الإسلاميون والسياسة والاحتلال.. نموذجا العراق وأفغانستان   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة

ربما كانت الساحة الأفغانية سباقة في كشف ممارسات تناقض المبادئ الإسلامية النظرية في السياق السياسي، لكن العراق كان مفاجأة أخرى ظهرت خلال ما يزيد على عام من مجيء الاحتلال الأميركي، فيما لا يشكل ذلك كله سوى نماذج في سلسلة ممارسات مماثلة تابعنا فصولاً منها في الجزائر والسودان وإيران ومناطق أخرى.

في هذه السطور سنتوقف عند الحالتين الأفغانية والعراقية على وجه التحديد للوقوف على معالم التناقضات "الإسلامية" في الممارسة السياسية، وذلك لوجود رابط بينهما يهمنا في هذا السياق، وهو الاحتلال الأميركي للبلدين، ما يشير إلى تجاوز الموقف للممارسات الحزبية والفئوية وحتى الاقتتال الداخلي إلى الموقف من الاحتلال الأجنبي للبلاد.

نبدأ بالساحة الأفغانية التي سجلت تناقضات مبكرة ربما صدمت الصحوة الإسلامية الناشئة مطلع الثمانينات. وقد تمثلت الصدمة الأولى التي حملتها تلك الساحة في مستوى التشرذم في صفوف مقاومة كانت تعلن أهدافاً واحدة عنوانها محاربة الشيوعية وإخراج الاحتلال السوفياتي من البلاد.


كان بروز طالبان هو الرد العملي على فساد الأوضاع وشيوع الفوضى والقتل في صفوف الفصائل الأفغانية، الأمر الذي جعل تقدمها في الساحة سهلاً وميسوراً إلى حد كبير
كان التشرذم في الساحة الأفغانية يأخذ أشكالاً متعددة من بينها العرقي، حيث مالت الجمعية الإسلامية بزعامة برهان الدين رباني إلى استقطاب الإسلاميين الطاجيك، قبل أن ينخرط فيها كل من هب ودب من تلك العرقية بعد أن تحول الجهاد إلى جيوش وإمكانات، فيما كان الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار يستقطب عرقية البشتون.

لكن ذلك لم يكن كل شيء، فبينما استأثر رباني بالطاجيك، كانت بداوة البشتون تتبدى في صراع الزعامات الذين مال كل واحد منهم إلى إنشاء تنظيمه الخاص، الأمر الذي جعل التعددية في الساحة الأفغانية تفوق الاحتمال، بما ينطوي عليه ذلك من إشكالات لا تحصى تتعلق بالتنسيق في الميدان واقتسام التبرعات، فضلاً عن تنسيق المواقف السياسية كلما برزت الحاجة لذلك.

عندما لاح بريق الانتصار في نهاية الثمانينات تصاعد الصراع بين الفصائل -خاصة الحزبين الكبيرين- وبدأ الاقتتال بينهما يأخذ أشكالاً متعددة، وصولاً إلى القتال على مشارف كابل من أجل خطف الانتصار.

وهنا لم تفلح كل الوساطات والمبادرات التي خرجت طوال تلك السنوات في التوصل إلى صيغة مريحة للحكم بين الفرقاء، الأمر الذي مهد لمجيء طالبان إلى الساحة بدعم باكستاني وسكوت أميركي.

كان بروز طالبان هو الرد العملي على فساد الأوضاع وشيوع الفوضى والقتل في صفوف الفصائل الأفغانية، الأمر الذي جعل تقدمها في الساحة سهلاً وميسوراً إلى حد كبير. لكن ممارسة الحركة الشابة للسياسة قد انطوت بدورها على أبعاد فئوية ومذهبية ضيقة، ما جعلها تتشدد في التعامل مع مختلف فرقاء الساحة الآخرين، ووصل الأمر حد رفض أي شكل من أشكال التعامل الندي.

والخلاصة أن طالبان رفضت الحوار بشروطه المعقولة وأصرت على تبعية الآخرين لخياراتها، مما جعل الحسم العسكري هو الحل الوحيد، وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير مع الفصائل البشتونية بعد أن تمكنت من شراء القبائل وزعمائها، فيما بقي الطاجيك والأوزبك والهزارة الشيعة خارج دائرة التطويع الكامل، بما ينطوي عليه ذلك من تمرد وانتظار دائم لفرصة الانقضاض على الحركة الحاكمة.

في مقابل هذه الممارسة السياسية الفئوية والمذهبية التي سارت عليها الحركة، وبما انطوت عليه من تشدد استثنائي مع الآخرين ومع الجيران يعكس ضحالة سياسية غير عادية.. مقابل ذلك جاءت الممارسة السياسية للملا محمد عمر قائد الحركة مع أسامة بن لادن عشية مطالبة الأميركان بتسليمه إليهم إثر هجمات 11 سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، جاءت لتعكس حالة مبدئية استثنائية لا تكاد تتكرر في التاريخ، فقد قرر الرجل التضحية بالحكم من أجل موقفه في رفض تسليم بن لادن.

والحال أن حديث البعض عن أن أفغانستان ليست دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة لا يبدو ذا قيمة، فقد باع الكثيرون المبادئ من أجل مصالح أقل من ذلك بكثير، مع العلم أن الملا محمد عمر كان قادراً على توفير المليارات لو أراد بمجرد رعاية تجارة المخدرات كما كان يفعل سواه من أمراء الحرب أيام الجهاد ضد السوفيات.

غير أن مفارقة التناقض واللامبدئية في الممارسة السياسية "الإسلامية" قد برزت على نحو أوضح بعد ذلك من قبل الإسلاميين الطاجيك وبعض البشتون مثل عبد رب الرسول سياف إثر القرار الأميركي غزو أفغانستان للإطاحة بحكومة طالبان وضرب القاعدة.

هنا بدا الموقف عارياً من كل مبدأ.. صحيح أن الملا محمد عمر لم يكن على النهج الذي يراه الآخرون، لكنه كان يقود حكومة إسلامية ضمن اجتهاده الخاص، وهو ما لم يشفع له عندهم، وقد رأينا كيف تحول مجاهدو الأمس إلى عربات متقدمة للجيش الأميركي، بدل أن تهمش تناقضها مع الحركة الإسلامية الحاكمة وتعلن وقوفها إلى جانبها في مواجهة احتلال لا يريد خيراً بالإسلام ولا بالمسلمين.

جاء الإسلاميون من الشمال دون حياء على ظهر الدبابة الأميركية ودخلوا كابل فاتحين مهللين، ورضوا أن يكونوا تبعاً لحكومة دمية يقودها أميركي أفغاني يدركون أنه يأتمر بأمر من عينوه من الأميركان الذي جاؤوا به، ليس فقط من أجل أسامة بن لادن وإنما من أجل أهداف أكبر تمس القيم الإسلامية، وإلا ألم يسمع القوم عن ضغوط واشنطن على باكستان بشأن المدارس الدينية مثلاً؟!

حتى الآن لا نرى لإسلاميي الشمال ومعهم من انسجم مع اللعبة من إسلاميي البشتون أية أدوار تذكر، فيما جاء الموقف المفاجئ من حكمتيار الذي قرر التحالف مع طالبان في حربها ضد الاحتلال. ولا يعرف بالطبع إلى أي مدى سيواصل الرجل هذا النهج، وما إذا كان سيتوقف ليدخل في حوار مع كرزاي كما تشير بعض الدلائل، أم أن موقفه المبدئي على هذا الصعيد سيتواصل إلى حين تحرير أفغانستان من الأميركان وحكومتهم العميلة.

نأتي هنا إلى الساحة العراقية التي بدت متميزة هي الأخرى من حيث الممارسة السياسية "الإسلامية". والحال أن تعامل القوى السياسية المعنية بالحالة العراقية لم يكن مريحاً إلى حد كبير قبل الاحتلال من حيث تعاونها مع الأميركان في صراعهم مع النظام العراقي، حتى في ظل الإدراك الشعبي العربي والإسلامي الواسع لحقيقة ما تريده واشنطن من الرجل بعيداً عن الشعارات المعلنة، لكن الموقف بدا مختلفاً وأكثر إثارة للصدمة بعد الاحتلال.

نقول ابتداءً إننا نعني هنا القوى السياسية الإسلامية على الجانبين السني والشيعي، والتي أبرزها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة في الجانب الشيعي والحزب الإسلامي المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين في الجانب السني.


بينما ارتاحت الأوساط الإسلامية العراقية إلى عدم بروز مظاهر احتفالية بالقوات الغازية، جاءت الممارسة التالية لتلقي ظلالاً من الشك على منهجية تلك القوى في تعاطيها مع الاحتلال
عندما وقع الاحتلال بدأت هذه القوى التعامل معه، وبينما ارتاحت الأوساط الإسلامية إلى عدم بروز مظاهر احتفالية بالقوات الغازية، جاءت الممارسة التالية لتلقي ظلالاً من الشك على منهجية تلك القوى في تعاطيها مع الاحتلال ومع الأوضاع القائمة عموماً.

جاء تشكيل مجلس الحكم ليضع النقاط على الحروف بشأن المنهجية المذكورة، فقد انخرطت تلك القوى في المجلس وفق توزيعة طائفية واضحة، ولم يكن ذلك هو كل شيء فقد سجل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ممارسات طائفية وفئوية مثيرة مثل قيام جناحه المسلح بعمليات اغتيال واسعة، وكذلك تبني قصة تطهير البعث رغم إدراكه لعبثيتها وظلمها للكثيرين في الساحة العراقية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، أي التعاون مع الاحتلال، بل تجاوزه إلى استهداف من يقاومونه مثلما حصل مع استهداف جماعة المجلس وجناحهم المسلح "قوات بدر" لأنصار وكوادر السيد مقتدى الصدر بعد انخراطهم في سلك المقاومة, وقد تابعنا فصولاً من المعارك التي كان يثيرها أحد رموز المجلس (صدر الدين القبانجي) ضد جيش المهدي.

أما حزب الدعوة فقد وقف شاهداً على ذلك كله دون حراك، وارتد، وهو الحزب الرسالي الذي قدم تضحيات مهمة في مقاومة الظلم، فضلاً عن التقارب مع السنة، ارتد إلى خطاب طائفي غريب في مواجهة العرب السنة، وكما في تبرير التعامل مع الاحتلال.

لم تتوقف الحالة عند الشيعة وأحزابهم الإسلامية بل تجاوزتهم إلى الوسط السني، وذلك حين فاجأ الحزب الإسلامي العراقي الذي يعد نتاجاً لحركة الإخوان المسلمين.. فاجأ الأوساط الإخوانية والإسلامية عموماً بقبوله الانخراط في مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال، وتالياً في وزارة هزيلة من وزارات حكومة إياد علاوي (وزارة الصناعة والمعادن).

كان بوسع الحزب الإسلامي أن لا يبادر إلى مقاومة الاحتلال كما هو متوقع منه، لكن دخول المؤسسات التابعة له كان مفاجأة من العيار الثقيل جاهد قادته في تبريرها سيما عندما اكتشفوا حجم المعارضة الرهيب لها، ليس في أوساط العرب والمسلمين في الخارج فحسب، وإنما في أوساط الشبان السنة أيضاً ومنهم الإخوان، خاصة بعدما انخرط الكثيرون منهم في تيار المقاومة إلى جانب بعض قادة التيار -يمكن أنهم لم يعترفوا بالخطوة الخطيرة التي اتخذها بعض القادة- سيما القادمين من الخارج منهم.

لم يكن التيار السلفي أحسن حالاً فقد برز تيار "الإرجاء" ها هنا أيضاً رافضاً مبدأ المقاومة ومصراً على الانشغال بالقضايا الثانوية والظاهرية في الدين، فضلاً عن تعزيز الخطاب الإقصائي على صعيد الآخر، أكان سنياً أم شيعياً.

وبينما وازن تيار مقتدى الصدر الحالة الشيعية إلى حد ما، كانت هيئة علماء المسلمين هي المعبر الأساسي عن الحالة السنية بدعمها خيار المقاومة وتبنيها خيارات طرد الاحتلال قبل الحديث عن أية خطوات سياسية. إضافة إلى بروز حالة سلفية جهادية وإن خرجت بخطاب متشدد يضر المقاومة في بعض حيثياته وإن كانت له مساهمته الفاعلة في انطلاقتها.

لم تكن الحالة الإسلامية الكردية بمعزل عن ذلك التدهور في الممارسة السياسية الإسلامية إن جاز التعبير، فقد جاءت سياسات الاتحاد الإسلامي الكردستاني لتعكس ذلك بوضوح، ليس لجهة التعامل مع الاحتلال والدخول في مجلس الحكم فقط، وإنما بتبني خطاب يزايد في تطرفه على خطاب الحزبين الكبيرين بزعامة طالباني والبرزاني على صعيد العلاقة مع بقية العراق.

وقد ساهم الحزب إلى حد كبير في تشجيع نظيره العربي السني (الحزب الإسلامي العراقي) على دخول مجلس الحكم، كما ساهم في الحيلولة دون انخراط الكثير من كوادره في مناطق الشمال في سلك المقاومة كما حصل في المدن الأخرى.

كان ذلك كله على صعيد العلاقة مع المحتل الأميركي الذي يدرك العقلاء أنه لم يأت لتحرير العراق، بقدر ما جاء لنهبه وتغيير هويته واستخدامه منصة انطلاق لإخضاع الأمة والعبث بها حتى على صعيد الهوية الإسلامية التي لم تعد تناسبه بوصفها منتجاً للإرهاب!!

لكن العلاقات الداخلية بين هذه القوى التي ترفع الشعار الإسلامي لا يكاد يختلف، حيث تسجل الفئوية، أكان على صعيد الطائفتين أم الأحزاب من كل طائفة كما هو حال موقف المجلس الأعلى من تيار الصدر.


آن أن يكون للحالة الإسلامية مقارباتها الجديدة التي تقوم على محاكمة الحركات والرموز على ممارساتها السياسية وليس على الشعار الذي ترفعه
كل ذلك يطرح تساؤلاً مهماً حول الضوابط التي تحكم سلوكيات الحركات الإسلامية في ممارستها السياسية، سيما عندما يكون التحدي مع جهات واضحة العداء للإسلام والمسلمين، كما هو الحال مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة من مراحل الصراع مع مخططاتها لإعادة النظر في وضع الأمة بكل تفاصيله.

لقد كانت عادة الأمة في مختلف المراحل -أو أكثرها في أقل تقدير- هي التماسك في مواجهة الاستهداف الخارجي، وذلك بإقصاء الخلافات الجانبية ريثما يتم دحر العدو الأساسي الذي يطارد الجميع.

لكن ذلك لم يحدث مع الأسف الشديد في كثير من الأحيان. ولما غدت هذه الحالة ممكنة التكرار فقد آن أن يكون للحالة الإسلامية مقارباتها الجديدة التي تقوم على محاكمة الحركات والرموز على ممارساتها السياسية وليس على الشعار الذي ترفعه، سيما في ضوء اتساع دائرة الصحوة الإسلامية وكثرة تلاوينها.

وبذلك يغدو ثمة إسلاميون سيئون وآخرون جيدون تبعاً لسلوكهم، وبالطبع من زاوية القناعة الشخصية بالممارسة التي ينفذونها على الأرض.

هكذا يأخذ الفرز منحىً آخر، ويرتد السلوك الخاطئ على أصحابه وليس على الفكرة التي يتبنونها في الأصل أو الشعار الذي يرفعونه، في حين يتميز الآخرون ممن يصرون على التعامل الأمين مع بضاعتهم الفكرية، ما يجعلهم الأكثر تمثيلاً للفكرة من سواهم، وهو ما يعزز الإيجابي في الظاهرة الإسلامية وينبذ السلبي منها.
__________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة