النيل في خطر   
الأربعاء 1435/5/11 هـ - الموافق 12/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:10 (مكة المكرمة)، 14:10 (غرينتش)
صلاح بديوي



التغلغل الإسرائيلي
اختراق لا تعاون
خيارات مفتوحة
أهمية الحوار

لا نعتقد أن الحكومة الإثيوبية وحلفاءها كانت ستجد توقيتا أفضل من هذا التوقيت لكي تكثف من عمليات البناء في سد النهضة، حيث تعاني مصر -وهي المتضرر الأكبر من تشييد هذا السد- تداعيات الانقلاب العسكري الذي شطرها إلى نصفين، ما بين مؤيد له وداعم للشرعية.

ولذلك انتهزت "أديس أبابا" الفرصة من أجل تحقيق طموحاتها في تشييد السد الذي يشكل تهديدا بالغ الخطورة لمصر المعروفة تاريخيا بأنها هبة النيل.

من هنا، تشهد الجهات المتخصصة والمعنية بالمياه في العاصمة المصرية القاهرة، مناقشات مستفيضة في ذات السياق، حيث حذر خبير المياه الدولي مغاوري شحاتة دياب من الخطر المحدق بالأمن القومي العربي جراء هذا السد، لما يشكله من تهديد بالغ الخطورة على الأمن القومي العربي.

انتهزت "أديس أبابا" فرصة الأوضاع المتدهورة بمصر لتحقيق طموحاتها في تشييد السد الذي يشكل تهديدا بالغ الخطورة لمصر المعروفة تاريخيا بأنها هبة النيل

وشدد "دياب" -وهو أكاديمي وخبير بارز في المياه- على أن هذا السد سيتحكم في تدفق المياه إلى مصر والسودان عبر ١٥ فتحة, ولعل الأخطر من ذلك هو أن السد المشار إليه ستتحكم فيه وتديره شركة كهرباء "إسرائيلية".

وأكد مغاوري دياب -الذي كان يتحدث إلينا في حلقة نقاشية- أن حصة مصر السنوية من المياه -البالغة 55 مليار متر مكعب- سوف تتناقص إلى أربعين مليار متر مكعب.

التغلغل الإسرائيلي
أهمية تحذيرات "دياب" تكمن في أن صانع القرار السياسي المصري -علي الرغم من تقارير الأجهزة الأمنية التي تنبهه للخطر- ترك الساحة الإثيوبية خلال العقود الماضية لعربدة تل أبيب، حيث تشير تقارير صحفية "إسرائيلية" إلى أن جهاز الموساد موجود في أديس أبابا منذ 1995، وذلك تحت ستار تشييد مصنع لإعداد الوجبة العسكرية الإسرائيلية المشهورة (هلوف)، وأن هذا المصنع كان يديره ضابط الموساد الصهيوني (شلومو شنارتس)، وكان بمثابة غرفة عمليات للموساد في أديس أبابا.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه في أواخر العقد قبل الماضي عندما أثار مسؤول مصري التعاون الزراعي الإثيوبي مع إسرائيل رد عليه نظيره الإثيوبي قائلا: إن الخبراء الإسرائيليين موجودون في مشروعات مماثلة في الزراعة المصرية قبل أن يتواجدوا في إثيوبيا.

من هنا لم يكن مستغربا أن توقع الحكومة الإثيوبية عقدا مع شركة "إسرائيلية" لكي تشرف على إدارة سد النهضة عند الانتهاء من تشييده، وتسويق الكهرباء الناتجة عنه لدول المنطقة والعالم.

اختراق لا تعاون
ووفق المعلومات المتاحة لنا، فإن الوجود الصهيوني في إثيوبيا يشكل الآن نوعا من الاختراق، وأبعد ما يكون عن التعاون، ومن أبرز الشركات الإسرائيلية الموجودة في أديس أبابا شركة "تاحال" التي تستحوذ على عشرين مشروعا غالبيتها بمجالات السدود وتوليد الطاقة والزراعة.

هذا إلى جانب العشرات من المشاريع الأخرى التي تنفذها شركات إسرائيلية مماثلة، ويمولها البنك الدولي وهيئة المعونة الأميركية، وتتعلق بمياه النيل في منطقة "الأوجادين" الصومالية العربية والتي تحتلها إثيوبيا، وبمسح مجرى نهر النيل، والمنطقة المحيطة.

إضافة إلى مائتي مشروع أخرى تابعة لمستثمرين إسرائيليين في مناطق متفرقة من أقاليم إثيوبيا غالبيتها بمجالات الزراعة والري.

وثمة مخاطر أخرى تتعرض لها مصر في ذات السياق، لا تقتصر على تداعيات تشييد سد النهضة فحسب، إنما الأمور وصلت إلى درجة زراعة مستثمرين إسرائيليين سلالات الأقطان المصرية الطويلة التيلة في إثيوبيا وتسويقها عالميا من أجل منافسة محصول القطن المصري في الأسواق العالمية، إلى جانب محاصيل أخرى مثل الأرز وقصب السكر.

الوجود الصهيوني في إثيوبيا يشكل نوعا من الاختراق، وأبعد ما يكون عن التعاون، ومن أبرز الشركات الإسرائيلية الموجودة في أديس أبابا شركة "تاحال" التي تستحوذ علي عشرين مشروعا غالبيتها بمجالات السدود والطاقة والزراعة
ورغم العبث الصهيوني البادي للجميع على منابع النيل في الحبشة، فقد أدار الجميع ظهورهم له، وتحولت قضية سد النهضة إلى سجال للمكايدة السياسية بين فرقاء العملية السياسية بمصر الآن وطوال الشهور الماضية، على حساب الأمن القومي المصري والعربي.

وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي جرى في الثالث من يوليو/تموز عام ٢٠١٣ بالقاهرة، تبادل الجانبان المتصارعان في مصر الاتهامات ضد أطراف عربية بدعم تشييد سد النهضة، بدلا من توجيه تلك الاتهامات للطرف الأكثر خطورة وهو إسرائيل.

وهو أمر مؤسف لأنه لو صحت الاتهامات الموجهة لتلك الأطراف العربية من قبل الفرقاء في القاهرة بتمويل سد النهضة، فإنها لا بد أن تعلم أنها بتمويلها للسد, لا تتسبب في ضرر لنظام حكم بعينه في القاهرة، لكنها تضر مصر والسودان والأمن القومي العربي.

ومن المهم أن نشير إلى أن سد النهضة الإثيوبي قيد البناء يقع على النيل الأزرق على مسافة تتراوح بين عشرين وأربعين كيلومترا من الحدود السودانية, وعند اكتمال إنشائه المرتقب سنة 2017، سوف يصبح أكبر سد كهرومائي في القارة الأفريقية، والعاشر عالميا في قائمة أكبر السدود إنتاجا للكهرباء، وتقدر تكلفة الإنجاز بـ4.7 مليارات دولار أميركي.

خيارات مفتوحة
وتطالب مصر بضمانات دولية تحافظ من خلالها على حقوقها التاريخية في مياه النيل قبل أن تسمح لإثيوبيا بمواصلة تشييد السد، وهو ما ترفضه إثيوبيا، وتسبب في فشل المفاوضات التي جرت في الخرطوم مؤخرا مع إثيوبيا.

وقالت وزارة الخارجية المصرية إنها تقدمت بطلب رسمي لإثيوبيا لوقف البناء في سد النهضة حتى يتم الاتفاق على معايير تشغيله بين البلدين، وردت إثيوبيا أنها ستواصل البناء ولن تتوقف لأي سبب، مؤكدة حقها في تشييد السد.

وكان وزير الري المصري محمد عبد المطلب, قال إن كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع إثيوبيا في أعقاب فشل المفاوضات بين البلدين، وربما ذلك هو ما دفع إثيوبيا للتأكيد على حقها في الدفاع عن هذا السد.

ورأى خبراء قانونيون أنه على القاهرة الإسراع في تقديم شكوى في الأمم المتحدة ضد تعنت إثيوبيا وإقامة دعوى في محكمة العدل الدولية لحفظ حقوق مصر في مياه نهر النيل.

لكن الخبير المائي بهاء القوصي ركز على ضرورة استغلال التقارب المصري الروسي, وكذلك التقارب مع الصين في حل أزمة سد النهضة.

ومن جهتها تقول إثيوبيا إنها لن تقترب من حصة مصر في المياه، وإن السد فيه مصلحة لكل للدول الثلاث مصر والسودان وأديس أبابا وخاصة بتوليد الكهرباء، وهو ما ينفيه الخبراء بمصر، حيث كشف اللواء يحيي مازن أن إثيوبيا قطعت مياه نهر أومو عن جارتها كينيا بعد أن وعدتها بأن السد لتوليد الكهرباء ولن يؤثر على المياه التي تصل إليها، ثم غدرت بها وبنت بدلا من السد ثلاثة، وستكرر هذا السيناريو مع مصر.

أهمية الحوار
ونحن نري أن خيارات حل أزمة سد النهضة والتي تتمحور في الوساطة الدولية أو اللجوء إلى الأمم المتحدة، أو التحكيم الدولي، أو حتى الخيار العسكري، كل تلك الخيارات لا يمكن أن تكون بديلا للحوار المباشر، فطلب السلطات المصرية الوساطة الدولية أمر مؤسف ويعكس الفشل الواضح للسياسة المصرية نحو بلد أفريقي هو عمق تاريخي لمصر، ومن متطلبات أمنها القومي.

في الوقت الذي ينشغل فيه أهل مصر بصراعاتهم السياسية تجد تل أبيب في ذلك الانشغال ضالتها وفرصة كبرى للوقيعة ما بين مصر والسودان وإثيوبيا، لإشعال حروب المياه في المنطقة
ومن هنا تجيء أهمية التعاون الإيجابي بين كل من مصر والسودان، من أجل التغلب على الخلافات مع إثيوبيا، بل ويعتبر من المتطلبات العاجلة للأمن القومي المصري والعربي، قبل أن تتفاقم الأمور للأسوأ، لكون أن أديس أبابا تربطها علاقات تاريخية وثقافية مع العرب بشكل عام، ومع أهل مصر والسودان بشكل خاص، وأي حرب قد تنشأ بين البلدين لن تحسم الخلافات إنما ستزيدها تعقيدا، وتخلف وراءها مشاكل جمة بين الدولتين سترثها الأجيال المقبلة في البلدين.

ومن هنا لا بد أن يراعي صناع القرار في البلدين أن في إثيوبيا مسلمين ومسيحيين يرتبطون بمؤسسات دينية بالقاهرة بروابط روحية، تلك المؤسسات الدينية من بينها الكنيسة الأرثوذكسية المصرية الأم، والتي تتبعها الكنيسة الإثيوبية يمكن أن تستثمرها الحكومة المصرية في إنهاء الأزمة مع أديس أبابا.

وختاما، يتوجب علينا أن نلاحظ أن في تفاقم الخلافات مع إثيوبيا حلم صهيوني. ففي وقت ينشغل فيه أهل مصر بصراعاتهم السياسية تجد تل أبيب في ذلك الانشغال ضالتها وفرصة كبري للوقيعة ما بين مصر والسودان وإثيوبيا ودول المنبع ككل، في محاولة لإشعال حروب المياه في المنطقة.

وهدف "إسرائيل" من وراء ذلك هو ابتزاز القاهرة بعد التحكم في إثيوبيا، وإجبار كل تلك الدول على الرضوخ لمشيئتها، وتوصيل مياه النيل عبر سيناء إلى المستوطنين ومزارعهم بالنقب المحتل, في الوقت الذي تواجه فيه مصر عجزا واضحا في مجال المياه.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة