من ميدان التحرير إلى وول ستريت   
الجمعة 1432/11/25 هـ - الموافق 21/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 0:45 (مكة المكرمة)، 21:45 (غرينتش)
ماجد كيالي


ـ الشعب يريد احتلال وول ستريت

ـ حركة سياسية جديدة
ـ الاقتصاد والحروب الخارجية
ـ عولمة الثورات الشبابية
ـ توقعات واحتمالات

وصلت عدوى الثورات الشبابية التي اندلعت في تونس ومصر واليمن إلى الولايات المتحدة الأميركية، بدءا من عاصمتها الاقتصادية نيويورك، ومن حي المال والأعمال في وول ستريت، وفي مانهاتن بالذات، إلى ميادين في ولايات ومدن أميركية أخرى، مثل شيكاغو ولوس أنجلوس ولاس فيغاس وإلينوي وفرجينيا وبوسطن وأريزونا وسان فرانسيسكو وتكساس وفلوريدا وتنسي وفيروري وفيلادلفيا، إضافة إلى العاصمة واشنطن (وينبغي أن نتذكر أن عدواها كانت وصلت إلى إسرائيل، أيضا، بين دول أخرى).

"
الحراك الشبابي في الولايات المتحدة لم يطرح شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لأنّ هذا الأمر في البلدان الديمقراطية متاح عبر الانتخابات، على خلاف الوضع عندنا
"
الشعب يريد احتلال وول ستريت

وبديهي أن الحراك الشبابي في الولايات المتحدة لم يطرح شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لأنّ هذا الأمر في البلدان الديمقراطية متاح عبر الانتخابات، على خلاف الوضع عندنا، حيث لا توجد انتخابات ولا تداول للسلطة، ولكنه طرح بدلا عنه شعار "احتلوا وول ستريت"، مما يميّز انتفاضتهم الشبابية عن الانتفاضات العربية رغم مشتركات وأوجه تشابه عديدة.

القصد هنا لفت الانتباه إلى أن هذه الحركة الشبابية إنما تتوخّى التحرّر من تغوّل رأس المال ومن هيمنة الشركات الاحتكارية الكبيرة، وإقامة نظام ضريبي أكثر إنصافا، وتحقيق أقصى قدر من العدالة الاجتماعية.

وهذا ما تبدّى في الشعارات التي كتبها الأميركيون على لافتاتهم في الميادين التي تجمعوا فيها، وفي الهتافات التي أطلقوها في مظاهراتهم، ومنها "كل ما يجمعنا هو أن 99% ما عادوا يقبلون بفساد وجشع 1% الآخرين"، "نحن 99 بالمئة"، "افرضوا ضرائب على وول ستريت".

ومنها "أوقفوا تدليل المديرين في وول ستريت" و"عندما يسرق الأغنياء الفقراء يسمون ذلك أعمالا، وعندما يدافع الفقراء عن أنفسهم يسمون ذلك عنفا" و"لنقض على جشع وول ستريت قبل أن تقضي على العالم" و"أنقذوا جمهوريتنا" و"الشعب فوق الربح" و"الشعب هو الذي يقود الاقتصاد وليس الاقتصاد هو الذي يقود الشعب" و"مساواة ديمقراطية ثورة" و"لنضع حدا للحروب" و"نريد تخصيص أموال الدولة لخدمة الشعب وتوفير الخدمات الأساسية والقضاء على البطالة وتوفير الرعاية الطبية وعودة القوات الأميركية من أفغانستان والعراق".

حركة سياسية جديدة
لكن ما الذي دفع الشباب الأميركي إلى اختيار طريق المظاهرات والتعبير عن ذاتهم بأشكال انتفاضية في الميادين والساحات العامة، وبطريقة صارخة، وليس في صناديق الاقتراع، كما هو مفترض؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن في  العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت هؤلاء الشباب إلى هذا الطريق، وهي متضمّنة في الآتي:

1ـ انغلاق النظام السياسي القائم على تبادل السلطة بين حزبين وحيدين لا ثالث لهما (الديمقراطي والجمهوري) وجموده عند طبقة سياسية معينة، وهو نظام لم يعد يلبّي حاجات الشباب وتطلّعاتهم إلى القيادة، أو إلى المشاركة السياسية، لعجزه عن تلبية التغيرات الحاصلة في المجتمع، وبخاصة في أوساط الشباب، ولارتكاز نظام الحزبين على نخب سياسية تكاد تكون مغلقة على ذاتها، وتتمتّع بامتيازات نتيجة صلاتها الوثيقة بالشركات الاحتكارية وبالنظام الاقتصادي السائد الذي يؤمّن مصالحها.

هكذا نشأت حركة "احتلوا وول ستريت" من خارج عباءة المؤسستين الحزبيّتين السائدتين، وعلى الضدّ من سياساتهما، وهو ما جرى في الثورات الشعبية العربية.

"
أثقل النظام الضريبي السائد كاهل الطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع الأميركي، مما فاقم مشاعر الظلم بين هذه الطبقات، وذلك ما يفسّر إطلاق الشبان الأميركيين المحتجّين على أنفسهم تسمية "99% الآخرين"
"
معلوم أن الحلبة السياسية الأميركية كانت قد شهدت إثر صعود الرئيس الحالي باراك أوباما إلى السلطة بروز "حزب الشاي"، وهو حركة سياسية يمينية وليبرالية محافظة، طالبت بتخفيض الإنفاق الحكومي وإعطاء أكبر قدر من الحرية للشركات، وتخفيف التدخلات العسكرية الخارجية، ومناهضة سياسات أوباما الاقتصادية.

وما لبثت هذه الحلبة أن شهدت ولادة حركة أخرى مناهضة لهذه تمثلت في "حزب"القهوة"، وهي حركة يسارية وليبرالية.

المشكلة أن كلا الحركتين -رغم أنهما حظيتا بانتشار ما في المجتمع الأميركي المتلّهف لأي جديد- لم تلبيا طموحات الشباب وظلتا على هامش المشهد السياسي الأميركي المتمحور حول الحزبين السائدين (الجمهوري بالنسبة لحزب الشاي والديمقراطي بالنسبة لحزب القهوة).

أما حركة الشباب المحتجّين فليس لها لون حزبي معين، ولا تحمل ميولا سياسية محددة، وإنما هي بالضبط حركة عفوية للشباب الأميركيين، الذين يحتجون على الظلم وعلى عدم تكافؤ الفرص، ويطمحون إلى نظام أكثر عدالة.

الاقتصاد والحروب الخارجية
2ـ لقد أثقل النظام الضريبي السائد كاهل الطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع الأميركي، مما فاقم مشاعر الظلم بين هذه الطبقات، وذلك ما يفسّر إطلاق الشبان الأميركيين المحتجّين على أنفسهم تسمية "99% الآخرين"، أي المواطنين الذين لا ينتمون إلى الطبقة العليا من أصحاب المليارات الذين يشكلون 1% فقط من الأميركان ويمتلكون 36% من الثروات الخاصة في الولايات المتحدة.

اللافت أن كبار الأثرياء في الولايات المتحدة ظلّوا يزدادون غنىً، رغم الأزمة الاقتصادية العالمية، في حين أن الطبقات الدنيا ازدادت فقراً، الأمر الذي عزّز من شعورها بالظلم، لكونها تتحمل الفقر وتتحمل معه، في نفس الوقت عبء الأزمة الاقتصادية المستفحلة في أميركا، لا سيما في ظروف تراجع الاستثمار وتقلّص التوظيف وقيام الحكومة بتمويل المؤسسات المالية، ومع ارتفاع نسبة البطالة بين الخريجين من الجامعات، وتزايد نفقات التعليم والخدمات الصحية والسكن والخدمات.

وفي هذا الإطار يقول تشارلز جينكينز (أحد مسؤولي اتحاد نقابات عمال النقل في نيويورك) إن "ثمة مشكلة في أميركا.. عندما ينتهي الطلاب من الدراسة ولا يجدون عملا تكون هناك مشكلة في أميركا".

3ـ ثمة تزايد في وعي الشباب الأميركي بمخاطر الحروب، والكلفة الباهظة الناجمة عن التدخلات العسكرية لبلدهم في العالم، من الناحيتين الاقتصادية والبشرية، وكذلك من ناحية انعكاس ذلك على الأمن القومي للولايات المتحدة وصورتها في الخارج.

جدير بالذكر أن كلفة وجود القوات الأميركية في كل من أفغانستان والعراق وصلت إلى حد ثلاثة تريليونات دولار، بحسب بعض الباحثين الاقتصاديين، فضلا عن أن العراق وحده شهد مصرع حوالي 4500 جندي أميركي وإصابة حوالي 32 ألفا منهم بإصابات متفاوتة.

وعن العلاقة بين الأزمة الاقتصادية وكلفة حروب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق يقول الخبير الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغلينز (حاصل على جائزة نوبل للاقتصاد) "عندما احتسبنا.. كلفة الحرب الأميركية قبل ثلاث سنوات أمكننا حصر القيمة بتحفظ بين ثلاثة وخمسة تريليونات دولار... هذه الحرب هي الأولى في التاريخ التي يجري تمويلها كلها من خلال ديون".

ويعزو ستيغلينز أسباب الأزمة الاقتصادية الأميركية بتخفيضات بوش الضريبية، وبنفقات الحرب في أفغانستان والعراق (حتى الآن حوالي تريليوني دولار، وبمقدار 17 ألف دولار لكل أسرة أميركية) وبارتفاع أسعار النفط، وأزمة الديون العقارية.

وحسب ستيغلنز "لا يزال الإنفاق العسكري الأميركي يعادل ما تنفقه إجمالي دول العالم مجتمعة في هذا المجال".

"
ثمة علامتان فارقتان تميّزان ما يجري في الولايات المتحدة عما يجري في بلداننا، أولاهما، أن الشعار عندهم لا يتعلق بإسقاط النظام، وثانيتهما أن المتظاهرين الأميركان لا يشعرون بأنهم مهددون بالقتل أو بالتنكيل أو بالاعتقال
"
عولمة الثورات الشبابية

4 ـ من متابعة الانتفاضة الشبابية في الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن يصاب المرء بالدهشة لمدى محاكاتها للانتفاضات الشبابية التي اندلعت في بعض البلدان العربية، وللحق فإن هذه الانتفاضات، بين إنجازاتها المتعددة، أنها أعادت الاعتبار للشعوب العربية في العالم، وغيّرت صورتهم في مخيّلة الآخرين.

عدا ذلك فإن هذه المحاكاة تعكس معنى العولمة حقا، فالعولمة ليست مجرد ثورة في مجالات الإعلام والاتصال والاقتصاد وإنما هي تعني أيضا ثورة في مجال عولمة القيم، وفي نشوء شبكات اجتماعية عالمية عابرة للحدود.

وهذا ما حصل فعلا، إذ غدت مطالب العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية والديمقراطية ومناهضة الحروب والعنصرية والظلم الاجتماعي بمثابة قيم عالمية، وباتت شبكات التواصل الاجتماعي هي الأشكال التي يتم من خلالها تنظيم وتوجيه الحركات الشبابية، للذود عن هذه القضايا، وللتعبير عن صعود المجتمع المدني عبر العالم.

وحتى أن الناشطين الأميركيين في حركة "احتلوا وول ستريت" لم يخفوا ذلك البتّة بل عبّروا عنه جهارا، بتأكيدهم بأن احتجاجات الشباب المصريين في ميدان التحرير (في القاهرة)، التي أدت في النهاية إلى إقصاء الرئيس السابق حسني مبارك هي التي شكّلت مصدر إلهام لهم.

وبحسب الناشط، تايلور كومبيليك (27 عاما)، وهو مصمم مواقع على الإنترنت، وناطق باسم المحتجين "ما يجري مستوحى من ميدان التحرير في القاهرة.. تحركات الربيع العربي كانت ملهمة لأبناء نيويورك، وكفى يعني كفى"، في إشارة إلى حركة "كفاية" المصرية.

وعلى غرار المتظاهرين في ميدان التحرير أنشأ المتظاهرون الشباب في نيويورك شبكة إمدادات خدمية ليتمكنوا من مواصلة الاعتصام، لناحية تأمين مستلزمات المبيت في الساحات المعتمدة، وتأمين الطعام والشراب للنشطاء المقيمين.

كما أنشؤوا موقعا على شبكة الإنترنت، وأصدروا "جريدة" يومية ناطقة باسمهم، وأصبح لديهم تطبيق خاص على الهواتف النقالة (app) للتعريف بأهداف تحركاتهم ولجلب متعاطفين جدد معهم.

لا بل إن كلمة انتفاضة "intefada" كانت مرفوعة في عديد من اللافتات بعد أن باتت هذه الكلمة التي راجت بفعل الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987ـ1993)، بمثابة مصطلح عالمي على إرادة الحرية ورفض الظلم.

وفي الحقيقة فإن كل شيء في ساحة "وول ستريت" وفي حديقة "جورج واشنطن" في نيويورك يجعلك تخال بأنك في ميدان التحرير في القاهرة، أو في أحد ميادين صنعاء، حماس الشباب وورشات النقاش والشعارات السياسية التي يرفعونها واللجان الخدمية التي تحرص على تأمين مستلزمات الحراك.

وبالطبع، فمع كل أوجه الشبه هذه ثمة علامتان فارقتان تميّز ما يجري في الولايات المتحدة عما يجري في بلداننا، أولاهما، أن الشعار عندهم لا يتعلق بإسقاط النظام (وهو ما تحدثنا عنه سابقا)، وثانيتهما أن المتظاهرين الأميركان لا يشعرون بأنهم مهددون بالقتل أو بالتنكيل أو بالاعتقال.

(فقط حصل تدخل للشرطة لدى محاولة بعض المتظاهرين دخول متحف "الطيران والفضاء القومي" في واشنطن، ولدى محاولة عرقلة السير على جسر بروكلين في نيويورك).

"
من شأن حركة "احتلوا وول ستريت" على الصعيد الخارجي كبح جماح الإدارة الأميركية عن التدخل العسكري الخارجي
"
توقعات واحتمالات

من الصعب ومن المبكّر أيضا التكهّن تماما بمآلات الحركة الشبابية في الولايات المتحدة، فهذه ربما هي التجربة الأولى في دولة ديمقراطية تجري فيها محاولة تغيير النظام السياسي والاقتصادي وسلّم الأولويات من خلال عملية ضغط شعبية.

مع ذلك فإن المؤشرات التي تفيد باتساع هذه الحركة جغرافيا، وشمولها قطاعات عديدة في المجتمع، تفيد أيضا بأنها تلبّي حاجة كامنة عند المجتمع الأميركي لتجديد حياته السياسية، وتعزيز دوره في تقرير السياسات التي تخصّ حياته، على الرغم من النظام التمثيلي في الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب).

ولعل ما يلفت الانتباه هو أن هذه الحركة الشبابية تشهد تشجيعا مطردا يتمثل في انخراط النقابات في أنشطتها، وأنها باتت تلقى دعما وتعاطفا من مثقفين وفنانين ومن شخصيات عامة، وحتى من أعضاء في الكونغرس الأميركي ذاته.

وعن ذلك يقول بول كروغمان "قد نشهد بعد طول انتظار صعود حركة شعبية توجّه غضبها نحو من يجب أن تغضب منهم. عندما بدأت الاحتجاجات. قبل ثلاثة أسابيع تعاملت معها معظم الشبكات الإخبارية باستهزاء. ولذلك فإن استمرار الاحتجاجات، لا بل توسّعها هو خير شاهد على شغف المشاركين فيها، فقد أصبحت كبيرة جداً إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان تجاهلها. بدأت حركة "احتلوا وول ستريت" تبدو حدثاً مهماً حتى إنها قد تُعتبَر في نهاية المطاف نقطة تحوّل. المحتجّون محقّون تماماً في توجيه أصابع الاتّهام إلى وول ستريت واعتبارها قوّة مدمِّرة اقتصادياً وسياسيا".

وعلى الصعيد السياسي أيضا، من شأن هذه الحركة أن تطلق موجة يسارية جديدة على قاعدة ليبرالية (غير الليبرالية الجديدة اليمينية والمحافظة) في الولايات المتحدة، كما أن من شأنها كبح جماح "حزب الشاي" اليميني المحافظ.

وربما يفيد ذلك الحزب الديمقراطي، بحيث تعطيه "فرصة ثانية" على حد قول كروغمان، هذا في حال عدم تحول حركة الشباب هذه إلى تيار قائم بذاته.

أما على الصعيد الاقتصادي فيمكن أن تؤثر هذه الحركة على أولويات الإنفاق الداخلي في الولايات المتحدة وأن تلفت الانتباه إلى مخاطر النظام الضريبي غير العادل وعدم التكافؤ في الفرص بين الأميركيين، وتزايد نسبة المحرومين من العمل ومن التعليم اللائق ومن مختلف أنواع الخدمات.

ومن شأن هذه الحركة على الصعيد الخارجي كبح جماح الإدارة الأميركية عن التدخل العسكري الخارجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة