مستقبل حكم العسكر في الجزائر   
الثلاثاء 1433/2/23 هـ - الموافق 17/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:14 (مكة المكرمة)، 5:14 (غرينتش)

 
تتجه أنظار الكثيرين اليوم إلى الجزائر بعد التحولات التي شهدتها بلدان الجوار ومنطقة شمال أفريقيا ككل، وكان أبرزها سقوط بعض الأنظمة ووصول الإسلاميين إلى السلطة في أكثر من بلد لصيق بها.
 
البعض توقع ثورة شعبية يتفجر فيها غضب الجزائريين واحتقانهم، بينما استبعدها آخرون، خاصة بعد نجاح السلطة في احتواء حالات الغضب الشعبي خلال السنة الماضية.
 
في حين توقف كثيرون وحتى من داخل النظام نفسه ولم يتبين لهم أمرها، فلا هي بالقريبة ولا هي بالبعيدة، لكنهم أوصوا بضرورة المسارعة بتنفيذ إصلاحات سياسية جادة وإجراء انتخابات تحظى بقدر من المصداقية، باعتبار أن الثورات الأخيرة كانت عصية على التوقعات ولم تُسبق بتخطيط أو تحضير.
 
فقد بدأت عفوية وانتهت بتصور وبرنامج عمل وهيئات تمثيلية، وهذا سرها الذي انفردت به وميزها عن غيرها من الثورات التاريخية السابقة، وهي مع الجمود السياسي أقرب، وقد يبعد شبحها عن البلاد تحريك الملفات العالقة ورفع بعض الأغلال والقيود.
 
"
إزاء الثورات التي تشهدها المنطقة قرر النظام الجزائري ألا يجاري التحولات ولا يعاكسها، في موقف محير وغير معقول المعنى، مع الاستعداد لتخفيف القبضة في جوانب معينة، تنفيسا واستجابة محدودة للضغط
"
الثورات قد تغير طبائع النظام

وبدا النظام الحاكم محرجا ومرتبكا ومترددا في حسم الموقف على مستوى مراكز القرار، فالتغيير آت لا محالة، ولا معنى لجموده ولا لتصلبه وانغلاقه، وهو يدرك هذا ومتفهم للوضع والمتغيرات، لكنه في الوقت نفسه ليس مستعدا للتنازل عن تسلطه واحتكاره، فقرر في الأخير ألا يجاري التحولات ولا يعاكسها، في موقف محير وغير معقول المعنى، مع الاستعداد لتخفيف القبضة في جوانب معينة، تنفيسا واستجابة محدودة للضغط.
 
لكنه لم يحسم بعد أمر الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في العام 2014، وموقفه من الرئيس القادم، هل سيغامر ويمكن الشعب من اختيار رئيسه في انتخابات نزيهة، أم سيمسك العصا من الوسط، على قاعدة "نعم ولكن"؟ بمعنى يحافظ على موقع مؤثر له، لكن من غير التدخل المباشر والحاسم في تحديد الخيارات والتوجهات السياسية والاقتصادية للبلد.
 
ومن الواضح أن الثورات الشعبية العربية الأخيرة أثرت في الحكم ما لم تؤثر فيه سنوات الاضطرابات والعنف والمواجهات، فالنظام في الجزائر منغلق ومتصلب وعنيد، وأكثر القضايا الشائكة حسمها بشكل تعسفي، ويرى أن شرعيته مُبرأة من كل منقصة وطعن، فهو صنيعة الثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي، ولم يأت من فراغ ولا هو دخيل أو مفروض، غير أن "الشرعية الثورية" في الأخير، إذا سلمنا بها، لا يمكنها أن تحكم لأكثر من خمسين سنة بعقل واحد ومصالح ضيقة وصراعات مستنزفة، مع إبعاد شبه كلي للمجتمع عن قضايا حاضره ومستقبله، فهو مفروض على الشعب بمنطق القوة والغلبة والقهر، ولم ينبثق عن الإرادة العامة وهذه عقدته وأساس البلاء فيه.
 
لكن من جهة أخرى، ما عادت سلطة الظل أو كما تسمى "النواة الصلبة" للحكم قادرة على بسط الهيمنة والسيطرة على البلاد بالشكل الذي كانت عليه، ذلك أنها فقدت كثيرا من أركانها الذين غيبهم الموت أو المرض أو أُبعدوا عن الحكم (العربي بلخير، سفير الجزائر السابق في المغرب، وهي آخر مهمة له، متوفى. خالد نزار وزير الدفاع السابق، مبعد. محمد العماري قائد الأركان السابق، مستقيل)، ومن تبقى منهم تحكمهم مصالح وولاءات ولا يشكلون "نواة" بالمعنى الذي كان متداولا في السابق.
 
كما أن محاولات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لإحداث تغييرات في أعلى هرم المؤسسة العسكرية باتجاه كسر احتكارها أثر في تماسكها ومناعتها، غير أنه في المقابل أغلق المجال السياسي والإعلامي في وجه معارضيه، وهو ما أثار سخط كثيرين من رجال الإعلام والسياسة، لأنهم في الأخير سيكونون له سندا وعونا في محاولاته الجسورة والشجاعة لفك الارتباط القسري بين النافذين في الجيش والسلطة السياسية، وفوت عليهم بهذا فرصة الانتقال بالجزائر إلى حكم متحرر من أجهزة السيطرة.
 
ملامح التوجه القادم
صحيح أن المشكلة أعمق مما يبدو على السطح السياسي، لكن التغيير ما عاد يرعب السلطة الفعلية في الجزائر، فالتصلب أو الانغلاق يفقد القدرة على الصمود والاستماتة بفعل عامل الزمن وتأثير الحالة الثورية المجاورة وما أفرزته من تحولات، فما حدث من إطاحة بأنظمة استبدادية في كل من تونس ومصر وليبيا والإصلاحات الدستورية الاستباقية للمغرب لم يكن وقعه سهلا على السلطة الفعلية التي استبدت بها الهواجس والشكوك في أول الأمر.
 
"
ربما يريده النظام ربيعا جزائريا يُصنع بالشراكة بين أجهزته ومختلف القوى السياسية، بما فيها الإسلاميون على اختلاف مشاربهم الحزبية، ولعلها محاولة استباقية قبل أن ينفلت منه زمام الأمور
"
غير أنه مع مرور الوقت، ربما أصبحت مقتنعة بما أسماه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أثناء لقائه المطول مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، بـ"التغيير الناجح" في وصفه لأول انتخابات ديمقراطية نزيهة في تونس ما بعد الثورة، فهل سيهيئ النظام الأرضية عبر صيغة توافقية بين أجهزته المتضاربة لتغيير "ناجح" يأتي من داخل السلطة وليس من خارجها؟ وهل يمكن الحديث عن "ربيع جزائري خاص" و"توجه سياسي جديد"؟ هذا ما ستكشف عنه الانتخابات البرلمانية في أبريل القادم.
فربما يريده النظام ربيعا جزائريا يُصنع بالشراكة بين أجهزته ومختلف القوى السياسية، بما فيها الإسلاميون على اختلاف مشاربهم الحزبية، ولعلها محاولة استباقية قبل أن ينفلت منه زمام الأمور ويفقد السيطرة على اتجاهات الأحداث وتطوراتها وتفاعلات الثورات المجاورة وتداعياتها.
 
صحيح أن هذه العملية السياسية قد تصممها السلطة على مقاسها ووفقا لمواصفاتها وعبر جرعات محسوبة، وهو ما أثار الشكوك حول مصداقيتها في تبني خيار "التغيير الناجح" غير المكلف، إلا أن ما أفرزته الثورات العربية الكبرى من تحولات سياسية عميقة يفوق طاقة النظام وقدرة أجهزة السيطرة على المناورة والاستماتة والإصرار على التصلب والانغلاق، وغياب الإرادة السياسة للسلطة قد يؤثر في جدية "التوجه القادم"، لكنه لا يجهضه.
 
الولاءات بديلا عن المؤسسات
ما يظهر للعيان من محاولة استباقية للتغيير قد لا يعكس تفاعلات الأعماق والدوائر المغلقة، لكن حتى وإن بدا نظام الحكم في الجزائر أشبه بـ"الصندوق الأسود" يلفه الغموض وتحيط به الألغاز، إلا أنه يتغير بشكل غير مرئي وربما غير ملموس وستظهر عليه آثار التحولات، رغبا أو رهبا، قد لا يتنازل عن مصالحه وامتيازاته وصراعاته وتصلب بعض شرايينه إلا بعد زمن طويل، غير أن التوجهات الكبرى والخط العام للبلاد لن يفرضه مستقبلا طرف بعينه حتى وإن كانت السلطة الفعلية نفسها، وإنما تصنعه الرغبة في التهدئة وتجاوز مرحلة التوجس من الثورات.
 
صحيح أنه ليست هناك رؤية واضحة لدى دوائر الحكم بشأن المستقبل السياسي للجزائر، لكن ليس من السهل الآن على أي كان أن يحتكر القرار أو يستأثر بالحكم، لأن الظروف تبدلت والثورات غيرت كثيرا من طبائع الحكم والاستبداد وإن لم يظهر الأثر الآن، ولا أتحدث عمن طال بهم الأمد في السلطة ولم يروا الأهلية في غيرهم فهؤلاء راحلون لا محالة، وإنما عن القادم أيا كان. 
 
ويبقى التحدي الأكبر الذي يواجه محاولات الإصلاح اليوم وملامح "التوجه الجديد" هو إعادة بناء المؤسسات التمثيلية على أسس الأهلية والاختيار الحر والكفاءة، فقد فرضت الولاءات قانونها الذي تدار به الصراعات على مستوى دوائر الحكم وترجح به موازين القوى، وارتبط هذا بطبقة عسكرية وسياسية حكمت لعقود تبدلت خلالها الأسماء والألقاب، غير أن النظرة إلى المؤسسات لم تتغير، فهي تنفذ السياسات والرغبات ليس إلا، وهذا أوصل السلطة إلى طريق مسدود، وأول من تضرر بغياب مؤسسات قوية هو النظام نفسه، لأنه في الأخير أقام بنيانه على ولاءات مضطربة سريعة التقلب لا يعرف لها قرار باعدت المسافة بينه وبين المجتمع.
 
لذا، فإن الانتخابات القادمة قد تشهد انطلاقة فعلية لمرحلة جديدة من إعادة تشكيل المؤسسات التمثيلية، فلا البرلمان ولا الحكومة ولا البلديات ولا المحافظات ولا غيرها رضي عنها رئيس البلاد، ففي كل مرة يتهجم على طرف ويعلق عليه فشل سياساته، وهو مدرك لمفسدة غياب المؤسسات بدليل أنه أنفق المليارات على مشروعات التنمية وما عادت على البلاد بعشر ما كان مخططا لها وأثارت سخط الشارع أكثر مما امتصت غضبه.  
 
قوة الدفع الجديدة
لن تكون الجزائر استثناء من التحولات التي تعرفها دول الجوار وإن لم تكن بالعمق نفسه، فهناك توجه داخل السلطة الفعلية لتجاوز عهد الثورات بأقل تنازلات "ممكنة" وأقل تكلفة سياسية، وقد لا يتأثر نظام الحكم كثيرا بتغير الأرقام والنسب في انتخابات البرلمان القادم وإن تقدم فيها الإسلاميون، ذلك أنه اكتسب خبرة طويلة في التعامل مع مختلف القوى السياسية.
 
غير أنه سيضطر بفعل تأثير التغييرات والضغط الشعبي للتخلي عن جوانب من سيطرته على مؤسسات الحكم لصالح حضور أكبر للأحزاب السياسية، حتى وإن بدا شكليا في البداية، لكن قوة الدفع التي تمثلها فئات شعبية واسعة ستفرض عليه المضي في هذا التوجه الجديد بخطوات أكثر جدية.
 
"
لن تكون المعارضة فعالة ما لم تتفاعل قياداتها وهياكلها مع ما فرضته الثورات من تحديات على مستوى الخطاب والأداء والتواصل والتلاحم مع قضايا الشعب بعيدا عن أشكال التعالي والاغترار بالمقاعد والمكاسب الآنية
"
كما ستشكل في الوقت نفسه التحدي الأكبر لأحزاب المعارضة السياسية لتطوير أدائها وكسر جمودها والتفاعل المؤثر مع هموم الشعب ومطالبه السياسية والاجتماعية، وقد استفاقت على جيل جديد من المؤثرين وصناع الثورات من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في البلاد المجاورة غير مؤطرين في تنظيمات وأحزاب أعادت الحياة للعرب وحققت ما يسميه الدكتور منصف المرزوقي بـ"الاستقلال الثاني"، وهو ما عجل بتغييرات على مستوى حراكها الاجتماعي وفاعليتها السياسية، وفرض عليها منطق الثورات إعادة النظر في كثير من حساباتها وتقديراتها.
 
ويبدو أن أحزاب المعارضة تستعد حاليا لمرحلة سياسية جديدة تستقوي فيها بنجاح التحولات السياسية في بلاد الثورات، غير أن هذا لا يؤهلها لعمل سياسي شعبي مؤثر وضاغط على السلطة الفعلية، ما لم تتفاعل قياداتها وهياكلها مع ما فرضته الثورات من تحديات على مستوى الخطاب والأداء والتواصل والتلاحم مع قضايا الشعب بعيدا عن أشكال التعالي والاغترار بالمقاعد والمكاسب الآنية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة