البحث عن إسرائيل الأخرى   
الاثنين 1435/4/18 هـ - الموافق 17/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)
ماجد كيالي



أثارت مادة نشرها الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي مؤخرا جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، فثمة من اعتبرها مجرد خدعة أو مؤامرة، وثمة من رأى فيها نوعا من "دس السم في العسل" لتبييض صفحة إسرائيل، وثمة من استفزتهم المقارنة بين إسرائيل والنظام السوري، باعتبار الأخير ابن جلدتنا، أو ابن قبيلتنا.

وكان جدعون ليفي -وهو من الكتاب المعروفين، وقد اشتهر بانتقاده لإسرائيل، ومناصرته حقوق الفلسطينيين، مثله مثل كتاب ومثقفين إسرائيليين آخرين- نشر مقالة عبر فيها عن تعاطفه مع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك الذين يتعرضون للموت بسبب القصف والحصار والتجويع.

وفي مقاله حمّل ليفي دولته إسرائيل "مسؤولية أخلاقية عما يجري في مخيم اللاجئين، وإن لم يكن مباشرة"، باعتبارهم "فلسطينيين من أبناء البلاد، طردوا أو اضطروا إلى الفرار منها بسبب إسرائيل (أي بسبب قيامها)".

نشر جدعون ليفي -وهو من الكتاب المشهورين بانتقادهم لإسرائيل- مقالة عبر فيها عن تعاطفه مع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك الذين يتعرضون للموت بسبب القصف والحصار والتجويع

يقول ليفي "إن صور اليرموك لا تدعنا، فهناك الولد الفلسطيني الذي يمضغ ورقة لعدم وجود الطعام، والفتى الذي يصرخ أمام عدسات التصوير طالبا نجدة العالم إزاء مقتل أبيه، وصور الهياكل العظمية السائرة لناس أحياء وموتى، وصفوف النساء والشيوخ الذين يحتشدون ساعات بأمل يائس أن يحصلوا على وجبة طعام أو أدوية، والعجز الفظيع لآلاف البشر المحاصرين الذين دمرت بيوتهم وخرب عالمهم".

وأخيرا يقول "كان يجب على إسرائيل أن تظهر شيئا من الإنسانية في مواجهة فظاعة اليرموك، وكان يجب عليها أن تحاول أن تنظم الآن عملية لإنقاذ
العشرين ألفا من السكان المحاصرين -ونعود ونذكر بأنهم أبناء البلاد- وأن تعلن أن أبوابها مفتوحة لهم ليلتئم شملهم مع عائلاتهم." ("هآرتس"، 26/1).

وفي الواقع فإن هذا الكلام المهم أو هذه الصيحة من كاتب إسرائيلي مرموق كجدعون ليفي أثارت عدة مسائل، أولا: سطحية المعرفة السائدة بإسرائيل وبأحوال الإسرائيليين والتيارات السياسية والفكرية التي تشتغل عندهم.

ثانيا: أن هذه المادة خلقت صدمة كسرت نوعا من قناعات يقينية عند البعض مفادها أن إسرائيل مجرد عدو، وهي لأنها كذلك فهي بمثابة كتلة صماء، لا تحتوي على تناقضات ومشكلات واختلافات، أو كأنها ذات صوت واحد، لا تحتوي على أصوات متعددة ومتباينة.

ثالثا: وهذا هو الأهم، فإن هذه المادة بيّنت أن ثمة أصواتا ليهود إسرائيليين يمتلكون شجاعة أخلاقية قد لا تتوافر عند بعض المثقفين في البلدان العربية من الذين يساندون نظام الأسد القائم على الاستبداد والفساد، ومن الذين ينكرون عذابات وآلام السوريين الذين مكثوا تحت حكم هذا النظام قرابة نصف قرن.

رابعا: لقد فضحت مثل هذه مقالة المسكوت عنه في عالمنا العربي، وهو أن هذا النوع من الأنظمة الاستبدادية هو سبب استمرار إسرائيل وتفوقها على العالم العربي، وهي بالذات التي شكلت حاجزا أمام التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في البلدان العربية.

خامسا: وفي باب المقارنة، فإن إسرائيل تبدو ضنينة بحياة كل يهودي، وحريصة على سلامة مواطنيها، بينما النظام السوري يقصف شعبه بالدبابات والمدفعية والبراميل المتفجرة التي تهطل من الجو، في حين أنه لم يطلق رصاصة على إسرائيل طوال أربعين عاما، مع التأكيد أن كل ذلك لا ينتقص البتة من حقيقة أن إسرائيل هذه هي دولة استعمارية وعنصرية ودينية ومصطنعة وغير شرعية ومجرمة وعدوانية.

هكذا، فضحت مادة جدعون ليفي المذكورة الواقع العربي، وفضحت معه مواقف كتاب ومثقفين وسياسيين "يساريين وعلمانيين ومقاومين وقوميين" من الذين لم صمتوا طوال ثلاثة أعوام، عن جرائم النظام، بل وأنكروا عذابات الضحايا، ناهيك عن تحميل الضحايا ما يحصل!
ومعلوم أن هذا الصنف من الكتاب والمثقفين والسياسيين يعيشون على اعتقاد مفاده أن الحفاظ على نظام "المقاومة" و"الممانعة"، أو نظام "العلمانية" و"الحداثة" هو ضرورة إستراتيجية، ومن مقتضيات مواجهة المؤامرة الإمبريالية والصهيونية حتى لو تم في غضون ذلك التضحية بالشعب السوري، لأن سوريا بالنسبة لهم هي مجرد موقع جغراسي إستراتيجي، وهي عندهم "سوريا الأسد إلى الأبد"، كأنه لا يوجد فيها شعب يستحق استعادة حقه في الحرية والكرامة.

طبعا، لا يمثل جدعون ليفي دولة إسرائيل وإنما هو يعبر عن الرأي الآخر فيها، أو عن إسرائيل الأخرى، كما أنه في ذلك يعبر عن رأيه الخاص، وهو معروف بمواقفه النقدية القاسية لإسرائيل، إذ يعتبرها دولة عنصرية واستعمارية، ودولة مستوطنين ويهود متدينين، وكدولة ارتكبت مظالم جمّة بحق الفلسطينيين.

ما كتبه جدعون يفضح المسكوت عنه في عالمنا العربي، وهو أن هذا النوع من الأنظمة الاستبدادية هو سبب استمرار إسرائيل وتفوقها على العالم العربي، وهي بالذات التي شكلت حاجزا أمام تطور البلدان العربية
والأهم هنا أن ليفي بدا أنه يمتلك شجاعة للإعلان عن تعاطفه مع الفلسطينيين والسوريين وصولا حتى إلى انتقاد دولته، في حين أن ثمة مثقفين عربا وفلسطينيين لا يفعلون الحد الأدنى الأخلاقي، ليس للتعاطف مع الثورة السورية، فهذا شأن آخر، وإنما لإبداء قدر قليل من الحساسية الأخلاقية إزاء ضحايا النظام، بدلا من التماهي مع ادعاءاته والدفاع عنه.

يقول ليفي عن دولته "يجب أن نعترف: هذا مجتمع ذو مزايا دينية ظلامية جدا، الأجنبي الذي يجد نفسه في إسرائيل في هذه الأيام يسأل نفسه ما هو المكان الذي وصلت إليه إيران، أفغانستان؟ لا يمكن للدولة التي تحتل وتسيطر على ثلاثة ملايين ونصف مليون إنسان مجردين من كل الحقوق المدنية الأساسية أن تسمي نفسها (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط)". ("هآرتس"، 12/4 /2012).

وفي مقالة أخرى يقول "لا أحد عنده جواب عما سيكون وجه الدولة بعد عشر سنوات، بل يوجد من يشكّون في مجرد وجودها حتى ذلك الحين، وهذا سؤال لا يثار بشأن أي دولة أخرى.. هل يعلم أحد هل ستكون إسرائيل ديمقراطية بعد عشر سنوات؟ وهل يستطيع أحد أن يضمن هذا؟ وهل ستكون دولة علمانية أم دولة شريعة يهودية؟ وهل تكون دولة رفاه أم دولة رأسمالية؟ مدنية أم عسكرية؟ وكم من الشعوب سيعيش فيها بعد عشر سنين؟ وماذا ستكون حدودها؟" ("هآرتس"، 15/4/2012).

وكما ذكرت، فهذا ليس كلام ليفي وحده، إذ ثمة تيار "المؤرخين الجدد" وتيار ما بعد الصهيونية، وحزب ميريتس، وثمة كتاب ومثقفون وسياسيون آخرون يأخذون على إسرائيل كونها دولة عنصرية واستعمارية وظالمة، مثل عميرة هس وإيلان بابي وشلومو ساند ونورمان فينكلشتين ويوري أفنيري وإيللا شوحط، ويوري ديفيز وإيلان هاليفي، وإبراهام بورغ وإسرائيل شامير وعاموس عوز وأب يهوشواع وإسحق لاؤور وأمنون راز وجوديث بتلر وهنري سيغمان وشولا ميت ألوني ويوسي ساريد، وآخرون.

مثلا، هذا شخص بحجم أبراهام بورغ -والذي كان من زعماء حزب العمل، ورئيسا للكنيست، ورئيسا للوكالة اليهودية، سابقا، وهو ابن يوسف بورغ (زعيم حزب المفدال، القومي الديني الذي كان من مؤسسي دولة إسرائيل)- يقول في مقابلة معه إن إسرائيل "أصبحت أقل استقلالية مما كانت عليه إبّان قيامها"، وإنها "تحولت متحدثة باسم الموتى.. باسم كل أولئك غير الموجودين، أكثر مما تتحدث باسم كل أولئك الموجودين". وعنده فإن "الدولة -التي تحيا على سيفها والتي تسجد للموتى- مآلها أن تحيا في حالة طوارئ دائمة".

وبالنسبة إلى تعريف إسرائيل لذاتها "دولة يهودية"، فبرأيه "يستحيل أن يتعايش تحت سقف واحد مع تعريفها بأنها ديمقراطية"، والبديل عنده يكمن في "تحويلها دولة لجميع يهودها وجميع مواطنيها".
أما في ما يخص الفلسطينيين فإن بورغ يؤكد "أن اليهود -الذين كثيرا ما كان يتم في السابق تشريدهم- يشكِّلون هم بالذات سبب تشريد الفلسطينيين".

أخيرا، وفي شأن عملية التسوية يعتقد بورغ أن "معادلة دولتين لشعبين لفظت أنفاسها"، والبديل عنده يكمن في "طرح نموذج لا يبدأ من حل القضايا القومية وإنما من الالتزام بالقضايا الاجتماعية، حيث لا فرق بين اليهود والعرب، أي بمساواة كاملة".

وهذا يستلزم -في نظره- أن إسرائيل ليست دولة يهودية ديمقراطية وإنما دولة ديمقراطية توجد فيها أغلبية يهودية تقوم بتقاليدها في إطار نوع من الحكم الذاتي الثقافي، والأقلية غير اليهودية تقوم بتقاليدها باحترام في إطار اجتماعي في دولة جميع مجتمعاتها، وجميع مواطنيها متساوون أمام الديمقراطية".

هكذا "يكون لكل إنسان يعيش بين نهر الأردن والبحر المتوسط الحق نفسه والمساواة نفسها، إذا كنت يهوديا أو عربيا، رجلا أو امرأة، حريديا أو علمانيا، لكل إنسان الحق نفسه في أن يَنتخب ويُنتخب، الحق في الحياة".

يتابع بورغ "أنا شخصيا أريد الاندماج، أريد أن تكون هناك دولة واحدة مدنية، ومساواة في الحقوق لكل إنسان بين النهر والبحر، أريد أن يكون الحكم في البلاد اشتراكيا أكثر وعلى غرار الدول الإسكندنافية، وأن تهتم الدولة بأمور أكثر من اليوم، أريد توزيعا مختلفا للثراء في المجتمع، أريد توزيعا مختلفا للتحمل (مجلة "قضايا إسرائيلية"، مركز "مدار"، عدد شتاء 2012).

وهذا يسرائيل شامير" يقول "إجرامنا تجاوز إجرام روسيا في الشيشان، وأفغانستان، وإجرام أميركا في فيتنام، وإجرام صربيا في البوسنة، وعنصريتنا ضد الفلسطينيين ليست أقل انتشارا من عنصرية الألمان". (هآرتس 14/7/2011).

أما شلومو ساند -أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب- فهو من أهم الأكاديميين الإسرائيليين الذين يشتغلون على تقويض الادعاءات الصهيونية وتفنيدها، وقد ألف لهذا الغرض عدة كتب، منها "اختراع الشعب اليهودي" و"اختراع أرض إسرائيل"، و"كيف لم أعد يهوديا؟" الذي صدر العام الماضي.

المشكلة الأساسية -في هذا الإطار- أننا لا نتعاطى بجدية وبمسؤولية مع التناقضات والخلافات الإسرائيلية، لأن كل شيء عندنا يشتغل وفق عقلية "المؤامرة"، أو توزيع الأدوار، وبالنتيجة فإننا هنا - ومن دون قصد- نساهم في توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف قيادته، وفي تشكيل إدراكاته عنا، بل حتى نساهم في مساعدته على حل تناقضاته بتوجيهها إلى الخارج، أي إلينا بدعوى الدفاع عن الوجود.
استصحابنا الدائم لعقلية "المؤامرة" يجعلنا نساهم في توحيد المجتمع الإسرائيلي، وفي تشكيل إدراكاته عنا، بل حتى نساهم في مساعدته على حل تناقضاته بتوجيهها إلى الخارج، أي إلينا بدعوى الدفاع عن الوجود
وفي الحقيقة ثمة تقصير كبير في التعامل مع التناقضات الإسرائيلية وعدم أخذها في الاعتبار في الإستراتيجيات المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، سواء لدى الحركة الوطنية الفلسطينية، أو لدى البلدان العربية المعنية، وهو تقصير ينبغي تلافيه.

تبقى ملاحظة أساسية أخيرة، مفادها حذر البعض أو ترددهم في ما يتعلق بمقارنة ما يفعله نظام الطاغية الأسد بإسرائيل، باعتبارها مقارنة مضرة، أو مضللة، أو تثير شبهة "التصالح" مع وجود إسرائيل أو الاحتفاء بها.

والحقيقة أن كل ذلك غير صحيح على الإطلاق، بل إن عقد مثل هذه المقارنة أمر واجب، كي نتمكن من كشف واقعنا، والوقوف أمامه على حقيقته، وضمنه إدراك مغزى استخدام الأسد ترسانته العسكرية ضد شعبه، وهو الذي لم يستخدمها ضد إسرائيل رغم اعتداءاتها المتكررة على سوريا، ورغم احتلالها أرض سوريا.

هكذا، ينبغي الكف عن التصرف وفق العقلية القبلية، عقلية "بلادي وإن جارت علي عزيزة.."، و"ما أنا إلا من غزيّة إن غوت غويت.."! فما هي هذه البلاد التي ينبغي احترامها وهي تمتهن مواطنيها، وتجرم بحقهم، وتصادر حرياتهم؟ وما هي الحكمة في التماهي مع الظلم والطغيان؟
وقصارى القول إن الشعوب المقهورة والمقيدة والتي تفتقد حريتها وكرامتها ولقمة عيشها لا يمكن أن تحارب، ولا يمكن أن تتفوق على إسرائيل، لا بالسلم ولا بالحرب.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة