الخيارات الأميركية المحدودة في العراق   
الأربعاء 1425/12/1 هـ - الموافق 12/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:30 (مكة المكرمة)، 9:30 (غرينتش)


محمد بن المختار الشنقيطي

 

- خيارات الأميركيين

- خيارات المقاومين

- الرهان الخاســـر

- تعقيدات إقليميـة

 

أخيرا قاطع الحزب الإسلامي الانتخابات العراقية، فحصل بذلك إجماع من السنة العرب على مقاطعتها، وبدا المشهد العراقي على تعقيده أكثر وضوحا من ذي قبل، من حيث الخيارات المتاحة لكل من المحتلين الأميركيين والمقاومين العراقيين، وما يحيط بموقف كل منهما من ملابسات واعتبارات.

 

"
لولا أن الأميركيين يدركون عواقب فشلهم في العراق وما سيؤدي إليه من انحسار نفوذهم في المنطقة بأسرها وضعف حضورهم على المسرح العالمي لكانوا اعترفوا بفشلهم وانسحبوا من العراق
"
خيارات الأميركيين

تبدو الخيارات الأميركية محدودة جدا عشية الانتخابات العراقية المزمعة، فخيار إجراء الانتخابات في وقتها مع مقاطعة السنة لها، وفي ظلال الوضع الأمني المتأزم سيفرز مولودا سياسيا مشوها، في شكل قيادة عراقية طائفية، لا شرعية لها ولا فاعلية، وربما أثار خلافات داخل المعسكر الموالي للأميركيين، حينما تبدو غنائم الانتخابات غير مَرضية للبعض.

 

وخيار تأجيل الانتخابات سيضعف الثقة في الأميركيين لدى حلفائهم من الأكراد والشيعة، وسيسخط الشيعة على وجه الخصوص، وهم الذين ترى أغلب قياداتهم أن هذه فرصتهم التاريخية لحكم العراق، وترسيخ ذلك الحكم سابقة يتم الالتزام بها في المستقبل.

 

وخيار إجراء الانتخابات في بعض المناطق دون بعض -أي عدم إجرائها في مناطق السنة العرب- سيعمق عزلة أهل السنة في وطنهم، ويوسع الهوة بينهم وبين الشيعة، كما سيبعدهم أكثر عن قبول أي حلول وسطى مع الأميركيين.

 

وهكذا تبدو الخيارات الأميركية أحلاها مر. وأسوأ ما تعانيه القيادة الأميركية إستراتيجيا هو أنها تكاد تكون استنزفت كل خياراتها، فالأميركيون بذلوا كل طاقتهم، ولم يعد لديهم ما يقدمونه عسكريا ولا سياسيا لترسيخ مشروعهم في العراق.

 

فزيادة قوتهم البشرية هناك لن يضمن استقرار الوضع، بقدر ما يمنح المقاومة أهدافا أكثر وأقرب منالا. والغطاء الدولي للاحتلال لا يرجى له تحسن، في ظل نجاح بوش لولاية رئاسية ثانية، وزيادة قوة اليمين في الحكومة الأميركية. وبناء سلطة شرعية في العراق تتمتع بالحد الأدنى من المصداقية لدى شعبها غير وارد في ظل مقاطعة العرب السنة. وقوة الجيش والأمن العراقية التي يعدها الأمريكيون لخلافتهم، يتم حصدها حصدا في مواكب الموت البغدادية اليومية.

 

فإذا أضفنا إلى ذلك ثمن الحرب الباهظ في الدماء والأموال، وتبرم الشعب الأميركي منها، وعدم اقتناع غالبيته بشرعيتها أو بحكمتها السياسية. فسيتبين أن الموقف الأميركي في العراق في غاية الحرج والتضعضع.

 

ولولا أن الأميركيين يدركون عواقب فشلهم في العراق، وما سيؤدي إليه من انحسار نفوذهم في المنطقة بأسرها، وضعف حضورهم على المسرح العالمي، لكانوا اعترفوا بفشلهم، وانسحبوا من العراق. لكن العراق غنيمة كبرى ورهان خطر في الوقت ذاته، وهو ما يجعل الانسحاب منه عسيرا للغاية، وربما أشد عسرا من الإقدام على غزوه ابتداء.

 

ومع ذلك لا بد من الاعتراف للاحتلال الأميركي بنجاح واحد على الأقل، وهو أنه استطاع اختراق البنية الطائفية في العراق، وإقناع معظم قادة الشيعة العراقيين –وأهمهم السيستاني- بأن أهدافه تتقاطع مع مطامحهم في حكم طائفتهم للعراق، بعد مدة مديدة من حكم السنة.

 

وقد برهن السيستاني منذ أيام الاحتلال الأولى على أنه اقتنع بهذا الطرح اقتناعا راسخا، فلم يتعامل الرجل أبدا مع الأميركيين والبريطانيين على أنهم محتلون، بل إن رحلته العلاجية إلى بريطانيا –في وقت تحترق فيه النجف، ويلعلع الرصاص حول الصحن الحيدري- تدل على أنه ينظر إلى محتلي بلده نظرة ود وصداقة على المستوى العملي، وأنه مستعد لغفران أي شيء لهم في سبيل تحقيق مطامحه الطائفية، علما بأن الرجل يملك أموالا طائلة تمكنه من العلاج في أي مكان على وجه البسيطة.

 

"
المقاومة العراقية تجد في الفضائيات العربية وفي الإنترنت متنفسا لنقل أخبارها إلى شعبها وإلى العالم وهو ما يفسر الضيق الأميركي بقناة الجزيرة
"
خيارات المقاومين

أما المقاومون العراقيون فيبدو أن في أيديهم من الخيارات أكثر مما لدى الأميركيين، وتبدو فرصهم في إبقاء جذوة المقاومة متقدة، أحسن من فرص أي حركة مقاومة في التاريخ الحديث.

 

ومن مظاهر ذلك:

أولا: وفرة السلاح وعدم الحاجة إلى تجشم مصاعب الحصول عليه من الخارج، على نحو ما وقع لأغلب ثورات التحرير في العالم من قبل.

 

فحالة الحرب الفعلية أو الكامنة التي عاشها العراق خلال العقدين الأخيرين خلفت ملايين قطع السلاح في أيدي الشعب، وهو ما جعلها متاحة للمقاومة العراقية مجانا أو بأثمان رمزية. ولا تحتاج المقاومة العراقية إلى دفع ثمن ذلك السلاح مخاطرة أمنية، أو تنازلا سياسيا لقوى خارجية، كما حدث لأكثر حركات التحرير السالفة.

 

ثانيا: وجود مئات الآلاف من العسكريين السابقين، الذين تمرسوا على استخدام السلاح، وخاضوا حروبا طاحنة من قبل، وقد انضم العديد من هؤلاء إلى المقاومة بدوافع الغيرة الوطنية والحمية الدينية، وانضم العديد منهم إليها بدوافع الانتقام من الأميركيين الذين حرموهم الحياة الكريمة بحل الجيش العراقي.

 

وينضاف إلى هؤلاء مئات الآلاف من المدنيين العراقيين الذين أدوا الخدمة العسكرية من قبل. فهؤلاء وأولئك أصبحوا مددا لا ينضب للمقاومة العراقية، في حين احتاجت جل حركات التحرير الحديثة حينا من الزمن إلى تدريب الناس على التعاطي مع السلاح.

 

ثالثا: توازت حركة المقاومة العراقية مع الطفرة الإعلامية التي تشهدها المنطقة، خصوصا في مجال الفضائيات والإنترنت. فهذه الميزة لم تحصل عليها حركات التحرير السابقة في العالم الثالث، فكانت هذه الحركات عالة على إعلام القوى الاستعمارية التي تقاتلها، مثل إذاعة بي بي سي أو إذاعة فرنسا الدولية، أو على تعاطف إعلام الكتلة الشيوعية، وهو إعلام متخلف في طرائقه، محدود التأثير عالميا، بالمقارنة مع الإعلام الغربي.

 

أما اليوم فإن المقاومة العراقية تجد في الفضائيات العربية وفي الإنترنت متنفسا لنقل أخبارها إلى شعبها وإلى العالم. وهو ما يفسر الضيق الأميركي بقناة الجزيرة.

 

رابعا: وجود قوى سياسية واجتماعية معاضدة. ففشل الأميركيين في استقطاب جزء معتبر من السنة العرب، وهم من كانوا حربة المجتمع العراقي ومركز ثقله السياسي ردحا من الزمن، منح المقاومين مددا اجتماعيا عريضا، ومظلة سياسية لا يستهان بها.

 

ويرى بعض أهل الرأي أن من مصلحة المقاومة أن تكون لديها قيادة سياسية في الخارج تتحرر من اعتبارات الداخل المحتل وموازناته، وتوصل صوت المقاومة إلى العالم. لكن من المفهوم أن دول الجوار التي هي إما متواطئة مع الاحتلال أو خائفة من سطوته وامتداده، ليست مكانا مناسبا لاستضافة هذه القيادة، كما أن وصمة الإرهاب التي استطاع القادة الأميركيون أن يصموا بها كل واقف في وجه الاحتلال يجعل من العسير على الدول الأخرى استضافتها.

 

"
الرهان الأميركي على الشيعة رهان خاسر على المدى البعيد لأسباب تتعلق بالشيعة وأسباب تتعلق بالأميركيين وأخرى تتعلق بتعقيدات المنطقة وتشابك ظواهرها السياسية والدينية والاجتماعية
"
الرهان الخاسـر

يعول الأميركيون كثيرا على تقاطع مصالحهم مع مصالح الطائفة الشيعية. وهم يرون في ذلك التقاطع فرصة تاريخية لترسيخ نفوذهم، لا في العراق فحسب، بل في المنطقة بأسرها. فقد صدرت عن مؤسسة "راند" الأمريكية منذ أسابيع دراسة في غاية الأهمية والحساسية، بتمويل من سلاح الجو الأميركي، وهي بعنوان: "العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر" The Muslim World After 9/11 ويبلغ عدد صفحاتها 567 صفحة.

 

وقد حاول مؤلفوها التنظير لإستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة، عمادها تأجيج النزعة الطائفية لدى بعض الشيعة ضد إخوانهم السنة، مثلما تم تأجيج النزعة الطائفية لدى بعض السنة ضد إخوانهم الشيعة خلال العقدين المنصرمين.

 

وقد جاء في هذه الدراسة: "يبدو أن لدى الولايات المتحدة فرصة لتوفق بين سياستها وبين مصالح الجماعات الشيعية الطامحة إلى مزيد من المشاركة في الحكم، وإلى مزيد من حرية التعبير السياسي والديني. فإذا تم هذا التوافق فيمكن أن يشكل سدا ضد الحركات الإسلامية الراديكالية، ويمكن أن يصبح أساسا لوجود أميركي ثابت في الشرق الأوسط".

 

وتخلص الدراسة إلى أن "التمكين للشيعة في العراق ستكون له كذلك آثار عميقة على مستقبل السعودية، حيث يشكل الشيعة أقلية معتبرة، وربما أكثرية في مناطق المملكة الشرقية الغنية بالنفط".

 

ومن الواضح أن الأميركيين بدؤوا في تنفيذ إستراتيجية "التوافق" هذه، سواء في العراق حيث الحرص على ترجيح كفة الشيعة السياسية بأي ثمن، أو في السعودية حيث الضغط لدمجهم في "الحوار الوطني"، أو في دول أخرى بوسائل أخرى.

 

وهكذا أصبح الشيعة في السعودية يستحقون الحماية من "التعصب الوهابي" بعد أن كانت جميع أجهزة الدولة السعودية "الوهابية" مسخرة أميركيا لوصم الشيعة بوصمة الكفر، كما أصبح شيعة العراق حليفا إستراتيجيا لأميركا بعد أن كان الأميركيون يرون في صدام حسين –على فظاعته- سدا أمام المد الشيعي الآتي من إيران.

 

وفي هذا السياق يبدو الأميركيون مستعدين للتغاضي لرجال الدين الشيعة الذين يشاطرونهم المصلحة السياسية الآنية عن رؤاهم الفكرية والفقهية المناوئة. فالسيستاني الذي ينص في فتاواه على تحريم زواج المسلم من المسيحية واليهودية –في مخالفة صريحة لنص القرآن- وينص على تحريم زواج الفتاة الشيعية من سني –رغم ما يعنيه ذلك من تمزيق طائفي-  يوصف اليوم في الإعلام الأميركي ومراكز التخطيط الأميركية بأزهى أوصاف "الاعتدال" و"السماحة" و"الحكمة".

 

وهذا ما يدل على أن "الحقيقة" في عرف صانع القرار الأميركي ليست حقيقة أخلاقية مطلقة، بل حقيقة وظيفية نسبية، يتم قبولها أو رفضها بقدر ما تخدم أهداف النفوذ العسكري والإستراتيجي المتبدلة.

 

لكن الرهان الأميركي على الشيعة يبدو رهانا خاسرا على المدى البعيد، لأسباب تتعلق بالشيعة، وأسباب تتعلق بالأميركيين، وأخرى تتعلق بتعقيدات المنطقة وتشابك ظواهرها السياسية والدينية والاجتماعية.

 

أما بالنسبة للشيعة، فإنه من العسير عليهم الثقة في الأميركيين على المدى البعيد. ورهان بعض القيادات الدينية مثل السيستاني على الأميركيين لإعادة رسم خريطة العراق الطائفية، لا يعني أن كل الشيعة العراقيين سيسيرون في هذا الدرب إلى نهايته.

 

فسيدرك الشيعة المتدينون في النهاية أن ما دفع أميركا إلى عناقهم ليس حب الأميركيين لأهل البيت النبوي، أو غرامهم بسواد عيون الشيعة، وإنما هو اغتنام فرصة انشطار الذات العراقية، لتحقيق "وجود أميركي ثابت في الشرق الأوسط".

 

أما الشيعة العلمانيون الذين جاؤوا على حراب الاحتلال فإن أي تطور ديمقراطي جدي سيجردهم من رصيدهم السياسي في أعين الشعب العراقي ويظهرهم في حجمهم الطبيعي.

 

"
سيطرة الشيعة على العراق لا تضمن بالضرورة ما يطمح إليه الأميركيون، والأعوام القادمة ستكشف ما إن كانت أميركا ركبت الموجة الشيعية أم أن الشيعة هم من ركبوا الموجة الأميركية
"
تعقيدات إقليمية

تحيط بالعراق أربع دول مهمة، تستطيع كل منها التأثير على خيارات الأميركيين والمقاومين بحكم حجمها وثقلها الإقليمي، وهي السعودية وسوريا وإيران وتركيا. وقد تم إلجام القيادة السورية بالترهيب والترغيب، ولا يتوقع لها دور فاعل في القضية في الأمد المنظور. وابتعدت تركيا عن القضية بعض الشيء، بعد حصولها على تطمينات بشأن مصالح الطائفة التركمانية العراقية. وتبقى السعودية وإيران بحاجة إلى وقفة خاصة.

 

أما السعودية فقد تواطأت قيادتها مع الأميركيين في الغزو، شأنها شأن أغلب القيادات العربية، رغم أن السعودية -بالمنطق الإستراتيجي- هي أكبر خاسر من غزو العراق.

 

ولم تكتف القيادة السعودية بتوفير القواعد وفتح الأجواء، بل شاركت في الغزو بالتحريض من وراء ستار، وبالدعاء!! ليس الدعاء لضحايا الحرب، بل الدعاء للرئيس بوش. فقد أورد الكاتب الصحفي الأميركي الشهير "بوب وودوارد" في كتابه "خطة حرب" Plan of Attack -وهو من أوثق وأدق ما كُتب عن غزو العراق حتى الآن- أن سفير السعودية في الولايات المتحدة الأمير بندر بن سلطان كان يحذر الرئيس بوش من التراجع عن الغزو، وقد انزعج الأمير من المهلة التي منحها بوش لصدام قبيل الغزو، فسارع إلى طلب لقاء مع بوش، وفي اللقاء قال الأمير لبوش: "السيد الرئيس، أنا آمل فقط ألا تكون غيرت رأيك بإعلانك هذه المهلة". وبعد طمأنة بوش له عقب الأمير: "أنا واثق بك، لكن لوجه الرب، لقد أصبح الوقت متأخرا جدا لأن يتراجع أي أحد".

 

وقبل بداية القصف على بغداد بساعتين وربع، استدعت كوندوليزا رايس الأمير بندر إلى البيت الأبيض، وأعلمته أن "أبواب الجحيم ستنفتح عند تمام الساعة التاسعة مساء، وقد أمر صديقك الرئيس بإشعارك فورا"، وجاء رد الأمير بندر: "قولي له إن دعواتنا وقلوبنا معه". وحينما أبلغت كوندوليزا الرئيس بوش دعاء الأمير له رد بوش بامتنان: "قولي له: شكرا، وليواصل في الدعاء".

 

ومن الواضح أن القيادة السعودية قد قدمت للغزو ما في جعبتها من تسهيل مادي ودعم معنوي، ولم يعد لديها ما تقدمه، ومن الواضح كذلك أن المقاومين لا يرجون منها دعما أو إيواء. فلم تعد القيادة السعودية تمتلك القدرة على ترجيح كفة الأميركيين، ولا هي تمتلك الإرادة لترجيح كفة المقاومين.

 

أما إيران فإن موقفها تتجاذبه اعتبارات متناقضة، فهي تشارك الشيعة العراقيين مطامحهم في حكم العراق، وتؤيد الانتخابات لهذه الغاية تحديدا. لكن هذا المطمح الإيراني يشوش عليه أن المعسكر الشيعي العراقي المتحفز لخوض الانتخابات اليوم  يضم "شيعة إيران" الذين دعمتهم حينا من الدهر، إلى جانب "شيعة أميركا" الذين صرحوا بأن إيران هي العدو الأول.

 

وقد أبدى بعض الأميركيين مخافة من هذه الرفقة غير المأمونة، فصرح هنري كيسنجر مؤخرا بأن المغامرة الأميركية في العراق ستنتهي بإقامة "دولة إسلامية في العراق موالية لإيران". وكتب أحد المعلقين الأميركيين منذ أيام مقالا بعنوان: "هل تنجح إيران في الانتخابات العراقية"، ويكفيك من المقال عنوانه.

 

فسيطرة الشيعة على العراق -وهو ما يعتبره الأميركيون اليوم مدخلا لسيطرتهم على المنطقة- لا تضمن بالضرورة ما يطمح إليه الأميركيون. والأعوام القادمة ستكشف ما إن كانت أميركا ركبت الموجة الشيعية، أم أن الشيعة هم من ركبوا الموجة الأميركية.

 

"
لعل الإيرانيين يدركون أيضا أن المقاومين السنة لا المتعاونين الشيعة هم من يحمي ظهر إيران اليوم من امتداد اليد الأميركية إليها
"
ومهما يكن فليس من المرجح أن تذهب إيران بعيدا في التدخل في الشأن العراقي، بسبب تحفظها من ردود الفعل الأميركية، والبرنامج النووي الإيراني قد دخل عنق الزجاجة. كما أن النهج التصالحي الذي ينتهجه الرئيس محمد خاتمي مع جواره العربي يجعله يتردد في الظهور بمظهر المتدخل لصالح الشيعة ضد السنة في العراق، نظرا لما قد يؤديه ذلك من عزلة جديدة لإيران في محيطها الإسلامي الذي يشكل السنة غالبيته، بعد أن استطاعت الخروج من تلك العزلة بجهد جهيد، وهذا ما تدركه القيادة الإيرانية جيدا.

 

ولعل الإيرانيين يدركون أيضا أن المقاومين السنة، لا المتعاونين الشيعة، هم من يحمي ظهر إيران اليوم من امتداد اليد الأميركية إليها، سواء كان ذلك الامتداد ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية تمنع تعقيدات الوضع العراقي من الإقدام عليها الآن، أو كان تسليحا للأكراد الإيرانيين ودعمهم في مساعيهم للاستقلال عن إيران كليا أو جزئيا، أسوة بالأكراد العراقيين.

 

وسيبقى التشجيع الإيراني لتعاطي الشيعة العراقيين مع الأميركيين تكتيكا آنيا و"تقية" سياسية فرضتها ظروف طارئة، دون أن يعبر عن تلاق للمصالح الإيرانية الأميركية.

 

ومهما يكن فإن خيارات الأطراف الفاعلة في العراق اليوم ليست خيارات وافرة، والحكماء من العراقيين هم الذين أدركوا أن أي مكاسب على أسنة المحتل لن يكتب لها البقاء، وأن كل حل إقصائي، شيعيا كان أو سنيا، عربيا كان أو كرديا، فهو إلى زوال.
_______________

كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة