العراق بين لغة الساسة والعسكر   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ عبدالله العمادي*

تصريحات بوش الأخيرة حول العراق مثيرة للاهتمام بل وتدعو إلى التمعن فيها بشكل دقيق، لأن خفايا الأمور تبدو في طريقها للوضوح والانكشاف التدريجي، وخصوصا أنها تسير بشكل متواز مع التغيرات الحاصلة في الرسائل الإعلامية التي تصنعها الأجهزة الأمنية الأميركية.

فقد كان تسخين الأجواء ضد العراق وتهيئة الرأي العام العالمي لضربه من المهام الكبيرة التي ما زالت تقوم عليها الإدارة الأميركية منذ الصيف الفائت، الأمر الذي استدعى تحريك الجيوش والقطع العسكرية إلى منطقة العمليات وهي الخليج، حتى إذا ما قاربت الترتيبات والتجهيزات العسكرية على الانتهاء بدأت لهجة الولايات المتحدة تتغير قليلا أو شيئا فشيئا عبر رئيسها بشكل مباشر وبعض المسؤولين في الحكومة الأميركية،

التهديد باللجوء للقوة العسكرية لفرض الأوامر والقرارات على العراق كان يسود لغة الخطاب الإعلامي الأميركي نحو العراق، ومن ثم أجريت بعض التعديلات التدريجية البطيئة على لغة الخطاب، لتفوح منها رائحة الدبلوماسية والسياسة وإظهار إمكانية حل الأزمة عبر الطرق السياسية والدبلوماسية دون الابتعاد كثيرا عن لغة القوة، لغة العسكر والرصاصة والدبابة.


لعل الحرص الأميركي على إطالة أمد الحصار على العراق قد يكون هدفه سد كل المنافذ أمامه لكسر الحصار سوى منفذ واحد هو القبول بفكرة توطين الفلسطينيين عنده
بدأ بوش يصرح بأنه لا يعلم إن كان ما زال لدى العراق أسلحة دمار شامل أم لا، بما فيها الأسلحة النووية، وأنه يأمل أن يكون صدام قد كشف كل ما لديه من أسلحة غير تقليدية أو برامج تصنيعها، وأنه يأمل أن تنتهي الأزمة سلميا، في تناقض واضح لما كان عليه هو نفسه قبل أشهر قليلة، وبطريقة أضعفت أيضا تقرير مندوب العلاقات العامة لديه وهو رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، الذي قدمه للبرلمان البريطاني قبل عدة أشهر حول أسلحة العراق غير التقليدية.

وبدأت الرسالة الإعلامية الأميركية تتغير منذ أيام، حين بدأت تروج لفكرة خروج صدام من العراق واللجوء إلى دولة ما يقال إنها روسيا أو كوبا، تجنبا لكوارث على العراق والمنطقة بشكل خاص والعالم بشكل عام، معيدين إلى الأذهان الفكرة نفسها التي قبلها شاه إيران عام 1979 بعد أن اشتدت الأزمة الداخلية في إيران، فما كان لدى المخابرات المركزية الأميركية سوى الترويج لفكرة خروجه من البلاد وتزيينها لدى البلاط الشاهنشاهي آنذاك، حقنا للدماء وتجنبا لكثير من الكوارث التي يمكن أن تقع في ما لو استمر الشاه بمقاومة الحشود الجماهيرية الغاضبة. فخرج الشاه وتاه في الأرض ولكن ليس طويلا، فقد كان الموت أسرع، وإلا لعاش تيها كتيه بني إسرائيل، وربما كانت الأمور ستتطور حتى تصل إلى مطالبة محاكمته على غرار ما حصل مع رئيس صربيا السابق ميلوسوفيتش.

الحاصل الآن سيؤكد مقولات سابقة أن الأحداث المتتابعة ما هي إلا سيناريو معد لأجل تحقيق هدف واضح في الإستراتيجية الأميركية، وما العراق أو نظام بغداد إلا جزء مساند وداعم لتحقيق الهدف، وأن دور النظام العراقي واضح وربما هناك اتفاقات خفية على أدائه بحرفنة شديدة تبدو للمراقب غير الملم بجميع تفاصيل الأحداث أن هناك ظالما ومظلوما في القضية، والأميركان بالطبع هم الذين يلعبون دور الظالم والعراقيون دور المظلوم، في حين أن المظلوم الوحيد هو الشعب العراقي.

وعودة مرة أخرى إلى التغيرات الحاصلة على خطابات بوش الأخيرة، التي يمكن أن يشتم منها أن كل هذه الحشود واستعراضات العضلات العسكرية ليس هدفها الأساسي خوض حرب في العراق بقدر ما هي أداة ووسيلة ضغط ليس على العراق فحسب ولا على العرب بل على أوروبا والصين، بعد أن ثبت تزايد الطلب الصيني الأوروبي على نفط الخليج.

إذن النفط هو الهدف الأسمى البعيد في الإستراتيجية الأميركية نحو التحكم والسيطرة على العالم.. ولأن الأميركان لا يثقون تماما في أي دولة مهما بدت متعاونة ومتحالفة فإنه مهما بدا العراق أو نظام بغداد متعاونا فإن المطلوب هو تغيير النظام بأي صورة تكون، وإن كانت الصورة السلمية هي المرغوبة وخصوصا من الجانب الأميركي، الذي بكل تأكيد لا يود دخول مغامرات عسكرية من الممكن أن يتكبد فيها خسائر في العتاد والأرواح.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو لماذا يتم طرح ملف العراق بين حين وآخر ثم يتم تجاهله أحيانا أخرى؟ أليس الأمر يبعث على الريبة وعلى أن هناك أمرا يتم تدبيره في الخفاء لتمريره وسط أجواء الضجيج ومخاوف الحرب والتوتر والقلق؟.. لماذا لا يكون ذاك الأمر يتعلق مباشرة بالدولة الإسرائيلية وأمنها ومصالحها قبل مصالح الولايات المتحدة نفسها؟.

إن موضوع توطين مليوني فلسطيني يعيشون خارج أرضهم من الموضوعات الشائكة على العرب والإسرائيليين والسلطة الفلسطينية نفسها أيضا، فالإسرائيليون لا يريدون عودة المهاجرين الفلسطينيين بأي طريقة، وتقاتل بكل السبل من أجل ألا يعود ذاك الجيش من البشر إلى دياره وأرضه.. والسلطة الفلسطينية غير مهتمة بتلك الدرجة أو بتلك الحرقة والتطلع لعمل اللازم لإعادتهم وتوطينهم في المساحات التي يقال إنها محررة وتدار من قبلها.. والدول العربية المجاورة غير راغبة أساسا في توطينهم مثل لبنان وسوريا ومصر.. إذن ما الحل؟.

يتم تسريب معلومات منذ فترة طويلة، تتجدد بين حين وآخر حسب الظروف الدولية وظروف المنطقة بالدرجة الأولى، مفادها أن العراق مستعد لقبول ذلك العدد وتوطينهم واعتبارهم عراقيين.. بحيث يتم منح الفلسطينيين الجنسية العراقية الكاملة واعتبارهم عراقيين، لهم ما للعراقيين من حقوق وعليهم ما على العراقيين أيضا من واجبات.. إضافة إلى منح كل فلسطيني منزلا وقرضا ماليا من عوائد النفط الذي سيتم بيعه بمعرفة الأميركان وبعد الاتفاق مع العراق.. ويتم كذلك تزويد الفلسطينيين بقدرات عسكرية للدفاع عن أنفسهم في ما لو تعرضوا للأخطار.. ومن المقترح أن يتم توطينهم في المناطق المتاخمة لإيران باعتبار مسألة الخلاف بين السنة والشيعة وإمكانية الاستفادة من هذه الورقة في المستقبل.

الإدارة الأميركية فيها حماسة شديدة تجاه هذه الفكرة، باعتبارها هما ثقيلا عليها وتسبب مشكلات لعملية السلام بين العرب والإسرائيليين.. ولعل الحرص الأميركي على إطالة أمد الحصار على العراق قد يكون هدفه سد كل المنافذ أمامه لكسر الحصار سوى منفذ واحد هو القبول بفكرة توطين الفلسطينيين عنده، وتكون مكافأة ذلك العمل فك الحصار التدريجي، وإعادة تأهيله من جديد والقبول به مرة أخرى ضمن المجتمع الدولي.


بدأت الرسالة الإعلامية الأميركية تتغير منذ أيام، حين بدأت تروج لفكرة خروج صدام من العراق واللجوء إلى دولة ما يقال إنها روسيا أو كوبا، تجنبا لكوارث على العراق والمنطقة بشكل خاص والعالم بشكل عام، معيدين إلى الأذهان الفكرة نفسها التي قبلها شاه إيران عام 1979 بعد أن اشتدت الأزمة الداخلية في إيران
ومن الناحية العملية لا توجد عوائق وموانع يمكن أن تسهم في تعطيل تنفيذ الفكرة من قبل الحكومة العراقية.. فالدولة محاصرة ومشاكلها مع دول الجوار لم تنته وخصوصا إيران ورغبتها شديدة في العودة إلى المجتمع الدولي، أضف إلى أن العراق بلاد ذات مساحة شاسعة يمكنه استيعاب ملايين من البشر وليس مليوني فلسطيني فقط، وقدراته الاقتصادية يمكن أن تتحسن في مدة وجيزة ويقدر أن يعيد بناء نفسه من جديد بل والصرف على المليوني فلسطيني أيضا، خصوصا أنه لو تحقق ذلك بالفعل فإن أولئك المهاجرين يمكن استخدامهم درعا قوية لحماية العراق من جهة إيران، خصوصا أن تحديد موقع التوطين لم يأت من فراغ، بل تم اختياره بعناية فائقة، معتمدين على الخلاف المذهبي الذي يمكن أن يكون قنبلة موقوتة شديدة الانفجار، بين فلسطينيين سنة وطرف قوي شيعي متمثل في إيران. هذا إضافة إلى أن توطين الفلسطينيين سيقطع الطريق على المعارضة العراقية من طرف إيران، وسيتم التخلص من الأكراد أيضا عن طريق تهجيرهم وتشتيتهم في العراق، وإحلال الفلسطينيين مكانهم.. السيناريو يبدو أنه بدأ يلقى بعض القبول في ظل التحركات الأميركية العسكرية الشديدة، وتناقض التصريحات التي تصدر عن البيت الأبيض بين التهديد بالحرب وقبول فكرة حل الأزمة سلميا عبر خروج صدام من العراق وتسليم السلطة الى آخرين بمعرفة الأميركان.

هل نقول إن الذي يجري ما هو إلا مسرحية كبيرة، صار أبطالها يجيدون أدوارهم بحرفية كبيرة أم أنه بالفعل مخطط إستراتيجي أميركي قديم يراد له التجسيد على أرض الواقع، وظهر نظام بغداد وهو يصب بأعماله في خانة صالح الأميركان ودون قصد؟ ربما.
_______________
*كاتب وباحث قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة