اللاجئون والإفاقة من الحلم الأوروبي   
الأحد 1436/11/16 هـ - الموافق 30/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:08 (مكة المكرمة)، 15:08 (غرينتش)
حسام شاكر


العواقب الوخيمة
وجه آخر لأوروبا
مكاسب وهواجس أوروبية
حالة دائمة لا عابرة

التأمت قمة غرب البلقان لبحث الخطط الرامية للتعامل مع أفواج اللاجئين، فداهمها النبأ المفزع عن شاحنة مركونة على جانب الطريق المؤدي إلى فيينا، حيث تنعقد القمة، وفاحت رائحة المأساة المنبعثة من الأجساد المتحللة في قلب أوروبا.

ترتبك القارة الموحدة في استيعاب اللاجئين إليها، وتعجز عن صياغة إستراتيجيات عميقة للتعامل مع منابع الظاهرة، والحقيقة المسكوت عنها أنها ضالعة في قسط من المسؤولية عن تفاقم واقع إنساني مريع على تخومها.

تتعدد الإستراتيجيات والخطط المتداولة في الأروقة الأوروبية للتعامل مع السيول البشرية المتدفقة عبر المسارب المتعددة، ولا تنقص بعضها السذاجة أو القسوة أو الانفلات من الالتزامات الإنسانية والأخلاقية. لكن الغالب على المداولات هو جنوحها للتعامل مع الظاهرة بمعالجات جزئية محدودة أو بمطاردة نتائجها دون الاكتراث ببواعثها. ثم ينهمك المسؤولون في إظهار الجدية بعد كل كارثة موت جماعي، وتتواصل الإخفاقات الميدانية في الاستجابة للأزمة.

العواقب الوخيمة
تميل السياسات والإجراءات الأوروبية إلى مزيد من تحصين القارة بالرقابة الصارمة عبر الحدود والسواحل، واتخاذ تدابير لردع شبكات التسلل وزوارق الإبحار، علاوة على حزمة خيارات مع بلدان الجوار الأوروبي للحد من موجات المهاجرين.

يسقط الضحايا على تخوم أوروبا في ما يشبه الانتحار الجماعي للقانطين من أحوالهم. أما الشبان العاجزون عن بلوغ الفردوس الأوروبي ولو بمهام انتحارية في عرض البحر، فقد يلوذون بمهام انتحارية من نمط آخر

لا تبدو المبالغة في تحصين أوروبا مجدية، لكنها تثير التساؤل عن الأثمان المترتبة على ذلك. فما سيحدث ببساطة هو مزيد من الضحايا البؤساء مع إزاحة المعضلة إلى الجوار الأوروبي، لتتفاقم في المغرب العربي وجنوب شرق البلقان مثلا.

بدأت إرهاصات الانفجار تتشكل مع صدامات الشوارع في دول العبور مثل مقدونيا واليونان بين جماعات عنصرية وتجمعات العالقين. تتصرف السلطات في تلك البلدان ببراغماتية مفهومة، فهي تفسح الطريق للعابرين ليبلغوا مقصدهم في أعماق أوروبا، خشية التكدس البشري غير المرغوب.

ينبغي الاعتراف بالمعنى الوحيد لمنع المتسللين من بلوغ الشواطئ الأوروبية، ألا وهو تقديم وجبات بشرية مضاعفة لأسماك البحر. والواقع أن الغرقى الذين يبتلعهم المتوسط بالآلاف في كل موسم لم يستأهلوا اهتماما لائقا فظلت آلامهم مكتومة يغيب عنها البث المباشر والتوثيق المصور. أما المشاهد التي يلتقط الإعلام ذيولها فهي لناجين يحظون برأفة الصليب الأحمر، أو لسياح ذاهلين على الشواطئ إذ يطلع عليهم بشر من بين الأمواج مخلفين الغرقى وراءهم.

تعلو نبرة الوعيد الأوروبية بحق شبكات التهريب، لكن ظاهرة التسلل تعود في أساسها إلى دوافع واقعية وليس إلى شبكات جشعة. تفقد التهديدات معناها لوجود من يستعدون للدفع بسخاء والمخاطرة بأرواحهم كي يصلوا إلى العمق الأوروبي، وهو ما يغري سماسرة الأرواح باستغلال هذه الحاجة الإنسانية. أما تشديد العقوبات على تلك الشبكات فسيرفع الكلفة المالية على البؤساء العابرين إلى أوروبا، مع إسراف المهربين بمجازفات مفضية إلى الغرق أو الاختناق أو الهلع.

يسقط الضحايا على تخوم أوروبا في ما يشبه الانتحار الجماعي للقانطين من أحوالهم. أما الشبان العاجزون عن بلوغ الفردوس الأوروبي ولو بمهام انتحارية في عرض البحر، فقد يلوذون بمهام انتحارية من نمط آخر.

ألا يمكنهم التوجه صوب الجبال والصحاري ليحملوا الرايات ويعتلوا عربات الدفع الرباعي مع وعود ببلوغ الفردوس الأخروي؟ قد يشعرون بالزهو الميداني وهم يتحكمون برقاب البشر، وقد يديرون مصالح اقتصادية أو حقولا نفطيا أو خطوط تهريب، وقد يرسلون التهديدات المصورة إلى أوروبا أيضا.

وجه آخر لأوروبا
ترتبك أوروبا في استيعاب أعداد يسيرة نسبيا مقارنة مع ما استقبلته دولة واحدة في الجوار السوري. لا يبدو منطقيا قصور بعض السلطات الأوروبية في توفير المأوى لطالبي اللجوء، فكيف يمكن في قارة ثرية أن تبيت أعداد غفيرة على الأرصفة، وأن يجري التصرف مع اللاجئين دون احترام كرامتهم الإنسانية، وأن يخضع بعضهم للابتزاز حتى من منتسبي أجهزة تنفيذ القانون، وفق ما يأتي في التقارير والشهادات؟! يكتشف طالبو اللجوء -متأخرين- وجها آخر لأوروبا، بعد أن يلامسوها مباشرة وتنقطع أواصر العودة.

وتتحول قضية الهجرة إلى مادة للاستعمال السياسي الشعبوي، عبر سلوك أقصى اليمين لاسيما في المواسم الانتخابية. تجد الأحزاب المتطرفة والتيارات العنصرية فرصتها السانحة في موضوع اللجوء، فتنهمك في إثارة الهلع وإشعال الحرائق الاجتماعية، لكنها تكتفي بذم الظاهرة دون اقتراح معالجات منطقية لها.

تتحول قضية الهجرة إلى مادة للاستعمال السياسي الشعبوي، عبر سلوك أقصى اليمين لاسيما في المواسم الانتخابية. وتجد الأحزاب المتطرفة والتيارات العنصرية فرصتها السانحة في موضوع اللجوء، فتنهمك في إثارة الهلع وإشعال الحرائق الاجتماعية

لقد حقق أقصى اليمين تقدما كبيرا في محطات انتخابية متوالية، وعزز مقاعده في البرلمان الأوروبي، وتمنحه المؤشرات فرصا ذهبية قادمة إلى درجة اقتراب مارين لوبن من تحقيق حلمها بدخول الإليزيه.

وسيهون ذلك بالمقارنة مع المخاطر المترتبة على أي أزمات اقتصادية واجتماعية غير محسوبة، لأن حالات القلق والاحتقان والتوترات ستتأجج مع أي أزمة عاصفة قد تنتاب بلدانا أوروبية.

لقد أسفرت أزمة اليونان الاقتصادية عن نمط متوحش من الكراهية جسدته جماعات فاشية مثل "الفجر الذهبي"، برزت فجأة لتباشر هجماتها القاتلة وعمليات الترويع. ولكن حتى في ألمانيا المغمورة بالرفاه بات الاعتداء على مساكن اللاجئين حدثا اعتياديا تقريبا، بينما تواصل جماعات يمينية مظاهراتها ضد اللجوء.

لا تقتصر الهواجس على أقصى اليمين، فهي تنزوي في ثنايا المشهد السياسي "المعتدل" أيضا، بينما تحار الحكومات الأوروبية في كيفية "التوزيع العادل" للاجئين. كما يثور التنازع بين التقسيمات الإدارية المحلية داخل الدولة الواحدة بشأن إسكان اللاجئين فيتعطل معه تشغيل مراكز الإيواء مع عرقلة إنشاء المزيد منها. وتتفاعل على الأرض حملات ضغط ومبادرات شعبية ومظاهرات في بعض المناطق والأحياء ضد إقامة اللاجئين فيها، مع ضعف اعتراضات المجتمع المدني على هذا المنحى.

جدير بالذكر أن فلسفة "التعاون الإنمائي" بين أوروبا وبلدان الجنوب قد نهضت على تقليص الفجوات القائمة بين عالمين. لكن الاندفاع الجماعي للهجرة إلى الشمال يشي بإخفاق سياسات "التعاون الإنمائي"، فوق إخفاق التنمية ذاتها في بعض رقاع الجنوب.

كما أكدت السيول البشرية المتدفقة أن ما سماها الاتحاد الأوروبي "سياسة الجوار" كانت بلا فحوى، وتقوضت روح "الشراكة الأوروبية المتوسطية" لأن محيط أوروبا الممتد عبر العالم العربي ينزف ويتشظى وتعلو منه أعمدة الدخان، دون أن يعبأ الشاطئ الشمالي للمتوسط بما يجري.

يجوز الافتراض بأن السياسات والمواقف الأوروبية كانت ضالعة نسبيا في تفاقم هذه الأوضاع، ولو بتركها تتدحرج دون استعمال الكوابح المتاحة. فبعد تكريم "الربيع العربي" ومداهنته لفظيا، صمتت أوروبا عن سحق الديمقراطية الناشئة تحت عجلات الدبابات، وتجاهلت إبادة البشر أنفسهم في الميادين، وتم فهم ذلك عربيا بأنه ضوء أخضر للإجهاز على الأنفاس الطليقة.

يلمس الأوروبيون اليوم انعكاسات غير مباشرة لحرائق الجوار التي أهملوا مخاطرها، إذ تطرق أبوابهم التفاعلات التي أنتجتها الحروب والأزمات والاستبداد العسكري مع الفقر والجفاف وإخفاقات التنمية.

مكاسب وهواجس أوروبية
لا ينبغي للشكاوى من موجة اللجوء والهجرة المتصاعدة، أن تصرف الأنظار عن مكاسبها المؤكدة لأوروبا مهما كانت جزئية.

القادمون الجدد يتركزون في الشرائح الشابة، ومعهم أسر ستتشكل وأجيال ستنشأ، بما يساهم في التخفيف من شيخوخة المجتمعات. ومن المفترض أن يتحول كثير منهم إلى طاقة عمل وتشغيل، وإلى دافعي ضرائب مع الوقت لتمويل دول الرفاه الاجتماعي

إذ لم تكن القارة في غنى عن ملايين المهاجرين إليها لردم الفجوة السكانية الماثلة في بعض بلدانها، أي أن كل من تدفقوا طلبا للجوء لن يسدوا سوى جزء يسير من هذه الفجوة.

ثم إن القادمين الجدد يتركزون في الشرائح الشابة، ومعهم أسر ستتشكل وأجيال ستنشأ، بما يساهم في التخفيف من شيخوخة المجتمعات. ومن المفترض أن يتحول كثير منهم إلى طاقة عمل وتشغيل، وإلى دافعي ضرائب مع الوقت لتمويل دول الرفاه الاجتماعي التي تنهكها زيادة نسبة المتقاعدين على حساب طاقة العمل والإنتاج.

قد يبدو القادمون عبر البحر والجبال ومسارات التسلل حفاة عراة للوهلة الأولى، لكن النظرة المدققة تكتشف كفاءات واختصاصات، من بينهم، أرغمتها الظروف القاهرة على الفرار إلى الشمال. إنه طور جديد من "نزيف الأدمغة" المتدفق إلى بيئات أوروبية وفيها تتوفر فرص التوظيف وتحقيق الذات، في رصيد مضاف إلى القطاعات الصحية والهندسية والعلمية والتقنية والاقتصادية في البيئات الجديدة.

غني عن القول إن القادمين الجدد هم بشر وليسوا إحصاءات جامدة أو مؤشرات اقتصادية مجردة، فمع هذه الإضافات الديموغرافية تنشأ وقائع ومستجدات وتتشكل ظواهر وتفاعلات في المشهد المجتمعي.

وتُستثار في ظلال التدفقات كوامن القلق الاجتماعي والمخاوف الاقتصادية الساذجة ومشاعر الخشية غير المبررة على مواقع العمل وفرص السكن والخدمات الاجتماعية، بما يُذكي حمى العنصرية والعداء، ويبعث الهواجس الثقافية المتعلقة بالهوية ومسائل الاندماج.

إن لم يكن بوسع أوروبا الرضوخ لمطالب بعض الأطراف الداخلية بممارسة التمييز الصارخ على أساس الخلفيات الثقافية والدينية للقادمين الجدد، فإن ذلك لا يحول دون نشوء مواقف فظة. فها هي سلوفاكيا التي تعارض غالبية شعبها استقبال اللاجئين أساسا حسب الاستطلاعات، تمتنع رسميا عن استقبال السوريين إن كانوا مسلمين وتعلن عن فتح الأبواب للمسيحيين منهم فقط "لأن لديهم قدرات كبيرة على الاندماج بشكل شفاف في مجتمعنا".

وتظل مخاوف التطرف والإرهاب سارية في أوروبا، وهي قابلة للربط بملف المهاجرين واللاجئين من المسلمين بالتحديد، رغم أن ما يشغل الجموع التي أنهكتها الحروب والأزمات والكوارث هو الأمان والاستقرار.

حالة دائمة لا عابرة
ما لا يتم الاعتراف به في أوروبا أن التدفقات البشرية الجارية هي حالة دائمة وليست موجة عابرة، ولعلها مرشحة لمزيد من التصاعد، لأن بواعثها تتفاقم أساسا. ومن ينجحون في تثبيت أنفسهم في بيئة جديدة يجتذبون مزيدا من التدفقات من المنابع ذاتها بأثر الأواصر الاجتماعية والثقافية.

وتبقى حركة البشر المتعطشين لوعود الأمان والرفاه لازمة من لوازم العولمة. لقد بارك "الشمال" انفتاح الأسواق وشجع تدفق السلع والخدمات عبر العالم، ورحب بانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات دون عوائق، لكنه شيد الأسوار وزرع الأشواك في دروب البشر الذين يرغبون في الانتقال أيضا للمشاركة في وعود العولمة على طريقتهم.

ما لا يتم الاعتراف به في أوروبا أن التدفقات البشرية الجارية هي حالة دائمة وليست موجة عابرة، ولعلها مرشحة لمزيد من التصاعد، لأن بواعثها تتفاقم أساسا. ومن ينجحون في تثبيت أنفسهم في بيئة جديدة يجتذبون مزيدا من التدفقات من المنابع ذاتها

وستبقى حركة الانزياح البشري عبر الجغرافيا نتيجة منطقية لفجوة المستويات المعيشية بين المجتمعات في زمن العولمة. فلا جدوى من أي إستراتيجيات تراهن على التخفيف من هذا الانزياح ما لم تكترث المعالجات بجذع المعضلة أو جذورها. فالعديد من الشعوب تحتاج استنهاضا إنمائيا لا تتوفر إرادة سياسية دولية لخوضه، حتى انهارت "الأهداف الإنمائية للألفية" التي حددها المجتمع الدولي دون أن يلتزم بمقتضياتها.

مفهومة هي الدوافع وراء الهجرة واللجوء، ويبدو أن استنزاف الجنوب لصالح وفرة الشمال لن يبقى بلا ثمن في زمن العولمة، خاصة مع شح الموارد وضعف الدول أو فشلها. أما التحولات الديموغرافية فلا تترك فرصة للوهم بإمكانية تباطؤ اتجاهات الهجرة إلى أوروبا.

ولأنه في عالم اليوم لا يسع أي إقليم العيش بمعزل عما يجري في هذا العالم المضطرب، فكيف إذا كان هذا الإقليم هو أوروبا التي أمسكت بزمام القارات جميعا في ما مضى خلال عهود الاستعمار وما زال نفوذها حاضرا فيها، علاوة على مكانتها المتضخمة في الوعي البشري بصفة مركز العالم وحامل الشعارات الزاهية عن حقوق الإنسان وكرامة البشر؟!

تجازف الحشود بحياتها لبلوغ البر الأوروبي طلبا للمأوى فتصنع الحدث وتتصدر الأخبار، وتفترش الأغلفة وتستدر التفاعلات السياسية والمجتمعية. لكنها ليست موجة عابرة بل ظاهرة منفتحة على آفاق الاستمرار والتعاظم، ومعها تقف أوروبا في مواجهة استحقاق أخلاقي وإنساني وقيمي ومبدئي جسيم.

إنه اختبار عميق للنظام الأوروبي الذي تتجاذبه مقاربات متعددة، ينادي بعضها بالتخلي عن الرداء الأخلاقي بالكامل. ومعنى ذلك سيكون تدشين نظام يتناقض مع المواثيق الأوروبية والدولية والالتزامات الحقوقية والشعارات الإنسانية، التي تتعثر في التطبيق أساسا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة