عولمة بوكو حرام.. رؤية مغايرة   
الأربعاء 1435/8/28 هـ - الموافق 25/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)
حمدي عبد الرحمن


أفغانستان الأخرى
"أعيدوا فتياتنا"
الحرب الأخرى

على الرغم من أن جماعة بوكو حرام قد تسببت في مقتل آلاف المدنيين منذ تبنيها العصيان المسلح ضد الحكومة عام 2009، فإن توقيت الحملة الدولية الراهنة المناهضة لها ولاسيما في وسائل الإعلام الغربية يطرح العديد من التساؤلات الجوهرية.

لقد بات واضحا تماما عجز النخبة النيجيرية الحاكمة عن حماية مصالحها الخاصة، ناهيك عن فشلها في تحقيق أمن واستقرار مواطنيها. فالدولة النيجيرية التي وصفت ذات مرة بأنها "عملاق أفريقيا التائه" لم تستطع إلا الاستقواء بالقوى الأجنبية لمواجهة خطر بوكو حرام المتصاعد ولاسيما بعد مأساة اختطاف عشرات الفتيات.

والمثير للانتباه حقا أن معظم الروايات والتحليلات التي تتناول صعود خطر الراديكالية الإسلامية في أفريقيا، ومن بينها جماعة بوكو حرام، تميل إلى المنحى التبسيطي من خلال الربط بينها وبين تنظيم القاعدة، وهو ما يشكل مسوّغا لتأطيرها في سياق منظومة الحرب العالمية على الإرهاب.

على أن الرؤية المغايرة التي نطرحها هنا تحاول قراءة ظاهرة التطرف الفكري والديني في سياقها الأفريقي العام. إن سلفية بوكو حرام المتشددة تجسد المظالم التاريخية للشمال النيجيري الذي يعاني من ارتفاع معدلات الفقر بنسبة تزيد على 15% عن الجنوب.

معظم التحليلات التي تتناول صعود خطر الراديكالية الإسلامية في أفريقيا ومن بينها جماعة بوكو حرام تميل إلى المنحى التبسيطي من خلال الربط بينها وبين تنظيم القاعدة

وإذا كانت هذه الجماعة تحتفظ بروابط وعلاقات مع الجماعات الجهادية في مالي والصومال، كما أنها تسعى لإقامة دولة الخلافة في جميع أنحاء نيجيريا، فإنها تذكرنا بجماعة جيش الرب للمقاومة في أوغندا والتي تسعى لتطبيق الوصايا العشر في الكتاب المقدس. إذن الأمر لا يتعلق بالتطرف الديني الإسلامي أو المسيحي بقدر ما يتعلق بفشل مشروع الدولة الوطنية الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار.

أفغانستان الأخرى
لاشك أن مراجعة الخطاب الإعلامي السائد في الغرب والمتعلق بجماعة بوكو حرام تفضي لا محالة إلى القبول بنتيجة أن نيجيريا دولة فاشلة وغير قادرة على التصدي للمشكلات الأمنية والسياسية التي تواجهها.

ولعل ذلك يمثل نقطة الانطلاق في اعتبار الدول الغربية بمثابة المنقذ للعملاق النيجيري. وبالفعل هرولت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول لتقديم العون العسكري والاستخباراتي في قضايا تمس صميم الأمن الداخلي للحكومة النيجيرية. ولعل ذلك يعبر عن حالة فقر إستراتيجي للنخبة الحاكمة في أبوجا، ويخالف التوجهات الحاكمة للسياسة الخارجية النيجيرية على مدى أربعة عقود خلت.

ويتمثل مكمن الخطورة هنا في هذا التدافع الدولي من أجل التدخل في قضية بوكو حرام في إعطاء المبررات والدوافع الموجبة للوجود العسكري الغربي في نيجيريا ومنطقة غرب أفريقيا. ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى ثلاثة من هذه المبررات:

أولا: الاستناد إلى "مبدأ واجب الحماية" الذي أقرته الأمم المتحدة عام 2005 ويقضي بضرورة التدخل الإنساني العسكري لمساعدة وحماية المدنيين. وقد سبق أن تم إعمال هذا المبدأ في حالات دولية سابقة مثل دارفور وليبيا واليمن ومالي.

وطبقا لصحيفة غارديان البريطانية فقد ناقش خبراء السياسة الخارجية البريطانية ضرورة الاستناد إلى هذا المبدأ في التدخل لإعادة الفتيات النيجيريات المختطفات. يعني ذلك إعطاء القوات الأجنبية الحق المطلق في تحديد أماكن الأعداء وتدميرها باستخدام كافة أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات من دون طيار ودون موافقة أو رقابة الحكومة النيجيرية.

ثانيا: نجاح التحالف الأنجلوأميركي في إعادة تصنيف بوكو حرام بحسبانها جزءا من تنظيم القاعدة، كما استطاعت الحكومة النيجيرية الدفع بملف بوكو حرام إلى مجلس الأمن الدولي.

وبالفعل أدرجت لجنة العقوبات بالمجلس يوم 22 مايو/أيار 2014 جماعة بوكو حرام على قائمة المنظمات الإرهابية. وإذا كان هذا القرار يساعد على عزل ومطاردة بوكو حرام، فإنه من جهة أخرى يبرر تصاعد التدخل الغربي في المنطقة، ولاسيما بعدما تمكنت فرنسا وحلفاؤها من طرد الجماعات الإسلامية الراديكالية من شمال مالي في مطلع عام 2013.

ولا يخفى أن هذا القرار يمثل الدافع والمبرر للوجود الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، كما أنه يساعد على إسكات الأصوات المعارضة لفرنسا داخل الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية الأخرى.

ثالثا: انعقاد مؤتمر باريس يوم 17 مايو/أيار 2014 بمشاركة تشاد والنيجر والكاميرون وبنين بالإضافة إلى نيجيريا وبريطانيا والولايات المتحدة والدولة المضيفة (فرنسا) وذلك لمناقشة قضية بوكو حرام.

إذا كان صعود الراديكالية الإسلامية المتطرفة يمثل خطرا على المصالح الغربية والأجنبية المتزايدة في أفريقيا، فإن الدول الغربية قد أسهمت بدور كبير في خلق مشكلات التطرف والإرهاب في أفريقيا

ولاشك أن دلالة هذه القمة تتمثل في محاولة وضع أزمة نيجيريا الداخلية في السياق الأوسع للحرب على الإرهاب. ولقد عبر الرئيس جوناثان جودلاك بوضوح عن هذا التوجه بقوله: "إن بوكو حرام لم تعد جماعة إرهابية محلية، وإنما أضحت تتبنى بوضوح نهج تنظيم القاعدة. إنها القاعدة في غرب أفريقيا".

ولعل عسكرة التدخل الدولي لمواجهة بوكو حرام يجسده قول الرئيس الفرنسي هولاند إن مؤتمر باريس سوف يفضي إلى بلورة خطة عمل إقليمية ودولية لمواجهة الإرهاب في غرب أفريقيا.

إن هذه المبررات والذرائع التي تسوقها القوى الرأسمالية العالمية الكبرى لتبرير تدخلها في الحرب على بوكو حرام قد تؤدي إلى إعادة إنتاج النموذج الأفغاني في أفريقيا. ويتمثل مكمن الخطورة هنا في تكرار نفس السياسات الخاطئة التي ثبت فشلها في مواجهة طالبان أفغانستان.

"أعيدوا فتياتنا"
لا شك أن الحملة العالمية التي تسير على قدم وساق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان "أعيدوا فتياتنا" تمارس دورا إعلاميا مهما في توجيه الرأي العام العالمي تجاه قضية الإرهاب والتطرف في نيجيريا، ولكن دون إمعان النظر في الأسباب الحقيقية المؤدية لذلك.

ونستطيع في هذا السياق الإشارة إلى الحملة المماثلة التي دشنتها وسائل الإعلام الغربية عام 2012 ضد زعيم جيش الرب للمقاومة في أوغندا جوزيف كوني.

لقد أدت هذه الحملة إلى تبرير التدخل العسكري والاستخباراتي الأميركي في كل من أوغندا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وغيرها من الدول الأفريقية وذلك بحجة إلقاء القبض على زعيم التمرد المسلح جوزيف كوني.

على أن النتيجة الواضحة هي عدم العثور على زعيم التمرد الأوغندي منذ ذلك الوقت وبقيت القوات الأميركية والأوروبية في أنحاء مختلفة من أفريقيا. فالقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) تمتلك قواعد دائمة وأخرى مؤقتة في العديد من البلدان الأفريقية. ولاشك أن قرار نيجيريا بعولمة قضية بوكو حرام سوف يعطى أفريكوم الفرصة لتوطيد أقدامها في الساحل النيجيري ومنطقة خليج غينيا الغنية بالنفط.

ومن الملاحظ أن ثمة إعادة انتشار للقوات الأميركية والفرنسية في الساحل الغربي لأفريقيا منذ عام 2012 على غرار ما هو قائم في منطقة القرن الأفريقي وذلك بغرض معلن هو محاربة تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به في أفريقيا.

وعادة ما ترفع أفريكوم شعار "عملية الحرية الدائمة" لتبرير أنشطتها في قرن أفريقيا الكبير وصولا إلى إقليم الساحل والصحراء. وعلى الرغم من أن بوكو حرام تتبنى نفس المنهج السلفي الجهادي للقاعدة فإنها تختلف من حيث طموحاتها وعملياتها الخارجية، فهي لا تسعى للسيطرة على أية أراض خارج الدولة النيجيرية.

الحرب الأخرى
إذا كان صعود الراديكالية الإسلامية المتطرفة يمثل خطرا على المصالح الغربية والأجنبية المتزايدة في أفريقيا، فإن الدول الغربية قد أسهمت بدور كبير في خلق مشكلات التطرف والإرهاب في أفريقيا.

ومن الواضح تماما أنه إلى جانب الحروب والصراعات الدينية المسلحة، فإن هناك حروبا أخرى تجري في أفريقيا. إنها حروب ذات طبيعة مختلفة حيث إنها تتعلق بالاقتصاد. فأفريقيا قارة غنية بمواردها الطبيعية وهي تشهد اليوم جيلا جديدا من معارك التكالب الدولي عليها. ورغم ذلك فإن أغلب سكانها يعانون من آلام الفقر والتهميش.

خيوط الحل تكمن في الداخل النيجيري حيث توجد بيئة الفقر والتخلف الحاضنة لبذور التطرف والإرهاب. فالفائض الاقتصادي لا تتم إعادة توزيعه بشكل عادل يضمن مصالح الطبقات الفقيرة

ولعل هذا التناقض يبرز واضحا في الحالة النيجيرية التي قفز اقتصادها ليحتل المكانة الأولى أفريقيًا متجاوزا اقتصاد جنوب أفريقيا. إذ لا تزال نيجيريا تعاني من وجود نحو 70% من سكانها تحت خط الفقر، كما أن خدمات التعليم والرعاية الصحية غير متاحة لغالبية السكان.

وتعد نيجيريا واحدة من أكثر الأماكن فسادا على ظهر المعمورة، فالنخبة الاقتصادية والشركات الأجنبية ولاسيما العاملة في قطاع النفط تدفع الأموال الطائلة من أجل توفير الحماية والأمن لها.

وعليه فإن الجميع مستعد للذهاب إلى الحرب من أجل الحصول على الموارد مثل النفط والغاز ولكن لا يوجد أحد على استعداد لخوض الحرب الحقيقية ضد الفقر وإزالة أوضاع عدم المساواة في المجتمع النيجيري.

ولا شك أن الرؤية التي نطرحها هنا تعبر عن السياق الحقيقي الذي يمكن من خلاله فهم أزمة الفتيات المختطفات في نيجيريا بالإضافة لتحدي جماعة بوكو حرام، وهو ما يعني أن الحل لن يأتي من خلال استخدام المزيد من الأسلحة واستقدام الجيوش الأجنبية للأراضي الأفريقية. إنه على الرغم من اعتبار نيجيريا القوة الاقتصادية الأكبر في أفريقيا، فإن ذلك يبدو مبررا لوجود سيناريو التدخل العسكري الغربي في شؤونها.

ويمثل مؤتمر باريس الماضي الخاص بجماعة بوكو حرام أحد تجليات العسكرة المتزايدة التي تقودها القوات الأنجلوأميركية على الأراضي الأفريقية.

إن خيوط الحل تكمن في الداخل النيجيري حيث توجد بيئة الفقر والتخلف الحاضنة لبذور التطرف والإرهاب. فالفائض الاقتصادي الناتج عن استغلال النفط والغاز الطبيعي لا تتم إعادة توزيعه بشكل عادل يضمن مصالح الطبقات الفقيرة والمهمشة في البلاد. وهذا هو التحدي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة