الليبرالية في التاريخ ثم خارجه   
السبت 1430/3/10 هـ - الموافق 7/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 9:35 (مكة المكرمة)، 6:35 (غرينتش)
هيثم مناع


أي مكر للتاريخ في أوضاعنا العربية المعاصرة؟ يوم كانت الليبرالية الوطنية، ممثلة بأبرز أقطابها أحمد لطفي السيد، تناضل مطلع القرن العشرين من أجل زرع نويات فكر ديمقراطي في مصر والمشرق العربي، دفع الخطاب الليبرالي الأصيل يومها، ثمن التماهي مع ما يمكن تسميته الكولونيالية الليبرالية، فتقدمت على حسابها اتجاهات قومية واشتراكية وإسلامية.

"
في زمن الحرب على الإرهاب كانت الغاية تبرر الوسيلة بأسوأ المعاني، فحدث تراجع على صعيد الحقوق الأساسية للإنسان لم تعرف مثله البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مس أهم ما قدمته الليبرالية الغربية للمشروع الديمقراطي
"
ويوم صارت الليبرالية، عقب التعبيرات الجديدة للهيمنة والسيطرة في العلاقات بين الشعوب، تدفع الاتجاهات الديمقراطية ذات البعد الاجتماعي والتحرري ثمن التماهي مع الدولة القومية والإسلامية، لتبرز اتجاهات ليبرالية غير مؤهلة للرد على تحديات القرن الواحد والعشرين.

وليس بوسعها إلا أن تشكل متنفسا نخبويا لأفراد وجماعات لم تقدم لهم الدولة الاستبدادية العربية بأحسن الأحوال سوى صفة الرعايا.

لو تابعنا عودة تعبير الليبرالية في ربع القرن الأخير في المنطقة العربية، نجد هذه الكلمة قد عادت أول ما عادت مع كوادر خليجية درست أو عاشت في الولايات المتحدة والغرب. وعند نزولها في بلدانها، لم يكن بوسعها إلا الحديث في الديمقراطية، هذه الكلمة المكلفة في بلد شمولي، أو حقوق الإنسان الأكثر كلفة، أو الاشتراكية (في وقت جندت المملكة العربية السعودية فيه جحافل الأفغان العرب).

كلمة ليبرالي كانت الدلالة على سلوك شخصي أولا، وحالة تمايز عن الأحزاب اليسارية ثانيا، وجزءا من المنظومة السائدة ثالثا.

في أطروحة دكتوراه دولة في القانون مقدمة لجامعة السوربون، يؤكد أحد أساتذة جامعة الرياض منذ 1985، أن المذهب الحنبلي هو أكثر المذاهب ليبرالية في الإسلام بالمعنى الاقتصادي.

ويمكن القول إن هذا التوجه قد عبر عنه بوضوح نشوء صحف ممولة سعوديا في لندن. وكان لهذه الصحف فضل إنضاج هذا التوجه أكثر بحكم احتكاكها بالعالم، والصراعات السياسية المباشرة لأية صحيفة يومية، واستكتاب أقلام متميزة.

ولا شك أن سقوط جدار برلين وهزيمة الأيديولوجيات المدافعة عن أنموذج الدولة السوفياتية الذي ترافق تقريبا مع هزيمة أنموذج الدولة القومية في العراق عام 1990، قد أعطى جيشا عرمرما من المنتمين سياسيا وفكريا، الباحثين عن أنفسهم في هوية جديدة.

الليبرالية بهذا المعنى، جاءت بوصفها الكشكول البهائي الذي تتسع ذمته لكل من يحمل لقب (سابق) من شيوعي سابق إلى قومي سابق وأخيرا وليس آخرا إسلامي سابق.

ويمكن القول إن هذا التوجه، وحتى أحداث سبتمبر/أيلول 2001، كان يفضل تعريف الذات في توصيف "مجتمع مدني" في طور التشكل والبحث عن النفس. وبهذا المعنى كان أقرب مرجعية لعصر التنوير منه لظلامية المحافظين الجدد.

وقد بدأت المشكلة حقيقة يوم طرحت الإدارة الأميركية وبحدة المنهج المانوي الثنوي الجديد في الثقافة والإعلام والإستراتيجيات السياسية والعسكرية: إما الاصطفاف مع الإدارة الأميركية أو مع الإرهاب. إما المدرسة السياسية الأميركية الحاكمة منذ سبع سنوات (محافظون جدد، ليبراليون جدد، مسيحيون صهاينة) أو التطرف الإسلامي الذي صار العدو والخطر الأكبر على مستقبل البشرية.

وضمن هذا التوجه، كانت الحرب على أفغانستان، ثم احتلال العراق، لا من أجل إبعاد طالبان وصدام حسين (وإلا ما معنى الحديث عن بقاء قوات حلف شمال الأطلسي لعقود في كابل؟) وإنما لرسم خارطة جديدة لعالم كان تقسيمه على قواعد ثنائية القطب، قسمة لم تعد صالحة لحقبة الهيمنة الأحادية الأميركية.

في هذا الوضع تم استنفار كافة مؤسسات السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة من أجل هذا المشروع التوسعي من شراء صحفيين أو مترجمين أو بحاثة في مؤسسات قيد الطلب، وصناعة منظمات "تنمية الديمقراطية" وتفريخ مؤسسات إعلامية مناسبة، بل والتسليح إذا احتاج الأمر.

في ستة أعوام من "الحرب على الإرهاب" كانت الغاية تبرر الوسيلة بأسوأ المعاني. حدثت تراجعات على صعيد الحقوق الأساسية للإنسان لم تعرف مثلها البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد مست هذه التراجعات أهم ما قدمته الليبرالية الغربية للمشروع الديمقراطي: سلامة النفس والجسد، قانون الإحضار أمام قاض habeas corpus، منع العزل عن العالم، حظر السجون السرية، حصانة المال والملكية الفردية، إدانة الاعتقال التعسفي والخطف والتسليم، وجود وضع قانوني لكل طالب لجوء، احترام الحريات الشخصية (سرية المكالمات الهاتفية والمراسلات البريدية وتحويل المال والتنظيم في جمعية أو هيئة وعملها داخل وخارج الحدود).

"
من الضروري التنويه بأن هناك من الديمقراطيين العرب من يعتقد بأن طرح الإشكاليات الليبرالية الأساسية كطرف في الحوار الفكري يشكل عتلة ضرورية لنهوض الفكر الديمقراطي العربي
"
إن أهم ما دافع عنه عمانوئيل كانت في القرن الثامن عشر أصبح كما تقول منظمة هيومان رايتس ووتش الأميركية "جزءا من الوقاية من الإرهاب": الممارسة المدنية ليست ضرورية إلا إذا كانت ذات جدوى عملية.

لذا يجري إحياء الروابط العضوية طائفية كانت أو قبائلية في المنظومة السياسية للاحتلال. الجمعية غير الحكومية هي المكتب المتابع من فوق وليس العمل الميداني من تحت. التفكير ليس ممارسة للحرية إلا في ظل الأمن القومي.

وبهذا المعنى، من ليس معنا هو بالضرورة ضدنا، أي أن النقد كعلم ومعيار ومساءلة بشرية ضرورية، حكمه في "الحرب على الإرهاب" كحكم الاجتهاد عند بعض المسلمين: معطل.

منذ احتلال العراق أصبح استقطاب نخب عربية تدافع عن الخطاب الليبرالي يحمل بعدا دوليا بالضرورة، وقد استوعب أمراء الحرب الأهلية في لبنان هذه الفكرة قبل غيرهم، لذا نجدهم يعيدون إنتاج الخطاب المانوي ويهمشون من يرفض القولبة فيه: التحالف مع المحور الفرنسي الأميركي أو المحور السوري الإيراني.

وقد انتقلت العدوى للأسف إلى بعض شخوص المعارضة السورية الذين يطالبون السلطة السورية بالعودة إلى المحور المصري السعودي، لأن سوريا غير قادرة على دفع تكاليف التحالف مع إيران!

المأساة الحالية لهذا الوضع، أننا في حقبة تسطيح وتسفيه الخطاب الديمقراطي وحقوق الإنسان. هذه الحقوق التي أعطاها الفكر الليبرالي الأوربي زخما فكريا كبيرا كحقوق مدنية وسياسية طبيعية، باستعارة التعبير السائد في القرن الثامن عشر، كما أعطاها الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي داخل وخارج أوروبا، بما في ذلك الاستعمار المباشر وحركات التحرر الوطني، بعدا جديدا تمثل في حق تقرير المصير والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكان للحرب الباردة الفضل في تدوين هذا البعد التاريخي الذي كان محصورا حتى 1938 في أرشيف المنظمات غير الحكومية والحركة الحقوقية، في عهد صادر عن الأمم المتحدة.

كما كان للنضال من أجل وقف التدمير المتسارع للميراث البيئي لملايين السنين أن بلور مفهوم الحقوق البيئية، وللنضال ضد الفساد على الصعيد القومي والعالمي أن تمخض عن إعلان عالمي ضد الفساد، إضافة إلى تعزيز القانون الدولي بقيام محكمة جنائية دولية.

كل هذه الإنجازات لم تكن ابنة المدرسة الليبرالية في الفكر والسياسة، بل يمكن القول إن معظمها كان بمواجهة مباشرة مع الليبراليين الجدد. فهي وليدة نضالات نقابية وشعبية ومنظمات مدنية عريقة تمكنت من تأصيل مفهوم جديد اسمه "كل الحقوق للجميع" الذي ناهضت به هذه التيارات الخلاقة بآن معا، التوتاليتارية السوفياتية وعقلية الهيمنة الأميركية.

من هنا، يبدو لنا اختزال الخطاب السياسي بالاستبداد والحرية تحجيما للعقل الشامل القادر على قراءة العالم في الذات، والذات في العالم. فهل يمكن اليوم حصر الذهن السياسي في معاناة القبيلة والقرية في حقبة يتحدث فيها الناس عن صيرورتنا الكونية قرية؟

يمكن إعادة طرح السؤال انطلاقا من مشكلتين أساسيتين هما سبب الحالة الضبابية لما يسمى الليبرالية في العالم العربي:
الأولى: إشكالية من هم، أي أزمة الانتماء والهوية والتخوم. لا شك أن أزمة مجمل التيار غير الديني في العالم العربي تنعكس بقوة على من يستعمل كلمة الليبرالية مدحا أو ذما.

فنحن أمام مجموعات هلامية، بعضها في الحكم (كتوجه جمال مبارك في مصر وبعض الوزراء في المغرب وأحزاب لبنانية في الأغلبية الحاكمة وعدد من الشخصيات في الخليج..) وبعضها في المعارضة (حال بعض السوريين والسودانيين والليبيين..) الذين رجحوا حينا القراءة الاقتصادية الليبرالية وأحيانا أخرى القراءة السياسية.

"
الليبرالية اليوم هي المدرسة التي أثبتت جدارتها بتفوق الأنموذج العلمي والتقني والعسكري الأميركي، أي أن قوة المثال تستحق التجربة، وأن الممانعة ضمن عقلية يسارية متآكلة أو خطاب حالم لحقوق الإنسان سيحرم البلد من النهوض الاقتصادي والتنموي
"
ولكنهم في كل الأحوال ينطلقون من أن الليبرالية اليوم هي المدرسة التي أثبتت جدارتها بتفوق الأنموذج الأميركي العلمي والتقني والعسكري والاقتصادي، أي أن قوة المثال تستحق التجربة، وأن الممانعة ضمن "عقلية يسارية متآكلة" أو "خطاب حالم لحقوق الإنسان" سيحرم البلد من النهوض الاقتصادي والتنموي، ويحرم شعوبنا من حقوقها السياسية، ويعزز الدكتاتوريات القائمة في غياب الوسط الصحي للدفاع عن الحقوق الأخرى.

الثانية: في تحديد طبيعة العلاقة بين الداخل والخارج، المحلي والإقليمي والدولي. طبعا هنا يحدث خلط كبير بين أشكال التضامن بين التعبيرات المختلفة للمجتمع المدني على الصعيد العالمي والتيارات الديمقراطية المتقاطعة الأهداف من جهة، وممارسة إدارة أميركية لضغوط مباشرة أو تدخل عسكري على هذا البلد أو ذاك من جهة ثانية، وكون الإدارات الأميركية المتعاقبة مسؤولة عن 90% من العقوبات الاقتصادية على دول ترفض الوقوع في الفلك الأميركي.

يمكن أن نفهم لماذا يرفض المواطن السوري البسيط أن تحرم شركة الطيران السورية المدنية من قطع الغيار معاقبة للسلطة السياسية في بلده، في حين تزود إسرائيل بمعدات عسكرية سنوية تكفي لطمس عدة مدن سورية! أي عقم التدخل الأميركي وبؤس خياراته التي انتقلت إلى التعبير الأكثر تطرفا بالاحتلال المباشر.

على صعيد الخارج والداخل أيضا، تلعب الذاكرة السياسية دورا هاما، فمن كان يأخذ مساعدة مالية في أيام ماركسيته اللينينية من موسكو لا يجد حرجا في أيام ليبراليته في نيلها من واشنطن. ومن عاش في كنف صدام حسين بالأمس يتمنى أن يجد كنفا مريحا اليوم.

لحسن الحظ أن هؤلاء يمثلون الطرف الأسوأ والأكثر انتهازية، ولكن ليس الأكثر جدية في "الفضاء الليبرالي" الحالي، وإن كان هذا الصنف يتحمل مسؤولية جسيمة في أنموذج الاحتلال في العراق.

الدفاع عن حقوق الإنسان، وفق الشرعة الدولية لهذه الحقوق، يفترق بشكل كبير مع التوجه الليبرالي السائد، عالميا وعربيا. فهو يتعرف على نفسه في التنمية الاقتصادية أكثر منه في اقتصاد السوق، في دولة الرفاه وليس في الدولة الأمنية المالية الجديدة، في مواجهة المنظومة العولمية للهيمنة أكثر منه في طاعة الصغير للكبير وانتصار قانون القوة على قوة القانون.

وهذا هو حال التعبيرات الأكثر عمقا ونضجا في الحركة الديمقراطية العربية. ومن الضروري التنويه بأن هناك من الديمقراطيين العرب من يعتقد أن طرح الإشكاليات الليبرالية الأساسية كطرف في الحوار الفكري يشكل عتلة ضرورية لنهوض الفكر الديمقراطي العربي، هذا الفكر الذي آثر في أكثر من مثل وتجربة التلقين على التفكير، والنقل على العقل.

وجهة النظر هذه تستحق التوقف والتأمل، ضمن عقلية نقدية تكتشف نفسها في علاقتها بمجتمعاتها وقدرتها على أن تكون حمالة فعلية للتغيير، لا مجرد أدوات للإرضاء والترويج في أجهزة إعلام القامع عينها، حيث لا يمكن الحديث مثلا عن الحريات "الليبرالية" الفردية وتجنب ذكر حق المرأة لا في المساواة، بل في قيادة السيارة!

إن أي حوار نقدي مع "الليبرالية العربية" يتطلب منها أن تتذكر مأثورة ثيودور أدورنو: من يخدم كل القضايا لا يخدم أية قضية.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة