ما بين اغتيال المبحوح والاختراق التطبيعي   
الثلاثاء 1431/4/1 هـ - الموافق 16/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)
مهنا الحبيل


لا أعتقد أنّ الأجواء الاحتفالية التي أحاطت بكشف شرطة دبي معلومات هامة وشبكة من التقاطعات السرية بين تل أبيب والمخابرات الغربية تُعتبر انتصاراً لمفهوم البناء الجمعي للأمن القومي العربي أو انتصاراً لمؤسسة أمنية عربية على نظيرتها الإسرائيلية باعتبار أنّ العملية نُفذت بالفعل والضحية الشهيد أحد قيادات أقوى حركة مقاومة في تاريخ القضية الفلسطينية وأكثرها تعرضاً للتآمر الدولي والعربي الشامل، خاصة أنّ حماس تخوض حربا شرسة على المستوى السياسي والأمني بعد أن انتصرت عسكرياً ومعنوياً في محرقة غزة.

"
يجب أن يتعامل الوطن العربي بوحدة جماعية في حجم مواجهة الاغتيال ولو معنوياً وتتحد مصطلحاته في توصيف الاعتداء على أنه موجّه ضد القضية الرئيسية ذات العمق العربي الإسلامي الأول في التاريخ المعاصر
"
فالأصل أن يتعامل الوطن العربي بوحدة جماعية في حجم مواجهة الاغتيال، ولو معنوياً، وتتحد مصطلحاته في توصيف الاعتداء على أنه موجّه ضد القضية الرئيسية ذات العمق العربي الإسلامي الأول في التاريخ المعاصر, وأن يكون تشييع الشهيد بحجم المعركة والتمثيل الذي يرمز له قائداً أسطورياً في تاريخ المقاومة العربية.

وصحيح أن المقاومة الفلسطينية ولاّدة للقادة الأفذاذ وأن تكلفة اغتيال الشهيد كانت كبيرة جدا على تل أبيب، وهذا يُسجّل بوضوح لإمارة دبي لكن كانت هناك رسائل أخرى ترجمت الصفحة المختلفة لدوافع الموقف, ومنها تركيز الفريق ضاحي خلفان على وجود ما أسماه العنصر الفاسد المُخترَق في حماس عوضاً عن أن يُقدم لحماس هذه المعلومة حتى ولو عبر وسيط لتتحقق منها، وهو ما قرئ على أنه موقف يُخفف من تكلفة إعلان التفاصيل التي أحرجت الشراكة الأوروبية المنظّمة مع المخابرات الإسرائيلية باستهداف حماس وتعزيز حرب التشكيك.

ومع أنّ الاختراق وارد وقدرة حماس قوية جداً وفقاً لرصد الإسرائيليين أنفسهم وفشلهم المتكرر في تحويل أي محاولة اختراق إلى بناء نوعي داخلي، لكنهم يعتمدون على إعادة ضخ العملية المعروفة سلفاً للإعلام الأميركي لمحاولة تعويض خسارتهم أمام جدار حماس الأمني الذي يتمتع بقوة ومبادرة ورصد تحسم أي تقدم لهذه الشبكات في خطوطها وبنجاح كبير.

ويكفي أن نستعرض المخابرات الغربية والعربية والإسرائيلية التي توحدت قبل وأثناء وبعد حرب غزة وفشلها الإستراتيجي في تحقيق أي اختراق نوعي، أمّا الاختراق الهامشي فهو وارد ويُصفّى في حينه وهو ما عزّز هزيمة تل أبيب مع حماس حتى في المعركة الأمنية فيما يكفي استذكار محمد دحلان ورفيق الحسيني للمقارنة بين حالة الفشل والنجاح الإسرائيلي.

لكنّ حديث الفريق خلفان للإسرائيليين عبر الإعلام وتركيزه على -أننا أي أمارة دبي ليس لدينا مواجهة مع الإسرائيليين وأن عليكم أن تتصارعوا في أرضكم!!؟ مع من يقاتلكم..- يُعطي مؤشراً واضحا عن فلسفة دبي في هذه القضية وكيف كان الرد الإعلامي القوي والذي لم يتكرر في حالات أُخرى عربية وغربية لملمت القضية وسوّت الموضوع عبر الوسيط الغربي دون أي تكلفة على تل أبيب، وفي هذه النقطة تحديداً استفادت القضية من هذا الإعلان فائدة قد تتجاوز بمراحل واقعة الحادثة حين تُدرس المعلومات تفصيلياً وتُرتّب إستراتيجية مقابلة فضلاً عن ما يعنيه هذا الكشف الإعلامي المُفصّل من ضرر لأي جهاز مخابرات بالإمكان أن يُعتبر خسارة إسرائيلية، وللمفارقات فإنها كانت باسم الشهيد العظيم محمود المبحوح الذي هَزم تل أبيب حياً وميتاً.

وهنا ستبرز لنا كلمة السر في إستراتيجية دبي في خوض هذه الحرب الإعلامية التي أكد فيها ضاحي خلفان أنها موجهة لكونها نُفذت على أرض دبي, هذه الرسالة التي التقطها الرئيس الفرنسي ساركوزي وقال في حينها بأننا نرفض العملية وبالذات لأنها في دبي تتلخص في سياسة الشيخ محمد بن راشد المكتوم حاكم دبي حيث كان مشروعه التاريخي لدبي العالمية اقتصاديا يرتكز بالضرورة على مستوى من الحالة الأمنية التي تُعزز الاستقرار لتوسيع الاستثمار واستقطاب السيّاح.

ومع موقف الغرب الشامت والساخر من نكسة دبي الاقتصادية بدا للمسؤولين حجم خسارة المراهنة على سياحة الغرب ومشروعه مقابل السياحة العائلية الشرقية, حيث عَزّزت الحملات الإعلامية الغربية على الإمارة العوائق أمام خطط الإنقاذ فضلاً عن انسحابهم الاقتصادي المبكر.

"
عملية المبحوح نُفذت بتعاون مكثف من الأجهزة الأمنية الغربية, ويمكن تصنيفها بالعملية المزدوجة بين الموساد ومخابرات الدول الغربية المشاركة التي قادت دولها حملة التحريض والشماتة على دبي بعد أزمتها الاقتصادية
"
ومع تضاعف آثار الأزمة الاقتصادية وتعزيز الحملة الإعلامية الغربية، كانت قضية البدء بعمليات تصفيات جسدية وحروب على أرض دبي كارثة خطيرة تُعطي رسالة قاتمة لوضع الأمن السياحي والاقتصادي في دبي، خاصة أن قضية وجود أجهزة المخابرات لدول عديدة وبالذات للموساد وسي آي أيه وإطلاعات الإيرانية وبي كي كي الباكستانية في صورة سياح أو تجار غربيين وآسيويين أمرٌ معروف وليس جديداً، لكنّ دخوله مرحلة حرب تصفيات يعني ضربة قاصمة لوضع دبي، خاصة أنّ هذه العملية نُفذت بتعاون مكثف من الأجهزة الأمنية الغربية قد تصل إلى تصنيفها عملية مزدوجة بين الموساد ومخابرات الدول الغربية المشاركة التي قادت دولها حملة التحريض والشماتة على دبي، فكان رد محمد بن راشد هذه المرة مقابلاً لحجم المخاطر والموقف السياسي الاقتصادي الذي مارسه الغرب ضد دبي.

هذا ما يخّص دبي، لكن هناك إشارات مهمة للحادثة تشير إلى أنّ قضية وجود تل أبيب في مياه الخليج الدافئة ليس مرتبطاً بهذه العملية لكنه وجود زاحف وعميق يسير في اتجاه واحد، سيبرز لنا بعد رسم الصورة الشاملة للحراك الإسرائيلي في الخليج العربي.

لم تكن هذه الأجواء التطبيعية في معزل عن عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح، وذلك في تصاعد الوجود والاختراق الإسرائيلي المُكثّف والنوعي في الخليج، وربما أنّ الأركان الرئيسية للعملية الإرهابية ليس لها علاقة مباشرة بهذا التوسّع التدريجي للاختراق الإسرائيلي لمنطقة الخليج العربي، لكن ليس من المستبعد أن تكون قد غُطيت لوجستيا قبل التنفيذ بهذه الوسائط المتعددة من الاختراق المنهجي الذي تنفذه تل أبيب للمجتمع والحواضر الخليجية. فمنذ منتصف التسعينيات كثفت تل أبيب وبدعم مباشر من واشنطن طلبات المسؤولين الإسرائيليين المُلحة لدول الخليج للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

ومع أنّ الحضور اليهودي وحتّى الإسرائيلي كان يُغطّى قديماً وحديثاً بجوازات أوروبية وأميركية ومنهم من عمل بعقود طويلة في الخليج، لكنّ تل أبيب ودوائر النفوذ في المؤسسات الأميركية كانت تُركّز على إسقاط الحاجز النفسي رسمياً للنفاذ لدول مجلس التعاون الخليجي ومباشرة الاختلاط المُنظّم مع المجتمع والمؤسسات، وترسية شبكة علاقات تخدم تل أبيب اقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وأمنياً من تحت طاولة هذه الواجهات.

وكان استخدام الضجيج حول طموح إيران في الخليج والموقف منها وعجز النظام الرسمي في الخليج عن تحمل تبعات الصفقة أو صراع القطبين وتقاطعاتهما، يُتخذ ستاراً للتبرير لهذا التحرك الخطير نحو المجتمع الخليجي. وتضغط تل أبيب على عواصم المنطقة باعتبار أن الحكم الشمولي الذي تمثله الأسر الحاكمة أسرع لاتخاذ القرار المركزي لدخولها السوق الخليجي واختراقها للمجتمع المدني.

ومع تراجع الحريات في دول المجلس والتهميش المركزي لفعاليات ومنظمات مقاومة التطبيع, بدأت بالفعل سلسلة متراكمة ومتعددة كأنّما تتبادل الأدوار بين تصريحٍ للحوار والمفاوضات وبين الدعوة للاستطلاع ولقاءات شخصية ومصافحات عرضية، ولكنّها مقصودة من تل أبيب، مع هجمة واسعة من كل بوابات الخليج تَنفذ منها شخصيات ثقافية وسياسية وفنية ورياضية ووفود إسرائيلية متعددة للمؤتمرات لا تكاد تهدأ بل تتوسّع اضطراداً، وفي برمجة متتالية تسعى لإفقاد أي معارضة شعبية أو حالة رصد وتنبيه من قوى المجتمع المدني الإسلامية والقومية والوطنية القدرة على المتابعة التي تهدف في النهاية إلى وضع الشعب العربي في الخليج أمام الأمر الواقع والخضوع الكامل لسيناريو التطبيع تمهيداً للعلاقات المشتركة مع الكيان الصهيوني.

"
من الواجب والفريضة الشرعية والوطنية أن تنشط حملات متتالية وتؤسّس مراكز رصد للاختراقات الإسرائيلية المتتالية للخليج وتفعيل ردود الأفعال وتعزيز هذه القضية وإحيائها كمشترك بين أطياف فكرية عديدة
"

ومع هذا التغافل الرسمي المُتعمّد للحضور الإسرائيلي تحظى حماس بفتور شديد من بعض العواصم الخليجية رغم تمثيلها المركزي للشعب الفلسطيني وكفاحها التحرري, وخاصة مع طرح منهج تهوين شديد من سِجّل الكيان الصهيوني الإرهابي العدواني للتاريخ العربي تمارسه بعض الجهات الإعلامية العربية الخليجية تُجاه هذه القضية.

ومن الواجب والفريضة الشرعية والوطنية أن تنشط حملات متتالية، وتؤسّس مراكز رصد للاختراقات المتتالية، وتفعيل ردود الأفعال، وتعزيز هذه القضية وإحيائها كمشترك بين أطياف فكرية عديدة تنهض للقيام بهذه المهمة.

وهي قضية وإن كانت صعبة ولكنّها ليست مستحيلة، وفي كل الأحوال يجب أن تسعى لتجديد المقاومة المدنية للتطبيع، ولو لم تستطع الأخيرة أن تشّل حركة التطبيع كُلياً فإن ارتياح قوى التطبيع ومشاريعه يعني كلمة واحدة هي سقوط الخليج العربي في يد الإسرائيليين الصهاينة لتعزيز قدراتهم القمعية ضد الشعب الفلسطيني وضد مصالح أهل الخليج، ولتعبر من خلالها مشاريع نقض فرائض الوحدة الإسلامية والعربية تحت نداءات العيش الاقتصادي المشترك لرفاهية صهاينة تل أبيب الإرهابيين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة