ليس مقالا.. بل مجموعة حقائق   
الثلاثاء 1425/9/20 هـ - الموافق 2/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:04 (مكة المكرمة)، 10:04 (غرينتش)

بقلم/توجان فيصل

يقال إن للحقيقة أكثر من وجه وزاوية, والعلم أثبت أن الصورة الكلية تتكون من مجموعة كبيرة من النقاط الصغيرة, المتشابهة أو المتباينة.. ولهذا نحن هنا نريد فقط جمع أكبر عدد ممكن من النقاط الداخلة في تركيب الصورة, وإتاحة الفرصة للقارئ ليراها, ومن أكبر عدد ممكن من الجوانب, في آن واحد.. ووحده سيصل إلى "الحقيقة", دونما حاجة لخبراتنا ومهاراتنا, نحن الكتاب والمحللين السياسيين!!

في الأيام الماضية هزت الصحافة المحلية الأردنية والعربية أنباء مقتل سجناء تحت التعذيب في الأردن, وقيام التعذيب كقاعدة في السجون واستمراره بشهادة جهة "حكومية" هذه المرّة, هي "المركز الوطني لحقوق الإنسان"!! لماذا قام المركز بهذا وهل عرف أن تقريره سيصل للصحافة أم لا؟ لا علم لنا, ونحن هنا نورد ما لدينا من حقائق فقط, منها أن ما جرى في سجن الجويدة مؤخرا, وصولا للوفيات, كان قد أصبح مادة صحفية شائعة قبل نشر أو تسريب التقرير بحوالي عشرة أيام على الأقل!!

"
الفصل في مهمات التحقيق واللجان ليس ضرورياً لأداء المجلس دوره في محاسبة الحكومة فقط, بل أيضاً للمحافظة على مبدأ دستوري أساسي هو "فصل السلطات"
"
وبما أن المتوقع في أي "دولة ديمقراطية" أن يكون نواب الشعب هم أول المهتمين بشأن حقوق المواطن في مواجهة انتهاكات وصلت حد التعذيب والقتل, فإننا نورد تعليق "لجنة الحريات" في مجلس النواب الأردني, كما أوردته الصحف المحلية تماما (كما في كل ما سننقله عن مسؤولين آخرين في هذه المقالة), ولكن الأقواس حول  بعض الكلمات والعبارات لنا, لتسهيل تعقبها من قبل القارئ ضمن ما سيلي عرضه من حقائق: قامت اللجنة "باستنكار" وفاة أحد المعتقلين تحت التعذيب, ورأت في "الحادثة", "إن صحّت", "سابقة" خطيرة , معللا (مقرر اللجنة) بأن "المسؤولين نفوا" استخدام العقاب الجسدي بعد ورود شكاوى بعكس ذلك قدمها سجناء أثناء زيارة اللجنة لهم.. إثر الإضراب الذي نفذه النزلاء الشهر الماضي, وبيّن أن إدارة السجن استجابت لمطالب اللجنة والسجناء, "مما يدل على عدم تقصيرها في المتابعة أو الاهتمام بشؤون النزلاء"!!

أما رئيس لجنة الحريات النائب جمال الضمور(مدع عام في أمن الدولة سابقا, وقد أدلى بحديث لجريدة الشرق القطرية قبل أيام قال فيها إنه استقال لأن ضغوطا مورست عليه في قضية بنك البتراء الشهيرة ودفع الثمن غاليا، ولهذا لا يريد كشف المزيد من المتورطين في القضية), فقال إن النواب بانتظار إجراء التحقيق من قبل "اللجنة التي شكلها مدير الأمن العام", ودافع عن لجنة الحريات بقوله إنها "ساهمت" في مساعدة النزلاء, إلا أنها لا تستطيع التدخل في "الشؤون الإدارية", "لصعوبة ذلك".. لكنه أوضح أن "موضوع الاكتظاظ" في السجون "يحتاج لحل جذري"!! وأضاف الضمور أن  وزير العدل صلاح البشير شكل "لجانا متخصصة" للبحث في شؤون الجويدة بعد أن "أطلعته" اللجنة على كافة المشاكل المتعلقة بالسجناء"!!

نضع إلى جانب هذا الذي تفضلت به "لجنة الحريات النيابية" التي يرأسها رجل يحمل الدكتوراه في القانون ومدع عام عسكري سابق, هذه الحقائق: أولاً, لجان الحريات في المجالس النيابية تشكل لوضع تقريرها للمجلس, ويملك النواب صلاحية إلزام الحكومة بتقديم أي تسهيلات ومعلومات ووثائق, وهي غير اللجان التي تتبع الحكومة وترفع تقاريرها لها.

وهذا الفصل في مهمات التحقيق واللجان ليس ضروريا لأداء المجلس دوره في محاسبة الحكومة فقط, بل أيضا للمحافظة على مبدأ دستوري أساسي هو "فصل السلطات". وحقيقة ثانية تؤشر على وضع المجلس الحالي ووضع الديمقراطية في الأردن, هي قبول المجلس قبل حوالي عام, أن تتولى لجنة "تشكلها الحكومة" التحقيق في قضايا فساد "حكومية", بحجة أن مجلس النواب, ممثل الشعب, يريد أن يكون "محايدا"!!! وفي هذا تنازل غير دستوري عن حق الشعب!! والحقيقة الثالثة هي أنه لم يقدم أي مسؤول كبير للمحاكمة على أي من قضايا الفساد!! 

"اللجنة  الوزارية العليا" التي ينتظر النواب رأيها وقرارها تشكلت من خمسة وزراء نورد هنا ثلاث "حقائق" عن مواقفهم فيما يتعلق بهذه القضية, وهم: وزيرا العدل والداخلية, اللذان سبق أن اطلعا مع بقية مجلس الوزراء على التقريرين اللذين رفعهما إليه المركز الوطني لحقوق الإنسان,  في مارس/ آذار الماضي وفي أوائل سبتمبر/ أيلول, والثاني أكد على تفاقم الوضع المفصّل في تقرير مارس/ آذار.

فما كان من وزيري العدل والداخلية  إلا أن "أشادا" بمستوى الخدمات "الثقافية" المقدمة للنزلاء ومستوى "الطعام" المقدم لهم الذي يرقى إلى "أكل الضباط" (عن جريدة الغد الأردنية).

"
الدولة لم تنكر ما جرى وإن جاء اعترافها بتصريحات متناقضة, وتناقض أقوال ذات الجهة مدعاة للشك, بل يعتبر من أدلة الإدانة عندنا وفي العالم كله !!
"
ووزيرة الدولة الناطقة باسم الحكومة, التي ردت على تساؤل الصحافة عما سيتم بشأن ما تكشف, أنه سيتم وضع خطة متكاملة لمواجهة "الاكتظاظ" في السجون (عدة صحف أردنية).. ومن وزيري التنمية الاجتماعية والصحة!! ولا ندري ما علاقة وزارة التنمية الاجتماعية, ولكن نضيف أن وزارة الصحة لم تبلغ عن تحويل مصابين إليها لمعالجتهم من آثار تعذيب (كما يلزم القانون كافة الجهات الطبية), ومنهم الذين أعيدوا للسجن وتوفوا بعد ضربهم ثانية بالكوابل والجنازير وسكب الماء المالح على جروحهم.. وجرى ذلك في ساحة السجن, حسب تقرير مركز حقوق الإنسان, ونتيجة للسحل والضرب أمام عنابر السجناء ليكونوا عبرة لغيرهم, حسب تقرير محطة "العربية".. أي لا علاقة للاكتظاظ بما جرى!!

حقيقة رابعة: دور وصلاحية مجلس النواب في محاسبة الحكومة (حسب الدستور) تشمل "سياسات" الحكومة وأداء كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية, ناهيك عن جرائم تعذيب وقتل مما يخضع لمحاسبة دولية إن لم تتم المحلية (قانون محكمة الجنايات الدولية).

وتصل صلاحية مجلس النواب إلى سحب الثقة من الحكومة بكاملها أو من الوزير أو الوزراء المعنيين, كما يملك المجلس حق تحويل الوزراء للمحاكمة على ما يرتكبونه باستغلال مناصبهم!!

حقيقة خامسة: تقريرا المركز الأردني لحقوق الإنسان ليسا أول كشف لممارسات التعذيب في السجون والمراكز الأمنية, فإلى جانب العديد من تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والعربية والدولية هنالك ملف "العنف الأمني" الذي رفعته لجلالة الملك الراحل عام 1995(لأن زملائي النواب كان لهم ذات موقف النواب الحاليين), وأدى إلى عزل وزير الداخلية ومدير الأمن العام وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين آنذاك (أسباب عزل رئيس الوزراء  زيد بن شاكر أكثر تعقيدا من هذه وقد شرحتها في مذكراتي), وتقريران رفعهما لجلالته السجين السياسي السابق الكاتب علي السنيد (حائز على جائزة حقوق إنسان), آخرهما عام 1998.

وتتضمن كل هذه التقارير حالات تعذيب وقتل, أي أن ما جرى لمن يهتم بالشأن العام وحقوق الإنسان, لا يشكّل "سابقة ", وليس افتراء ليقال "إن صحت". ثم إن الدولة نفسها لم تنكر ما جرى وإن جاء اعترافها بتصريحات متناقضة. وتناقض أقوال ذات الجهة مدعاة للشك, بل يعتبر من أدلة الإدانة عندنا وفي العالم كله!!

حقيقة سادسة: يوم نشر الصحف الأردنية لمجريات التعذيب تلك كانت محطة "العربية" تذيع لقاء مع رئيس الوزراء الأردني تحدث فيه عن ضرورة التمهل في التنمية السياسية (بمعنى الديمقراطية) لأن الأهم هو "الأمن", وباهى بأن المواطن الأردني يستطيع أن يتنقل في المملكة وهو يشعر "بالأمان" بفضل "العيون الساهرة" لرجال الأمن.. وعما جرى مع الإخوان المسلمين قال إنه كان يطبق القانون الذي هو "فوق الجميع"!!

حقيقة سابعة: لم يحاسب أي من رجال الأمن المتورطين في كل الممارسات الواردة في كل التقارير السابقة, ليس بأكثر من عزل البعض, مع أن قانون العقوبات ينطبق عليهم كما على المدنيين في أي جرم.. والسبب أنهم يحاكمون أمام محاكم عسكرية!!

وأي نقد للأجهزة الأمنية بأنواعها أو حتى الإدلاء بمعلومة مؤكدة تعتبر مجازفة. والدليل أن عددا من "النواب" الحاليين تصدوا للنائب الدكتور روحي شحالتوغ "بالتعنيف", وفي خطابات علنية بثها التلفزيون, لمجرد أنه أعلم المجلس بأن "الجهات الأمنية" هددته أثناء حملته ثم بعد انتخابه!!

وعطفا على عبارة دولة الرئيس ومثيلاتها مما يرد دائما في خطابات الحكومة والنواب, أقتبس من التقرير الثاني للسجين السياسي السابق علي السنيد (وقد صاغه بشكل سيرة ذاتية) "صار الضرب تقريبا مرسوما يوميا, وهو لا يكاد يصدق أن يغلق الليل الأعين الساهرة, حتى لا تشمل غرفته حملة الضرب الهوجاء"!

"
الأمن له مصدر واحد فقط هو الديمقراطية والعدالة وسيادة قانون دولي و محلي " فوق الجميع", غير جائر ولا انتقائي ولا منحاز ولا مؤقت
"
حقيقة ثامنة: الإرهاب هو حديث الساعة في العالم كله, وأهم ما في هذا الحديث أن الإرهاب ليس شأنا محليا, إذ أصبح عابرا للحدود والمحيطات والقارات, كما أن الكل يتحدث عن إرهاب الأفراد والجماعات مقابل إرهاب الدولة.

نحن نتهم إسرائيل, والآن أميركا, بأنهما يمارسان إرهاب دولة. وأميركا اتهمت نظام البعث في العراق وطالبان في أفغانستان وغيرهم العديدون بأنهم يمارسون إرهاب دولة.. والأميركان أنفسهم يتهمون حكومتهم بهذا ويطالبون بالتحقيق والعقاب.

وفي مقدمة كل الجرائم التي تساق في هذا الشأن يأتي التعذيب في السجون.. ولا توجد جريمة دون عقوبة, فالكل يدفع في النهاية وإن بدأ بعقاب بالأطراف الأضعف, فحتى الجيش والإدارة الأميركي والشعب الأميركي يدفعون وسيدفعون أكثر.. فالإرهاب يولد الإرهاب, و"الأمن" له مصدر واحد فقط هو الديمقراطية والعدالة وسيادة قانون دولي ومحلي "فوق الجميع", غير جائر ولا انتقائي ولا منحاز ولا مؤقت.. (المصادر في كل مكان ولا حصر لها)!!  

حقيقة تاسعة: هي أن الناس كلها تفهم عندما ترى الحقائق (المصادر: القرآن الكريم, وهو أيضا ما توصل إليه علماء النفس والاجتماع والتربية),  وفي عصر الفضائيات والإنترنت لم يعد أحد يملك حجبها.. وهذه الحقائق أو النقاط المشكلة للحقيقة ليس لنا فضل أو سبق فكري سياسي في الوصول إليها، فهي مادة عامة شائعة, وما قمنا به هو فقط دور أصغر باحث أو صحفي مبتدئ في جمع ونقل المعلومات عن ومن مصادرها!!
ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة