الأزمة بين النظام والحركة الإسلامية في الأردن   
الاثنين 1436/11/3 هـ - الموافق 17/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:56 (مكة المكرمة)، 14:56 (غرينتش)
جواد الحمد

توترت العلاقة بين الدولة والحركة الإسلامية في الأردن إثر اعتقال نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ زكي بني ارشيد بتهمة تعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك في نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

وفي المقابل فقد كان رد فعل الجماعة متزنا، حيث استهجنت اعتقال بني ارشيد والحكم بسجنه عاما في مارس/آذار 2015. وقد اعتبر الكثيرون هذا الحادث تطورا مهما في توتير العلاقة مع الحركة، حيث إنه ورغم قيام الأمن سابقا باعتقال أو التحقيق مع العشرات من أفرادها على خلفية قضايا رأي، ورغم دورها في ضبط الشارع الأردني تحت سقف إصلاح النظام خلال الربيع العربي، فإن هذا التحول ظل رهن التحليل بين من يعدّه خطوة تصعيدية ومن يرى فيه خطوة معزولة استجابة لاعتبارات كثيرة.

إن فهم طبيعة الأزمة واتجاهاتها أصبح مصلحة وطنية ومهمة تاريخية بغض النظر عن الموقف الفكري أو السياسي من الجماعة، لأن الأمر أصبح يتعلق بمصلحة البلاد ومستقبلها وليس بمجرد مصلحة مجموعة هنا أو هناك

وقد تسربت الكثير من المعلومات عن حقيقة الأزمة، لكن تشجيع مجموعة من القياديين السابقين على تشكيل جمعية مناوئة لجماعة الإخوان تحمل نفس الاسم فيما تعرف بـ"جمعية الإخوان المسلمين"، دفع الأمور إلى مربع جديد من التوتر الفعلي، وأفادت الكثير من التسريبات بأن ثمة قرارا حقيقيا بشق الجماعة واستهدافها لإضعافها، وربما لسحب شرعيتها السياسية والقانونية.

ومثلت عدة إجراءات "جزئية" بمنع الجماعة من القيام بفعاليات اجتماعية ودينية وسياسية معتادة برنامج مواجهة لم يَخفَ على المراقبين، ومع ذلك فقد تزايد التساؤل بشأن الغاية التي تخدم مصالح الأردن العليا من وراء هذه الإجراءات.

ومن هنا، يظهر بوضوح أن الدولة ربما قررت إعادة النظر بقواعد العلاقة التاريخية بين الطرفين، في حين لا يزال الغموض يلفّ الأسباب الموجبة لذلك على الصعيدين السياسي والاجتماعي، حيث مثلت جماعة الإخوان تاريخيا لبنة أساسية في الوحدة الوطنية بين المكونات المناطقية والجهوية للأردن، كما شكلت صمام أمان لمنع انزلاق البلاد إلى أعمال العنف والفوضى في أعوام 1957 و1989 و1991 و2011 وهكذا.

ولذلك فـإن فهم طبيعة الأزمة واتجاهاتها أصبح مصلحة وطنية ومهمة تاريخية بغض النظر عن الموقف من الجماعة فكريا أو سياسيا، لأن الأمر أصبح يتعلق بمصلحة البلاد ومستقبلها وليس بمجرد مصلحة مجموعة من السياسيين أو بحزب صغير هنا أو هناك، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جماعة الإخوان تمثل القوة الشعبية الأكبر في البلاد على مدى العقود السبعة الماضية.

من حيث المبدأ قامت العلاقة بين الإخوان والدولة على الحرية في العمل وحفظ الوحدة الوطنية والمحافظة على الاستقرار والأمن في البلاد، وعلى العمل السلمي المدني بكل مستوياته، وظل التعايش سيد الموقف بين الطرفين حتى في ظل مناوشات أمنية من الدولة وسياسية من الإخوان في عدد من المحطات السابقة.

وظل الملك يعتبر هذه الجماعة ضمانة مهمة من ضمانات استقرار الحكم والأمن في البلاد، وبذلك شكلت فلسفة التعايش أساس العلاقة بين الإخوان والدولة، وظلت قواعد العلاقة بينهما غير قابلة للاختراق حتى في ظل تحولات علاقات التيار الإسلامي بحكومات كثيرة في المنطقة.

وتمتع الإخوان بشرعية اجتماعية وقانونية وسياسية على حد سواء، وكان للجماعة دور مهم في العمل السياسي في البلاد منذ انطلاقة التجربة الديمقراطية الأردنية الجديدة عام 1989، وشكلت الجماعة قطب المعارضة الأبرز في سياساتها ومواقفها، لكنها لم تسجل على نفسها موقفا واحدا مناهضا لمصالح البلاد، بل كانت تبرر معارضاتها بالحرص على مصلحة البلاد، مما أبقاها جماعة وطنية غير متهمة، وتحظى باحترام أطياف المجتمع بكل منابته، وأراحت الدولة في المقابل لأنها لا تناكفها ولا تزاحمها، وإنما تسعى للمشاركة السياسية وتطالب بتعديلات دستورية وفق قواعد الدستور والنظام العام.

ظل الملك يعتبر هذه الجماعة ضمانة مهمة من ضمانات استقرار الحكم والأمن بالبلاد، وبذلك شكلت فلسفة التعايش أساس العلاقة بين الإخوان والدولة، وظلت قواعد العلاقة بينهما غير قابلة للاختراق حتى في ظل تحولات علاقات التيار الإسلامي بحكومات كثيرة

وأسست هذه العلاقة سياسة الدولة بعدم استهداف الجماعة، وذلك رغم قيامها بجهود محسوبة لإبقائها ضمن حجم معين سياسيا واجتماعيا ودينيا، وبما لا يعطيها القوة لفرض مواقفها على البلاد والدولة، وهو ما مثلته العديد من الإجراءات التعطيلية لأنشطتها وتوقيف العديد من أفرادها وبعض قياداتها، بل وتحجيمها في الانتخابات البرلمانية بوسائل متعددة دفعتها إلى إعلان المقاطعة عدة مرات، والتضييق النسبي على بعض مؤسساتها، ومنعها من التوسع في العمل الاجتماعي والمدني في البلاد، وظل القصر الملكي يدعم فكرة اعتدال الجماعة ورشدها وشرعيتها في عهدي الملك الحسين والملك عبد الله الثاني، أي طيلة 65 عاما.

ولذلك فإن التوقف عند أسباب التوتر بين الجانبين ودوافعه وتداعياته، ولمصلحة من؟ ومن يقف خلفه؟ يعد مسالة وطنية بالفعل، وإن إنصاف الجماعة والموضوعية في التعامل مع مواقفها كما النظام الأردني إنما يصب في مصلحة الفهم والبحث عن خيارات أفضل بديلا للتوتير وإثارة القلق في معادلة الوحدة الوطنية، خاصة بعد انسياب اتهامات مرسلة بأن الجماعة أصبحت ذات توجهات فلسطينية، وكأن قضية فلسطين ليست من صلب السياسة الأردنية، كما أن إثارة مسألة الأصول الفلسطينية لقيادة الجماعة يدفع بمعايير الانقسام المجتمعي الخطرة إلى السطح، الأمر الذي يهدد النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية، خاصة وأن المئات من القيادات في الدولة من أصول فلسطينية أو على صلة بفلسطينيين نسبا وشراكة وغيرهما.

ولذلك فإن مقتضى الوطنية والعلمية والموضوعية يفرض التوجه لرسم معالم الخروج من الأزمة وليس تعميقها، خاصة إذا ما علمنا أن من أخطر تداعيات توتر العلاقة بين الطرفين، وانقسام الإخوان، وتدخل الدولة لصالح طرف منهم ضد طرف آخر، هو فقدان الدولة لدور الرعاية، والتوفيق بين مكونات البلاد، ورعاية مصالحها الجمعية دون تمييز، كما أن الدولة الأردنية أسست نفسها كدولة قانون ودولة مواطنة، فكيف يمكن تسويغ هذه التصرفات من البعض تجاه جماعة أردنية وطنية معتدلة، حتى لو اختلف معها في الرأي والموقف السياسي أحيانا؟

يؤرخ البعض لتزايد عنصر التوتير مع الإخوان في الأردن بالربيع العربي عام 2011، ويؤرخه البعض الآخر بفوز الإخوان بحكم مصر عام 2012، في حين يربطه آخرون بسقوط حكم الإخوان في مصر عام 2013، لكن الحقيقة الجامعة أن هذا المستوى من التوتر طارئ على قواعد العلاقة وعلى سلوك الدولة الأردنية مع الجماعة، بل مع الجماعات المثيلة والحزبية، مما يُبقي الفرصة متاحة تماما لإعادة التقييم، وفق منهجية واضحة.

ولذلك لا بد لأي بحث في الموضوع أن يتبع منهجية واضحة وعلمية تستقرئ وتستشرف ماذا استفادت البلاد من هذا التوتر؟ وما قيمة إضعاف جماعة ملتزمة بالقانون والنظام وتعمل في العلن وتدعم الاستقرار والأمن وتمثل خط الاعتدال، وتشكل رافدا مهما من روافد الوحدة الوطنية؟ كما ينبغي الإجابة على أسئلة إستراتيجية من مثل ما هي المصلحة الوطنية المتوخاة من تصعيد التوتير واستمراره؟ وما هي المصالح التي فقدت بهذا التوتير؟

إن طاولة الحوار تمثل دوما القاسم المشترك بين الناس عموما والسياسيين خصوصا، وهي أدعى بين أفراد العائلة الواحدة التي تمثلها حالة الأردن بنظامه التوافقي، وعلاقاته الاجتماعية القوية، وتماسك بنيانه العشائري والعائلي بين كل المنابت بلا استثناء، والذي تصهره علاقات النسب والقرابة والدم، وتمنحه أفضلية على كثير من الأقطار الأخرى.

ولذلك فإن فتح أبواب الحوار المباشر وغير المباشر، واعتماد الصراحة في تناول القضايا الخلافية، والإفصاح عن طبيعة السياسات والمواقف الحقيقية حيال ما يجري في المنطقة من قبل الجماعة، ومشاركة أصحاب القرار في رأب صدع الجماعة ودعم وتشجيع تماسكها للمحافظة على الوحدة الوطنية، ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها البلاد، وتوفير أجواء الحرية للدعوة الإسلامية المعتدلة وبرامجها وقياداتها والتي يمثل الإخوان رافعة مهمة فيها، إن تبني مثل هذا التفكير اليوم أصبح ملحا لقيادة البلاد وقيادة الإخوان في آن واحد، كما هو ملح للعقلاء، وهم كثر، من أبناء هذا البلد العزيز.

حل الأزمة والتراجع عن الاستمرار فيها مصلحة متحققة للدولة، كما هي مصلحة متحققة للإخوان، وبالتالي فهي مصلحة كبرى للبلاد، وتحول لازم في بوصلة الأزمة تلعب فيه الدولة والإخوان والمجتمع والقوى الوطنية والإعلام دورا مهما

ونظرا لما يُلحظ من تحولات في سياسات البلاد وإعادة التموضع الإقليمي والداخلي على عدد من المحاور، فإن عودة العلاقة بل تحسنها بين الدولة والإخوان سوف يوفر الجهود الوطنية ويوحدها لمواجهة التحديات ويزيد من عوامل الأمن والاستقرار فيها، خاصة إذا ما تبعه تعديل حقيقي وجاد لقانون الانتخاب ليسمح بوجود هذه الجماعة عبر حزبها السياسي في الحياة السياسية العامة.

وفي حال نجاح هذا التوجه فإن الأردن بالفعل يستجمع قواه الداخلية المهمة وقوته البشرية المميزة وتعايشه وتكامله الداخلي ليشكل دولة قوية موحدة مستقرة قادرة على التعامل مع المتغيرات الداخلية والخارجية من تطرف وإرهاب، أو من نظريات توسعية لدى بعض الأطراف، أو من محاولات النيل من قيمة البلاد من أطراف أخرى، أو من محاولات استغلال حاجات الأردن وحكمته من قبل البعض الآخر. وبذلك يتمتع الأردن بقوة وثقة على التغيير اللازم لتعديل أي سياسات أو هياكل في الدولة وهو مسنود الظهر، محمي بالوحدة الوطنية.

ختاما، فإنه مما لا شك فيه أن مثل هذه المقالة لا تتسع لبحث التفاصيل التي ربما غابت عن سطورها، لكن العودة إلى أدبياتنا السابقة وأدبيات الدولة وأدبيات جماعة الإخوان فيما يتعلق بهذه الأزمة يُثري ويدعم الكثير من الأفكار الواردة في هذه المقالة، التي أردنا منها وضع الأزمة بين الإخوان والدولة في إطارها الفكري والسياسي انطلاقا من المصالح العليا للبلاد، والتي لا تغيب عن صانع القرار أهميتها في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المملكة في ظل التهديدات المحيطة بها، والتحديات التي تواجهها.

الأمر الذي يجعل من حل الأزمة والتراجع عن الاستمرار فيها مصلحة متحققة للدولة، كما هي مصلحة متحققة للإخوان، وبالتالي فهي مصلحة كبرى للبلاد، وإن هذا التحول اللازم في بوصلة الأزمة تلعب فيه الدولة والإخوان والمجتمع والقوى الوطنية والإعلام دورا مهما ورائدا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة