفلسطينية كي تجنبها الكساد والخسائر وتسمح لها بالتكامل مع الاقتصاديات العربية خاصة في دول الطوق وفتح الطرق والموانئ العربية أمام الواردات الفلسطينية تحررها من استخدام الموانئ الإسرائيلية .

3- تشكيل وفد عربي مشترك للتحرك , على مستوى المنظمات الاقليمية والدولية , وعلى مستوى الدول, لشرح مبررات الانتفاضة والضغط لفتح المعابر والسماح بإدخال الأدوية والمواد الغذائية, ونقل الجرحى إلى دول الجوار لمعالجتهم, والمطالبة بتأمين حماية دولية للفلسطينيين .

4- تشديد المقاطعة العربية مع إسرائيل وتجميد كل أشكال الاتصال معها.

إن ضمان تحرك الدول العربية في هذا السياق يستدعي تحركا شعبيا عربيا ضاغطا عبر تشكيل لجان شعبية عربية تراقب تنفيذ الدول العربية لتعهداتها وقراراتها وتشكيل حركة شعبية تخلق الانطباع بأن المصالح الأميركية قد تكون عرضة للخطر نتيجة انحيازها إلى جانب إسرائيل.

انتفاضة الأقصى
إن استمرار الصراع وتصاعده وإلحاق خسائر بالعدو ممكن وفي متناول اليد خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المقارنة بين أعداد الجنود والأسلحة ونوعيتها لا تنطبق على حالة الانتفاضة فالحرب بين جيشين تختلف عن مهمة فرض حالة من الأمن داخل إقليم معين, وإن البداية ستشهد وقوع خسائر كبيرة في جانب الجماعات غير النظامية عندما تواجه جيشا تقليديا قويا، لكن عمليات التكيف المستمرة والاستفادة من دروس المواجهة وفرص الإبداع والتجديد التي تميز القوات غير النظامية سوف تزيد من قدرتها على الاستمرار والتأثير في الخصم ناهيك عن أن تفاقم الصراع ووقوع خسائر في صفوف العدو سيغير اتجاه الرأي العام الإسرائيلي ويجعله يقترب من المطالب الفلسطينية كما سيؤدي وقوع خسائر فلسطينية كبيرة إلى إثارة التضامن والتعاون العربي والإسلامي ويقلب اتجاه الرأي العام العالمي خاصة في حال توافر وسائل إعلام تنقل ما يحصل وبعدة لغات عالمية, ويجعل من طلب حماية دولية في المتناول.

إن أي إخلال في مستلزمات اللحظة التاريخية الراهنة لن يضيع دماء الشهداء الذكية فحسب بل وسيقود الوطن إلى معادلة لا تستجيب للحد الأدنى من حقوق وطموح الشعب وهذا سيجعل المقاومة من أجل تصحيح ذلك حتمية وأكثر دموية وقسوة .
__________________
* باحث سوري في الشؤون السياسية والاستراتيجية، رئيس القسم السياسي في مركز التخطيط الفلسطيني (1984-1994).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة