تعال نبكي على العرب ونلطمُ   
الأربعاء 14/7/1427 هـ - الموافق 9/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 19:22 (مكة المكرمة)، 16:22 (غرينتش)


فاتح كريكار

من غرائب ما قرأت في الوضع العراقي المتأزم ما نشرته الحياة يوم 12/7/2006 حول "البحث في استقدام قوة كردية من شمال البلاد للفصل بين العرب المتقاتلين، إلى أن تستكمل الحكومة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، خاصة أن فكرة نشر قوات كردية تحظى بترحيب مختلف القوى العراقية، ويعتبرها بعضهم أفضل من اقتراح متداول باستقدام قوات عربية أو إسلامية!

واحسرتاه .. هل بلغ الحال بالعرب هذه الدرجة ؟!

دخلت ذات مرة مسجدا في مدينة مالمو السويدية فرأيت المؤذن شيخا أفغانيا مسنا والخطيب ألبانيا حليقا مسنا كذلك، ممن بعثتهم الدعوة الليبية إلى السويد، في حين رأيت المأمومين كلهم تقريبا عربا!

"
كيف يصبح الكردي قوة دولية لفض النزاع العربي العربي في العراق العربي، والكردي هذا استعان بالقوات الدولية لفض نزاعات داخلية بين حكومتي أربيل والسليمانية بعدما قتل الحزبان الحاكمان من الأكراد عشرات الآلاف
"
وفيهم دعاة صالحون وخطباء متفوهون من أمثال الشيخ سعيد عزام وغيره نحسبهم كذلك.. فتذكرت بيت شعر قاله شاعر شيعي لأهل مذهبه: إذا كان المؤذن هنديا والكردي خطيبنا تعال نبكي على الإسلام ونلطم!

فقلت بعد الصلاة للإخوة العرب لم لا تلطمون، ألا يكفيكم؟ أم تنتظرونني أن أصبح خطيبكم لتبدؤوا.

نادى هذا الشاعر أهله ليبكوا لأن الكردي أصبح خطيبهم! فماذا يفعل العرب العراقيون وقد يصبح الكردي العلماني اللاديني والقومي العنصري المتعصب عنصرا لفض الاشتباك بين عرب متقاتلين!

ودخلت ذات مرة عند إفطار يوم رمضاني مسجدا في مدينة قامشلي السورية، فرأيت سبعة مصلين فقط مع الإمام، كان أحدهم شابا بلحية خفيفة، رغم ما أسأت الظن به بأنه ربما من المخابرات.

سألته عن غربة الإسلام هذه في مدينتهم! فأجاب فورا وبصورة عفوية: هي مدينة الأكراد والنصارى! أي أن الغربة تصبح أمرا عاديا مادام سكان المدينة أكرادا ونصارى!

هذا شأن كردي ولد وعاش وسط بيئة عربية أصيلة، فكيف بكردي لا يريد أن ينتمي إلى العراق حتى جغرافيا؟! كردي عاش رد فعل البعثي نفسه ثم عاش خمسة عشر عاما لا يلتقي بالعرب إطلاقا، وهو لا يعرف عن العرب حتى المقدار التاريخي الذي درسناه نحن الجيل الكردي العراقي السابق!

فكيف يصبح الكردي هذا قوة دولية لفض النزاع العربي العربي في العراق العربي؟! والكردي هذا استعان بالقوات الدولية (PMF) لفض نزاعات داخلية بين حكومتي أربيل والسليمانية، بعدما قتل الحزبان الحاكمان من الأكراد 36.000 كردي اعترفا مؤخرا بها عندما حدوا رواتب "الشهداء" ولما يسجلوا بعد شهداء إسلامنا الذين سقطوا بأيديهم أو بأيدي من استقدموهم..

واحسرتاه .. مما آل إليه حال العرب عامة، والعراقيين الكرام منهم خاصة..

يستحسنون استقدام جيش من الأكراد ليمنعوا اعتداء بعضهم على بعض! وكأن المستقدمين هم جيش صلاح الدين الأيوبي رحمه الله؟

وهل أكراد الحزبين المستقدمون أحرار أم هم أيضا يأتمرون بأوامر الاحتلال المباشر وغير المباشر؟

فإذا لم يكونوا أحرارا فلم لا تطلبون استقدامهم من الاحتلال مباشرة! قال كل مأمور تحت حكم الاحتلال، وهم كانوا بالأمس جيش الانكشارية والفرسان الحميدية، وها هم اليوم فرسان بلا حدود..

هل مجيء الطالباني إلى بغداد نفع العرب في شيء؟! وقد اصطحب معه ثلاثة آلاف كردي من خيرة رجالاته المحاربين حماية لنفسه!

ورغم ذلك ينتقل بست سيارات مدرعة يسوقها جنود أميركان! لم ير إلى الآن شارع حيفا الذي يقابل منطقتهم الخضراء! وهو لا يداوم في مكان صدام حسين لا في مكتبه (الذي يشغله السفير الأميركي زلماي خليل زاده) ولا في بنايته التي استأجرها الاحتلال عامين مقبلين آخرين كما قال الطالباني نفسه!

معه ثلاثة آلاف وقد اتهموا باغتيالات وتصفيات إبان حكومة الجعفري، وما زال بعض ضباطه الأكراد من حمايته رهن الاعتقال!

واتهم قسم آخر منهم بمشاركة الاحتلال في هجومهم المشترك على حسينية أور في مدينة الصدر.. اتهم هؤلاء بهذا الإجرام وهم حماية الرجل! ومن خيرة مقاتليه الواعين، فكيف لو جاء غيرهم ممن قاتلوكم في الفلوجة ثم في مقبرة وادي السلام في النجف!

ألف ومائتا بيشمركة كردية في مدينتي بلد والضلوعية، وهم في ظاهر أمرهم تحت إمرة اللواء الطيار (كردي طيار! بلا طائرة) أنور محمد أمين دولاني، والحقيقة أنهم تحت تصرف الجنرال ديفيد كوفي الذي يقول عن دولاني إنه لا يعطي الولاء إلا لجلال الطالباني!

تعرضت مدرعة لهؤلاء إلى عبوة ناسفة فقتل أربعة منهم وعندما نقل الباقون جرحاهم إلى مستشفى المدينة رشوا المدنيين العرب بأسلحتهم فقتلوا رجالا ونساء وأطفالا انتقاما! فجاء رد المقاومة عليهم سريعا حين تعرضوا الشهر الماضي لهجوم مباغت كاسح أودى بحياة أكثر من عشرين شخصا، منهم أربعة عشر مقتولا كانوا من مدينة رانية وحدها!

هب أن الاحتلال وسادة هؤلاء البيشمركة وافقوا على استقدامهم ووزعوا بين الشعلة والأعظمية، ما الذي بإمكانهم أن يفعلوه؟! وهل يفعلونه؟! ولمن يفعلونه! أ للعرب؟!

"
الأكراد القوميون من الجيل الجديد أصيبوا تحت الاحتلال وبفيروساته الملوثة برؤية استعلاء أحمق تشبه رؤية الفرس القدماء المتغطرسين الذين كانوا ينظرون إلى العرب من عل
"
والأكراد القوميون من الجيل الجديد قد أصيبوا تحت الاحتلال وبفيروساته الملوثة برؤية استعلاء أحمق تشبه رؤية الفرس القدماء المتغطرسين الذين كانوا ينظرون إلى العرب من عل، كما هو الحال عند الفردوسي!

والمستقدمون من الأكراد هم من أهل الأقضية والنواحي البعيدة عن مركز السليمانية وأربيل وأغلبهم أميون، وهم من الجيل الجديد الذي لا يعرف اللغة العربية حتى إن رئيس حكومتهم في كردستان لا يتكلم العربية، فلو تكلموا الكردية مع العرب المتنازعين بين الكاظمية والأعظمية مثلا بم يتكلمون!

أم يضطر العرب العراقيون كعرب فلسطين إلى أن يتقنوا باللغة الكردية معاني: (قف، تقدم ، هات بطاقتك الشخصية، ارفع ثوبك لأتأكد من عدم وجود حزام ناسف)!

وهؤلاء المستقدمون هم من الجيل القومي اللاديني الخلص الذي رباه الحزبان الكرديان على كل ألوان العداء للعرب وما يمت إلى العرب بصلة بما فيه صلاتنا نحن الأكراد المسلمين وأذان مساجدنا!

هب أن هؤلاء الأكراد المقاتلون استقدموا إلى المناطق العربية، فهل يعتقد العاقل من العرب أنهم سيفصلون بين متقاتليهم أم يصبون على نار فتنتهم الزيت صبا!

ولم لا يصبونه وهم يرون العرب يتقاتلون فيما بينهم، ولسان حال المستقدمين يقول: فليقاتل عرب العراق بعضهم بعضا فقد شارك الجميع في قتال الأكراد في ديارهم سنين وأعواما!

إذا لم أستطع أن أقاتلهم بنفسي فما أروع أن يتقاتلوا وأنا أنظر إلى جثثهم تلقى بلا رؤوس في الأزقة والمزابل!

ومن من عقلاء العرب يستثني اليوم أكراد الحزبين من فتن تستعر بين العرب خفية هنا وهناك، ولم يستثنون وهم الأكثرية الذين دربهم الاحتلال في هنغاريا وبولونيا والأردن.

الذين كانوا يرفعون العلم الكردي عند انتهاء الدورات عندما كان العرب المشاركون يرفعون العلم العراقي، وكانوا ينشدون (أي رقيب) النشيد "الوطني" الكردي مقابل النشيد الوطني العراقي..

وهل ما يفعله أكراد العرب الآن قليل، وهم ليسوا قلة! وأقصد بهم الأكراد الذي ولدوا وكبروا في المدن العربية الخالصة كبغداد والعمارة أو المختلطة كالموصل وكركوك ديالى، وقد شكل الحزبان الكرديان طابورا خامسا ناجحا منهم بكل سهولة.

وقد استقطبهم الحزبان بالعواطف القومية الكردية الجياشة وبسرعة، فنظموهم ونشروهم ثانية بين فئات المجتمع العراقي، ومن يتمكن من كشفهم؟! فهم سمر كالعرب، ويتقنون العربية كالعرب، وفيهم المذاهب المختلفة كالعرب.

ألم يشكل حزب الطالباني شبكة منهم تحت إمرة كوسرت رسول رئيس حكومته الأسبق حيث اكتشفوا بهم البعثيين والمقاومين الإسلاميين في الموصل وكركوك وبغداد، ألم يكشفوا مكان طه ياسين رمضان واعتقلوه قبل أن يعلم به الاحتلال ويخرجه من بين أيديهم.

ما أغرب أن يرى السياسي العربي أن استقدام رعاع الأكراد إلى المناطق العربية العراقية خير من استقدام جيوش نظامية من دول عربية أم إسلامية! أي سياسي هذا!

الجيش النظامي في كل الأحوال وفي كل بلد ولاؤه لقادته المعينين رسميا ولو لم يعرفهم، لأن الجندي ينفذ الأمر رغم أنه لا يعرف الآمر، ولا ينفذ أمرا يأتيه من خارج مراتبه العسكرية، وهم عادة من أبناء كل البلد جمعتهم مواليدهم، وهذا لا يتوفر في المليشيا الكردي!

"
الأكراد بحكم عدم عيشهم تحت سلطة دولة كردية مركزية، غاب عنهم كل نوع من الولاء المركزي، فكل ولاءاتهم مشتتة، وحتى الولاء الحزبي المفترض أن يحل محل الولاء المركزي للدولة يتحكم فيه إما المال أو انغماس صاحبه في الدم
"
ثم إن الأكراد بحكم عدم عيشهم تحت سلطة دولة كردية مركزية، غاب عنهم كل نوع من الولاء المركزي، فكل ولاءاتهم مشتتة، حتى الولاء الحزبي المفترض أن يحل محل الولاء المركزي للدولة يتحكم فيه شيئان: إما المال أو انغماس صاحبه في الدم..

فالكردي مع هذا الحزب لماله أو لأنه يخاف من بطش الحزب المقابل الذي قاتله فاضطر إلى مماشاة حزبه.

لذلك صار الجيل القومي الحالي من الأكراد لا يعرف لمن يعطي ولاءه! لا دولة له، ولا وطن له، ولا عقيدة له، ولا أمة له، ولا حركة له! فصار كالإسفنج، يمتص كل شيء يوضع فيه!

ولذلك أيضا سهل على نظام صدام أن يجند نصف مليون مليشيا منهم ضد بعضهم البعض لصالحه وهو عدوهم! نصف مليون كردي من ثلاثة ملايين ونصف كردي كانوا يعيشون تحت سلطة صدام حسين! والعائلة الكردية كبيرة فمعدلها لا يقل عن خمسة أشخاص وهذا يعني أن من بين كل سبعة رجال كان خمسة مع صدام حسين من 1987-1991.

ما أغرب أن يضطر العربي الشريف في بغداد إلى أن يستغيث بالكردي اللاديني الشوفيني (ونصف هؤلاء) كان ألعوبة الموت بيد صدام حسين! ونصفهم المتبقي إما يقاتل بعضه بعضا في شعاب الجبال أو يتقدم طليعة لجيوش البغي على بني جلدته في إيران والعراق وتركيا، ثم للاحتلال الأميركي! ليصبح اليوم مع عصابات شوارع شيكاغو في منزلة، يستغيث به شرفاء الأنبار!

ما أصعب دورة الزمان على الشرف والشهامة .. وما أصعب مرحلة النهوض في زمن الضياع..
__________________
كاتب كردي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة