هل تحل ديمقراطية بوش مشاكل أهوار العراق؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ وحيد محمد مفضل

- بيئة الأهوار بالمنظور الأميركي.. آمال أم ادعاءات؟
- أبواق الدعاية الأميركية وحظوظ بيئة الأهوار!

أهوار العراق أو "جنة عدن القديمة" كما يحلو للبعض تشبيهها.. أرض بالغة العطاء، اشتهرت منذ القدم بثرائها التاريخي والاجتماعي والبيئي منقطع النظير، فهذه المنطقة كانت تمد الشعوب المحيطة بمعظم احتياجاتها من الغذاء، وهي قبل ذلك كانت مصدر إشعاع ثقافي وفكري على العالم أجمع من خلال واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية التي شهدت مولدها تلك المنطقة.

غير أن الأهوار اشتهرت لفترة طويلة بمميزات بيئية فريدة لم تتوافر لمنطقة أخرى، فقد كانت تزخر في الماضي بكل أشكال التنوع والثراء الأحيائي، بشكل دعا برنامج الأمم المتحدة للبيئة لتصنيفها واحدة من أهم مراكز التنوع الأحيائي في العالم.

لكن منذ عقود قليلة مضت بدأ الحال في الأهوار يتبدل إلى النقيض، فقد تعرضت هذه المنطقة لعدة عوامل ومؤثرات خارجية وداخلية أتت على معظم الأخضر واليابس فيها، في كارثة تعد من أسوأ الكوارث البيئية التي شهدها العالم على مر التاريخ.

وتتنوع أسباب تلك الكارثة بين بناء السدود والخزانات التي أنشئت في كل من سوريا وتركيا وإيران بداية من خمسينيات القرن الماضي والتي أسهمت بالإضافة للقنوات والسدود الأخرى التي أقامها صدام في حجب المياه عن تلك المنطقة، وبين الحروب المتتالية التي خاضها صدام وحولت المنطقة إلى ساحة اقتتال ودمار بدلا من بقائها ملاذا ومرتعا لملايين الكائنات، إضافة إلى تجاوزات صدام الأخرى وإهمال الحكومات العراقية المتعاقبة لتلك المنطقة وتغاضيها عن اتباع أساليب الإدارة الرشيدة فيها.


من غير الطبيعي الزج باسم البيئة العراقية وخاصة الأهوار في الدعاية لشعارات أميركية مريبة يعلوها كل الغبار ولا يخرج الغرض منها في أغلب الظن عن إيجاد مبرر أخلاقي لعمل غير أخلاقي
وقد يبدو طبيعيا الآن وفي ظل هذا التدهور أن تتعالى النداءات المطالبة بإصحاح بيئة الأهوار لا سيما أن الظروف حاليا في نظر كثير من الحالمين (تبدو) مهيأة لذلك بعد إسقاط نظام صدام وبدء انهمار وعود قوات الاحتلال بـ "عراق جديد" و"مستقبل أفضل" وغير ذلك من الوعود البراقة.

قد يكون هذا طبيعيا، لكن ما ليس طبيعيا على الإطلاق هو الزج باسم البيئة العراقية وخاصة بيئة الأهوار في الدعاية لشعارات مريبة يعلوها كل الغبار، ولا يخرج الغرض منها في أغلب الظن عن إيجاد مبرر أخلاقي لعمل غير أخلاقي ولا يتصف بالشرعية على أقل تقدير.

بيئة الأهوار بالمنظور الأميركي.. آمال أم ادعاءات؟
غريب حقا أنه في خضم الأحداث المتلاحقة حاليا في العراق من تصاعد عمليات المقاومة وتزايد موجات القصف المتواصل لقرى وبيوت مسالمة وقتل عشوائي للأطفال والنساء بحجة ودونها، في ظل تتابع هذه الأحداث واختلاط تلك المشاهد بصور الفقر والتشرذم والبؤس العراقي يخرج علينا -من عباءة الاحتلال– من يتحدث عن الآمال العريضة المعقودة على قوات التحالف في العودة بموائل الأهوار لحالتها الأولى التي كانت عليها سابقا.

والواقع أن الدعوة لذلك أو الترويج له الآن يعتبر في أقل وصف عبثا واستخفافا بكل العقول المغيبة، ومرجعية هذا الرأي تستند إلى عدة حقائق يمكن بيانها وإيجازها على النحو التالي:

1- سياسات بوش البيئية توصف بأنها من أسوأ السياسات العالمية على الإطلاق، وبها احتل بوش بجدارة منزلة أكثر الزعماء جورا على قوانين البيئة وحقوق الطبيعة ومقدراتها، ولعل توالي الانتقادات الموجهة إليه من قبل آل جور وعدد آخر من الساسة والعلماء الأميركيين ومن غالبية المنظمات والهيئات البيئية العالمية يوضح درجة الاعتراض على هذه السياسات ومدى تضرر المجتمع الدولي منها.

وبسبب هذا توصف الولايات المتحدة الأميركية بأنها أكثر الدول تنصلا من المبادرات والاتفاقيات البيئية العالمية. وهناك أكثر من مشهد يدعم هذه الفكرة، فمبادرة كيوتو للحد من الانبعاثات الضارة ووقف ظاهرة الاحتباس الحراري لم تسلم من تعنت إدارة بوش، ما أدى إلى تجميد هذه المبادرة ومن ثم استمرار معاناة العالم أجمع من تداعيات هذه الظاهرة.

كما أن المعاهدة الدولية لحظر استخدام الألغام المضادة للأفراد، وهي الاتفاقية التي اعترف بها حتى الآن أكثر من 150 دولة على مستوى العالم، رفضت هذه الإدارة بشكل قاطع وحاسم التوقيع عليها رغم أهدافها الإنسانية. غير أن تحريف البيت الأبيض مؤخرا لتقرير رسمي صادر عن وكالة حماية البيئة الأميركية لكي يتناسب مع رؤية الرئيس الأميركي بخصوص ظاهرة الاحتباس الحراري يؤكد هامشية أحوال البيئة في الفكر السياسي لإدارة بوش.

لذا لا يمكن بأي حال أن يكون حظ بيئة الأهوار -عند هذه الإدارة- أوفر من حظ أمور بيئية أخرى تبدو من المنظور العالمي والإقليمي أكثر إلحاحا وأهمية من بيئة جزء يسير في بلد بائس لا حول له ولا قوة.

2- تاريخ أميركا حافل بارتكاب العديد من الجرائم البيئية في أماكن متفرقة من العالم. وهذه الجرائم أقل ما توصف به أنها من أكثر الكوارث البيئية بشاعة وتدميرا لمقدرات الشعوب، وليس هذا ادعاء بقدر ما هو تلخيص لحقائق وأحداث تاريخية لا تحتمل الجدل، فدك نغازاكي وهيروشيما بالقنابل النووية إبان الحرب العالمية الثانية وما تخلف عن ذلك من آثار مروعة ومرعبة متعددة لا تزال اليابان تعاني منها للآن، ليس إلا مثالا بليغا على جريمة بشعة أقل ما توصف به أنها نكراء.

وجريمة إبادة ما يقرب من 25% من مساحة الغابات الفيتنامية إبان حرب فيتنام بما كان فيها من مجتمعات بشرية وأنظمة بيئية لا تعوض بواسطة مبيدات نباتية محرمة دوليا لا تزال آثارها ممتدة حتى الآن في أجسام ودماء الفيتناميين، ليست إلا مثالا ثانيا وعلامة سوداء أخرى في تاريخ أميركا البيئي والإنساني.


يحفل تاريخ أميركا بارتكاب العديد من الجرائم البيئية في أماكن متفرقة من العالم، وهذه الجرائم أقل ما توصف به أنها من أكثر الكوارث البيئية بشاعة وتدميرا لمقدرات الشعوب
غير أن استخدام أسلحة اليورانيوم المخصب الفتاكة التي جرى استخدامها على نطاق واسع وبكميات هائلة في حروب البلقان وأفغانستان والعراق الأولى والثانية التي تمتد آثارها المدمرة لمناطق شاسعة غير مناطق القتال، ليس استخدامها إلا دليلا ماديا جديدا سوف يظل قرونا طويلة شاهدا على فظاعة جرم دعاة حماية البيئة العراقية.

ولعل الكشف مؤخرا عن وثيقة سرية توضح تغاضي أميركا عن استخدام بغداد لأسلحة كيميائية في حربها ضد إيران مع التنديد بذلك في العلن يؤكد حقيقة هامشية البيئة العراقية في فكر الإدارات الأميركية المتعاقبة. كيف إذن لفكر وتاريخ من هذه النوعية أن يهتم بجانب مهمش لديه ولا يعنيه في شيء، اللهم إلا إذا كان يمكن استخدامه أداة لتحقيق مآرب أخرى.

3- تاريخ الإدارات الأميركية المتعاقبة في معالجة جرائمها البيئية السابقة أو على الأقل التخفيف من آثارها السلبية لا يبشر ولا يبعث على التفاؤل بتحقيق الإدارة الحالية وعودا مزعومة بخصوص بيئة العراق.

وليس تلكؤها في إعادة تأهيل غابات فيتنام التي أبيدت بواسطة رشها بمبيدات سامة محرمة دوليا، وليس تمنعها عن تقديم العون والمساعدات الطبية لهذا البلد لمعالجة عشرات الآلاف من حالات التشوه والأمراض السرطانية الناتجة عن استخدام هذه المبيدات إلا دليلا على أن ما اقترفته يد الظلم في وضح النهار تخفيه ظلمة الليل ويتم نسيانه بمجرد شروق فجر اليوم التالي.

وبالمثل فإن جريمة قذف هيروشيما ونغازاكي بالقنابل النووية وما تخلف عن ذلك من آثار مدمرة لا تزال تعاني منها هاتان المدينتان حتى اللحظة مع تمنع الإدارات الأميركية المتعاقبة من تقديم العون، هي مثل إضافي يدعم تلك الفكرة.

4- حتى وبافتراض أن أحوال البيئة العراقية تقع حاليا في بؤرة اهتمامات إدارة الاحتلال، فحتى الآن وبعد مرور ما يقرب من سنة أو أكثر قليلا على انتهاء العمليات العسكرية لم يسمع المجتمع العلمي العالمي عن أي برامج علمية حقيقية أو جادة صادرة عن الحاكم المدني للعراق أو غيره بشأن تنظيم شؤون البيئة العراقية، أو وضع خطط إدارة رشيدة لموائلها الطبيعية المتهالكة.

وكل ما اتخذ في هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادات ومجهودات متفرقة لمهاجرين عراقيين يحدوهم الأمل في استعادة ذكريات الماضي الجميل، أو لهيئات ومنظمات أو علماء مستقلين أخلصوا في الفكر والضمير، لكنهم تمادوا في التفاؤل بنوايا الاحتلال إلى الحد الذي صدقوا معه شعاراته المشبوهة.

5- إن منطقة الأهوار تعد من أغنى وأخصب المناطق في العراق، وهناك تكهنات عديدة بأنها ليست إلا تربة خصبة تطفو على بئر بترولية ضخمة، لذا فإنه من الوارد ألا تعدو التصريحات المتتابعة عن إعادة تأهيل وإصحاح بيئة الأهوار إلا غطاء وسندا أخلاقيا لتحقيق أطماع خفية في ثروة تلك المنطقة.

ومن المصادفات العجيبة في هذا الصدد أن يصرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأميركية بأن العوائد المنتظرة "للشعب العراقي" من تصدير "النفط العراقي" تتراوح بين 20 و30 مليار دولار سنويا، وحسب تلك المصادر فإن جزءا من تلك العوائد سوف يخصص لصالح إعادة "إعمار العراق".

من العجيب أن يصدر هذا التصريح عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وليس مثلا عن وزارة التعمير أو أي وزارة معنية أخرى، ولا يعنى هذا إلا أن البنتاغون هو سيد الموقف وأن "الهجوم" و"الهيمنة" وترسيخ الوجود الإستراتيجي وليس "حماية البيئة" أو "رفعة الشعوب ومساندة حريتها" هو المحرك الأول للإدارة الأميركية الحالية.


التصريحات المتتالية عن إحياء الأهوار وتحويلها إلى جنة عدن الجديدة لا تخرج عن كونها وعودا مبالغا فيها ومزايدة تهدف إلى تجميل وجه المحتل أكثر مما تهدف إلى تحسين بيئة الأهوار
6- بتجاوز كل ما سبق فإنه من واقع الناحية العلمية البحتة يتضح أن الدمار والتدهور الذي استمر عقودا عديدة وطويلة في الأهوار لا يمكن إصحاحه في شهر أو سنة حسب ادعاءات أبواق الدعاية الأميركية.
وجميع من أدلوا برأيهم في هذه المسألة سواء كانوا سياسيين أم علميين أبدوا تشككهم في إمكانية العودة بكامل منطقة الأهوار إلى ما كانت عليه في الماضي.

والواقع أن هذا الهدف لا يرتبط بمجرد توفر الدعم والإرادة والمال بقدر ما يرتبط بحقائق علمية وعوامل طبيعية لا يمكن التحكم فيها، وتشمل فيما تشمل عامل الوقت وتأثير المناخ والعوامل المائية الهيدروديناميكية ومشاكل التربة البائرة وبقية المتغيرات الأخرى سواء كانت طبيعية أم اجتماعية أم سياسية.

وهذا يؤكد مجددا أن التصريحات المتتالية عن إحياء الأهوار وتحويلها إلى جنة عدن الجديدة لا تخرج عن كونها وعودا مبالغا فيها ومزايدة، تهدف إلى تجميل وجه المحتل أكثر مما تهدف إلى تحسين بيئة الأهوار.

أبواق الدعاية الأميركية وحظوظ بيئة الأهوار
وعلى هذا النحو تسقط ورقة البيئة وحماية الموائل الطبيعية أو إصحاحها في العراق من حسابات ونوايا الإدارة الأميركية الحالية، هذا رغم أنها لم تسقط من أبواقها الدعائية أو من تشدقات المحابين والمؤيدين لها. وعلى هذا النحو لا تخرج الاعتبارات البيئية في الأهوار أو في العراق عموما عن كونها اسما حركيا مستعارا لأهداف خفية لم ينفض عنها الغبار بعد.

غير أن ثمة أخبارا سعيدة تواترت مؤخرا بشأن بيئة الأهوار، وقد تصب في مصلحة الشعارات الأميركية المزعومة ودعاتها، وتتمثل في تحسن الظروف والعوامل الطبيعية الفاعلة في تلك المنطقة.

فقد تساقطت أخيرا وعلى غير العادة كميات هائلة من الثلوج في الشمال، كما دمر عمدا بعد الحرب عدد من السدود التي بناها صدام لمنع تدفق المياه إلى الأهوار بواسطة عرب الأهوار وسكان المنطقة.

وقد أسهم ذلك كله في تحسن الحالة البيئية للأهوار قليلا، إذ كشفت الصور الفضائية الملتقطة حديثا بواسطة أقمار وكالة ناسا الأميركية أن مساحة الأهوار التي كانت مغمورة بالمياه تزايدت مؤخرا إلى أكثر من 30% بعد أن كانت لا تزيد ع 7% منذ فترة وجيزة.

ولعل الذاكرة تسعفنا بتذكر هذه الأخبار عندما يخرج علينا أحدهم بعزو التحسن في حالة الأهوار إلى فضائل إدارة الاحتلال وجهدها الدؤوب في "نشر الديمقراطية" و"إعمار العراق" وصنع "عراق جديد".
ــــــــــــــــــ
باحث بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد - مصر

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة