إسرائيل والقوة الدولية والعلاقة مع إيران   
الجمعة 1427/7/16 هـ - الموافق 11/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 19:42 (مكة المكرمة)، 16:42 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


- القوة الدولية وسلاح حزب الله
- إثارة الشكوك حول صفقة إيرانية أميركية
- لماذا نستبعد الصفقة الإيرانية الأميركية؟
- القوة الدولية في مرمى التيار الجهادي

حسب أفرايم هليفي، الرئيس السابق للموساد (89 -2002) ومستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية إيهود أولمرت في مقال نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 2/8، فإن للقوة الدولية المقترحة على الحدود اللبنانية السورية مع الأراضي المحتلة 48 جملة من المهمات المفترضة.

من بين هذه المهمات منع انتقال السلاح من سوريا إلى حزب الله عن طريق البر، إلى جانب التمهيد لنشر الجيش اللبناني على امتداد الحدود الجنوبية، ومن ثم تجريد حزب الله من سلاحه، بما ينطوي عليه ذلك من إزالة خطر تهديد صواريخ الكاتيوشا والصواريخ السورية والإيرانية للدولة العبرية.

عبر هذه الفرضية المتفائلة تستطيع الدوائر الإسرائيلية الحاكمة أن تروج موضوع القوة الدولية كمبرر لوقف العدوان على لبنان، من دون تحقيق إنجازات ظاهرة على شاكلة اغتيال الأمين العام لحزب الله وعدد من قادة الحزب وصولا إلى إضعافه مع دق إسفين بينه وبين فرقاء الساحة اللبنانية وعموم الوضع العربي الخائف من "مغامرات" سوريا وإيران ومشاريعهما في المنطقة، أو على شاكلة الحيلولة مباشرة دون قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ من خلال ضرب منصات الإطلاق التي يملكها، أو ضرب البنية العسكرية القادرة على مواصلة التحرش بالدولة العبرية.

"
التقدير الفرنسي القائل بأن القوة الدولية لن تجرد حزب الله من سلاحه هو الصواب وكذلك قول وزير الخارجية الفرنسي إن إيران عامل استقرار في المنطقة
"
القوة الدولية وسلاح حزب الله

لكن أفرايم هاليفي نفسه، وعبر خبرته الطويلة في العمل الاستخباري لا يرى الأمور على هذا النحو المتفائل، إذ يشير إلى "خطر كبير جدا" تنطوي عليه هذه الخطة.

ويتذكر ابتداء تجربة مشابهة وقعت قبل أكثر من عشرين عاما عندما وصلت قوة دولية ضمت 1800 من المارينز الأميركي و1500 مظلي فرنسي و1400 جندي إيطالي وغيرهم إلى لبنان لمساعدة الحكومة على بسط سيطرتها الأمنية والسياسية على البلاد. لكن بضعة عمليات استشهادية كانت كفيلة بترحيل تلك القوات.

لذلك كله لا يرى هاليفي أملا "في أن تقام قوة دولية في لبنان مع صلاحيات فرض للسلطة"، مشيرا إلى صواب التقدير الفرنسي القائل بأن القوة المذكورة لن تجرد حزب الله من سلاحه، ومشيرا أيضا إلى صحة ما قاله وزير الخارجية الفرنسي في بيروت من أن إيران عامل استقرار في المنطقة.

ومع العلم بأن فرنسا هي التي ينبغي أن تشكل العمود الفقري للقوة الدولية، فإنها ترفض مناقشة التفاصيل قبل وقف إطلاق النار.

لكن الموقف الفرنسي عاد كما هي عادته إلى التراجع أمام واشنطن، ربما بسيف الترغيب والترهيب، وربما لأن المصالح الإسرائيلية ليست بعيدة عن الحراك الفرنسي الداخلي في ظل الحضور الكبير لليهود في دوائر السياسة والإعلام.

ولا شك أن المشروع الذي قدمته باريس بالتشاور مع واشنطن قد انحاز بشكل سافر للدولة العبرية، وعمل على منحها بالسياسة ما لم تحصل عليه بالحرب.

في ظل هذا التقدير القائل باستحالة تجريد حزب الله من سلاحه من خلال قوة دولية، وتأسيسا على فرضية أخرى تقول بصعوبة الوضع الذي تعيشه إيران في مواجهة الضغوط الدولية بشأن برنامجها النووي، وهي "الوكيل الحقيقي لحزب الله" حسب هاليفي، فإن الحل الذي يراه الرجل هو التعامل بإيجابية مع جهود تشكيل القوة الدولية ما دامت محكومة بالفشل.

ويرى أنه لا بد من مجاملة للولايات المتحدة التي تشكل العلاقة الخاصة معها أكبر مصالح الدولة العبرية الإستراتيجية، ولكن من دون الكف عن مطاردة حزب الله، مع بقاء الهدف الأصلي هو الجلوس على طاولة المفاوضات مع إيران.

"
أهم ما يمكن فهمه من كلام هليفي هو أن القوة الدولية المقترحة لن تشكل سوى مسكّن عادي لسرطان مستحكم لا بد من استئصاله، إضافة إلى حقيقة أن المخاوف الكبيرة منها لا تبدو مبررة
"
إثارة الشكوك حول صفقة إيرانية أميركية

في السياق العام لكلام هليفي يغيب العرب تمام الغياب، وإذا حضروا ففي سياق التناغم مع المنطق الإسرائيلي، ولا تحضر إلا إيران، وإلى حد ما سوريا.

والنتيجة هي تعزيز الشكوك العربية في إمكانية ترتيب صفقة إيرانية أميركية إسرائيلية تشمل الملف اللبناني، وربما العراقي الذي لا يحضر في كلام زعيم الموساد السابق، في حين سيتذكره العرب الخائفون من "الطوفان الشيعي" الممتد من إيران إلى العراق والخليج وصولا إلى سوريا ولبنان.

من الصعب اعتبار ما يقوله هليفي مجرد نصيحة تقدم إلى دوائر صنع القرار في دولته، ولو كانت كذلك لقدمت من خلال الأطر السياسية الطبيعية، لاسيما أن صاحبها هو مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء.

لكنها فيما يبدو نصيحة معلنة هدفها تعزيز الشكوك العربية إزاء صفقة محتملة بين الإيرانيين والأميركان تشمل الملف الشيعي برمته في المنطقة، لاسيما أن هناك من يروج لوجود هذه الصفقة في الأطر العربية الرسمية كمبرر للمواقف التي اتخذها من العدوان على لبنان، وقبله من العملية التي نفذها حزب الله واستخدمت ذريعة لشن العدوان من طرف الإسرائيليين.

على أن أهم ما يمكن فهمه من كلام هليفي هنا هو أن القوة الدولية المقترحة لن تشكل سوى مسكّن عادي لسرطان مستحكم لا بد من استئصاله، إضافة إلى حقيقة أن المخاوف الكبيرة منها لا تبدو مبررة.

صحيح أنه يتحدث عن استمرار العمليات العسكرية من أجل إتمام المهمة وصولا إلى الجلوس مع إيران؛ الوحيدة المتحكمة في قرار حزب الله حسب قناعته، لكن ذلك لا يعني في واقع الحال سوى مسار قد ينجح وقد يفشل، فيما يبدو أن احتمال فشله هو المرجح.

"
لا إيران ولا عقلاء الشيعة من شتى البلدان، لاسيما العرب، يمكن أن يتجاهلوا أن الغالبية الساحقة من أبناء الأمة هم من السنة، وأن أي نزاع مذهبي في المنطقة لن يكون في صالح الطرفين، إن تداعياته ربما تكون أسوأ على إيران
"
لماذا نستبعد الصفقة الإيرانية الأميركية؟
أبرز أسباب الفشل المتوقع للصفقة الإيرانية الأميركية هو ذلك المتمثل في عدم صحة الفرضية القائلة بأن العرب سيسكتون على تغييبهم عن الملف اللبناني الذي يشكل فيه الشيعة ربع المعادلة السكانية لا أكثر إذا ما عاد الاصطفاف إلى مربعه الأول.

صحيح أن السوريين لايزالون عنصرا فاعلا في المعادلة اللبنانية، وهؤلاء يفترض انسجامهم مع إيران، لكن ذلك لا يبدو كافيا لترتيب الموقف لصالح الصفقة المذكورة.

فهناك السنة، وهناك الدروز والموارنة وسواهم ممن يمكن أن يصطفوا في الجانب الآخر إذا ما وجدوا أن المعادلة تذهب في غير صالحهم، بل إن السنة قد يذهبون نحو الحرب الأهلية إذا توفر الدفع العربي وإذا ما أحسوا أن الوضع سيفلت من بين أيديهم.

ليس هذا فحسب، بل إن هناك الموقف الشعبي العربي والإسلامي الذي لا يمكن أن يمرر تمددا شيعيا في المنطقة يتم بالانسجام مع المصالح الإسرائيلية والمشروع الأميركي.

وهذه الجماهير التي اصطفت إلى جانب حزب الله ونسيت خلافاتها المذهبية، بل نسيت معادلة البؤس العراقي المعروفة، هي ذاتها التي يمكن أن تذهب في الاتجاه المقابل بكل سهولة.

ونتذكر في هذا السياق تجربة الثمانينيات عندما انقلب الموقف الشعبي من المساندة لإيران إلى الوقوف ضدها حين رفضت وقف الحرب، وانتشرت يومها كل الأدبيات المناهضة للشيعة وتحول صدام إلى حارس للبوابة الشرقية للأمة العربية.

لا إيران ولا عقلاء الشيعة من شتى البلدان، لاسيما العرب منهم، يمكن أن يتجاهلوا أن الغالبية الساحقة من أبناء الأمة هم من السنة، وأن أي نزاع مذهبي في المنطقة لن يكون في صالح الطرفين الإيراني والعربي، بل إن تداعياته ربما تكون أسوأ على إيران على المدى المتوسط والبعيد.

بل إن هناك الآن من يعتقد وجود اصطفاف عربي أميركي لا تبدو تل أبيب بعيدة عنه يستهدف إيران، ومن حق إيران أن تحسب حسابا لهذا الأمر، مما يعني أن ثمة محاولات لدق إسفين بين العرب والإيرانيين.

وهذا الأمر الذي يتطلب حوارا عربيا إيرانيا يضع على الطاولة مخاوف الطرفين من دون حضور الأميركان كشريك، وإن بدا أن أمرا كهذا يبدو صعبا في ظل الخضوع العربي للضغوط الأميركية.

ثم إن افتراض موافقة إيران بسهولة على ترتيبات معينة مع الإسرائيليين والأميركان ترفضه الغالبية الساحقة من الأمة ولا يبدو صحيحا بحال.

ليس فقط لأن المساومة ستشمل شطب الحلم النووي عمليا حين وصلت اللقمة النووية إلى الفم ولم يعد من السهولة بمكان لفظها، مما يجعلها أقرب إلى الفشل، وليس فقط لأن القيادة الإسلامية في طهران ستواصل، التزامها بالقضية الفلسطينية كما كان حالها طوال السنوات الماضية، وبالضرورة للعلاقة مع سوريا المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مما يعني استمرار الصدام مع الدولة العبرية، ولكن أيضا لأن السيد حسن نصر الله لا يبدو تابعا للهواجس الإيرانية على هذا النحو الذي يتحدثون عنه.

فقد وصل الرجل إلى مستوى من النضج والقوة بحيث يصعب التعامل معه بمنطق التلميذ المطيع الذي لا يسأل معلمه عما يفعل.

صحيح أن علاقة الرجل بإيران كانت ولاتزال إستراتيجية، ولكن الصحيح أيضا هو أن له تأثيره فيما يتصل بالقرارات السياسية الإيرانية التي تخص المنطقة.

وما موقف الرجل مما يجري في العراق سوى تأكيد على ذلك حتى لو اعتبرنا أن موقفه لا يدعم المقاومة بشكل واضح ويتبنى في بعض فصوله خطاب القوى الشيعية العراقية.

"
ثمة بعد آخر لم يلتفت إليه هليفي نهائيا في تقديره للموقف، إنه البعد الجهادي الذي يحضر من دون إذن في ميادين كثيرة قبل أن تبدأ بعض الجهات بالتعامل معه كحقيقة واقعة
"
القوة الدولية في مرمى التيار الجهادي

ثمة بعد آخر لم يلتفت إليه هليفي نهائيا في تقديره للموقف، إنه البعد الجهادي الذي يحضر من دون إذن في ميادين كثيرة قبل أن تبدأ بعض الجهات بالتعامل معه كحقيقة واقعة.

نتذكر ذلك في الحالة العراقية التي لم يتصور أحد تحولها إلى ساحة للفعل الجهادي، ونتذكر ذلك أيضا في أفغانستان التي تحولت إلى مستنقع آخر لقوة دولية لا تختلف كثيرا عن تلك المقترحة في لبنان.

وحين نأتي إلى لبنان فإن حضورا كهذا سيكون أمرا واقعا بعد قليل من الوقت، ليس فقط لأنه يفتش عن ساحات جديدة، بل أيضا لأنه يتوق إلى ساحة أقرب ما تكون إلى فلسطين.

في الساحة اللبنانية ثمة حشد من القوى الجهادية الجاهزة لإعادة خلط الأوراق كما هو حال الفلسطينيين في المخيمات، فضلا عن الكثير من اللبنانيين القريبين من فكر القاعدة.

ولا تسأل بعد ذلك عن إمكانية أن تحصل مثل هذه القوى على دعم عربي إذا ثبت أن الصفقة التي يتحدث عنها هليفي قد غدت قريبة، فضلا عن أن تتحول إلى واقع.

خلاصة القول هي أن الدولة العبرية تعيش مأزقا تاريخيا في ظل السقف الذي وضعته لنفسها جغرافيا وسياسيا، في وقت تبدو فيه خيارات الأمة أكثر قوة بعد تجاوزها لعجز الأنظمة وتصدرها لمهمات المواجهة.

لقد تأكد الآن أن إصرار الدولة العبرية على خطابها المتعلق بالتسوية الجغرافية والسياسية في المنطقة، سواء كان فلسطينيا أو سوريا ولبنانيا أو فيما يتعلق بالهيمنة على المنطقة لا يمكن أن يمر من دون استسلام عربي شامل، الأمر الذي لا يمكن أن يحدث بحال من الأحوال.

من فلسطين إلى العراق ولبنان وأفغانستان تحضر الشعوب وتغيب الأنظمة. تحضر ثقافة المقاومة والاستشهاد وتغيب ثقافة الواقعية بمعنى الاستسلام للواقع التي تروج لها الأوساط الرسمية والعلمانية وغير العلمانية المرتبطة بها.

وفي ظل مثل هذه الثقافة يتعمق مأزق الغزاة إلى درجة لا يدرون معها كيف يخرجون منه دون خسائر إستراتيجية تصيب الحاضر والمستقبل في آن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة