صعود حزب المؤتمر الهندي.. الأسباب والتداعيات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ ‏محمد فايز فرحات

- أسباب الفوز
- مستقبل عملية التطبيع مع باكستان

شهد عام 2003 عددا من التطورات المهمة سواء على مستوى البيئة الداخلية الهندية أو على مستوى العلاقات الهندية الباكستانية.

فمن ناحية، شهد الاقتصاد الهندي الحفاظ على معدلات النمو الجيدة، بالإضافة إلى موسم الأمطار الوفيرة، والنتائج الإيجابية التي حققها حزب بهارتيا جاناتا في الانتخابات المحلية لبعض الولايات.

ومن ناحية أخرى، شهد هذا العام تطورا ملحوظا في العلاقات الهندية الباكستانية في الاتجاه نحو تخفيف مستوى الصراع التقليدي بين البلدين وتطبيع العلاقات الثنائية عقب المبادرة التي أعلنها رئيس الوزراء الهندي أتال بيهاري فاجبايي في أبريل/ نيسان 2003، والتي لقيت تفاعلا إيجابيا من جانب باكستان، تبعها تطبيق مجموعة من إجراءات بناء الثقة، والاتفاق على جدول زمني للمحادثات الثنائية بين مسؤولي البلدين، أعطى عملية التطبيع طابعا منهجيا.

وقد أبدى طرفا الصراع قدرا من المرونة في التعامل مع الثوابت التقليدية، عبر عنها إعلان الرئيس الباكستاني استعداد بلاده لتجميد بعض بنود قرارات الأمم المتحدة الخاصة بكشمير التي تثير خلافا شديدا بين الطرفين، خاصة البنود المتعلقة بتطبيق حق تقرير المصير، وهو ما فتح المجال للحديث عن تصورات عملية لتسوية هذا الصراع التاريخي.

وأدى التزامن النسبي لتلك التطورات إلى نمو قناعة لدى حزب بهارتيا جاناتا بفوزه المؤكد في حالة إجراء انتخابات قومية، وهو ما دفعه إلى استغلال تلك الظروف والتعجيل بالانتخابات لتبدأ في أبريل/ نيسان بدلا من سبتمبر/ أيلول 2004.

غير أن تلك الانتخابات قد أسفرت عن مفاجأة تمثلت في فوز حزب المؤتمر الهندي وهزيمة التحالف الوطني الديمقراطي بقيادة حزب جاناتا. فبينما حصل التحالف الوطني على 185 مقعدا، حصل تحالف حزب المؤتمر على 217 مقعدا بالإضافة إلى الدعم الذي حظي به المؤتمر من الأحزاب الشيوعية واليسارية التي حصلت على 59 مقعدا، وهو ما كفل لحزب المؤتمر تشكيل حكومة ائتلافية بقيادة الدكتور مانموهان سينغ.

وقد أثارت تلك النتيجة الكثير من الجدل والنقاش حول الأسباب التي قادت إلى هزيمة التحالف الوطني الديمقراطي وصعود حزب المؤتمر، وانعكاس تلك التطورات على مستقبل عملية التطبيع مع باكستان.

أسباب الفوز

اكتسب شعار "يد المؤتمر مع الرجل العادي" الذي رفعه حزب المؤتمر الهندي قدرة أكبر على التعبئة السياسية داخل الطبقات الفقيرة والريفية
يجب التأكيد أولا أن تصويت الناخب الهندي ضد التحالف الوطني بقيادة حزب جاناتا لم يكن تصويتا ضد الإنجازات المهمة التي حققتها حكومة فاجبايي خلال السنوات الماضية.

فقد استطاع فاجبايي الحفاظ على معدل النمو الاقتصادي، وتطوير قطاع تكنولوجيا المعلومات، وزيادة حجم الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى تحقيق نقلة إستراتيجية في العلاقات الهندية الأميركية، والهندية الإسرائيلية، بالإضافة إلى تطوير العلاقات الهندية مع كل من الصين وروسيا.

بل جاء تصويت الناخب الهندي ضد بعض الآثار السلبية التي ارتبطت ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، وعدم التوازن بين تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة، حيث تم التركيز على قطاع الصناعة، خاصة تكنولوجيا المعلومات، مقابل الإهمال النسبي لقطاع الزراعة.

وقد أدى عدم التوازن هذا إلى غياب التوزيع العادل لعائدات وتكاليف عملية التنمية لصالح المناطق الحضرية والعاملين في قطاع الصناعة، مقابل ضعف نصيب المناطق الريفية والعاملين في قطاع الزراعة.

وعلى سبيل المثال، حقق الناتج المحلي الإجمالي نموا قدره 5.8% خلال الفترة (1990-2002)، تركز بالأساس في قطاع الصناعة (6%) والخدمات (7.9%) مقابل 2.7% فقط لقطاع الزراعة.

ونتيجة هذا التفاوت ظلت نسبة الفقراء في الهند مرتفعة نسبيا، فقد بلغت نسبة السكان الذي يعيشون على أقل من دولارين يوميا في عام 1999-2000 حوالي 80%. كما ظل التفاوت في توزيع الدخل قائما، إذ بلغ نصيب أفقر 20% من السكان 8.9% من الدخل، مقابل 41.6% بالنسبة لأغنى 20% منهم.

وفي هذا الإطار، افتقد شعار "الهند المشرقة" الذي رفعه حزب جاناتا دلالته وقدرته على التعبئة السياسية في المناطق الفقيرة التي رأت فيه شعارا نخبويا يتعلق بالطبقات العليا، ويعني مزيدا من التوسع في برامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة وقطاع تكنولوجيا المعلومات على حساب قطاع الزراعة.

وفي المقابل، اكتسب شعار حزب المؤتمر "يد المؤتمر مع الرجل العادي" قدرة أكبر على التعبئة السياسية داخل الطبقات الفقيرة والريفية، خاصة في ضوء الانتقادات التي وجهها برنامج المؤتمر لحكومة فاجبايي، خاصة ركود قطاعي الزراعة والمشروعات الصغيرة، والبطالة الناتجة عن الخصخصة التي شملت شركات ناجحة في بعض الحالات، وتزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء والريف والحضر، والتأكيد في المقابل على أن القطاع العام مازال يقوم بدور اقتصادي واجتماعي مهم، والعمل على تفعيله من خلال الإصلاح الإداري، والتطبيق الانتقائي لبرنامج الخصخصة، بالإضافة إلى تنمية قطاع الزراعة والقطاع غير المنظم.

ومن ناحية أخرى، يمكن أن نعزو صعود حزب المؤتمر إلى التحول في اتجاهات الناخب الهندي تحت تأثير تفجر الصراعات العرقية والدينية في الهند خلال العامين الأخيرين، خاصة أحداث غوجارات عام 2002، وما أدت إليه من تزايد القناعة لدى الناخب بأهمية إحياء مفهوم "الديمقراطية العلمانية" الذي ارتبط بحزب المؤتمر.

ولعل ما يؤكد هذا التحليل النجاح الذي حققه حزب المؤتمر في ولاية غوجارات، فبينما ظل عدد المقاعد التي حصل عليها حزب المؤتمر أقل من تلك التي حصل عليها جاناتا داخل الولاية، إلا أن حزب جاناتا شهد تراجعا ملحوظا، إذ انخفض عدد مقاعده من 20 مقعدا في 1999 إلى 14 مقعدا في 2004، بينما ارتفع نصيب حزب المؤتمر من 6 مقاعد إلى 12 مقعدا.

أضف إلى ذلك تصاعد الأهمية النسبية للقضايا المحلية خاصة الجفاف وندرة المياه في بعض الولايات مقابل تراجع أهمية القضايا ذات الطابع القومي، وهو ما ساهم أيضا في ضعف جاذبية شعار "الهند المشرقة" لدى سكان تلك الولايات، والتي رأت فيه شعارا يخص المركز.

مستقبل عملية التطبيع مع باكستان

لم يكن قرار حكومة فاجبايي بتطبيع علاقاتها مع باكستان محصلة للحسابات السياسية المباشرة لحزب جاناتا بقدر ما كان إفرازا لتلك التحولات
رغم تأكيد الحكومة الهندية الجديدة عزمها استكمال عملية التطبيع التي بدأتها حكومة فاجبايي مع باكستان، إلا أن قدرا من الغموض يكتنف مستقبل تلك العملية.

ويرجع هذا الغموض إلى عدة مؤشرات. أولها هو اختفاء فاجبايي ذاته. ولا شك أن اختفاء فاجبايي سيكون له تأثيره السلبي على مسار تلك العملية على المدى القريب والمتوسط من زوايا عدة.

فمن ناحية مثل فاجبايي أحد مصادر قوة الدفع لعملية التطبيع الراهنة باعتباره "مهندس" تلك العملية، وهو ما منح تلك المبادرة قوة إضافية بالنظر إلى علاقة حزب جاناتا بالتيار القومي الهندوسي، وسعي فاجبايي إلى تمرير تلك المبادرة لدى التيار الهندوسي، ولدى الجناح المتشدد داخل الحزب بقيادة وزير الداخلية الأسبق لال كريشنا أدفاني، والذي حرص فاجبايي على دمجه في تلك العملية من خلال إسناد مهمة الحوار مع مؤتمر حريات الكشميري إلى أدفاني ذاته.

أضف إلى ذلك رغبة فاجبايي في إنهاء تاريخه السياسي بإنجاز تسوية سياسية تاريخية للصراع الهندي الباكستاني بما في ذلك مشكلة كشمير. ومن المتوقع في ظل خروج فاجبايي من السلطة وانتقاله إلى صفوف المعارضة ضعف التيار المعتدل داخل التيار القومي الهندوسي وداخل حزب جاناتا، خاصة في حالة تولي أدفاني رئاسة الحزب.

أما المؤشر الثاني، فينصرف إلى موقع قضية كشمير داخل البرنامج الانتخابي لحزب المؤتمر. وتكشف قراءة هذا البرنامج عن ملاحظتين مهمتين:

الأولى هي تراجع الأهمية النسبية لقضايا السياسة الخارجية، بما في ذلك مشكلة كشمير التي اقتصرت معالجتها على بعض الفقرات المقتضبة، بالمقارنة بالمساحة المهمة التي شغلتها القضايا الداخلية، وهو ما يعكس احتمال تركيز حكومة المؤتمر على القضايا الداخلية والإهمال النسبي لقضية كشمير.

والثانية هي الانتقادات الشديدة التي وجهها البرنامج لسياسة حكومة فاجبايي تجاه باكستان وكشمير والتي اعتبرها أحد مظاهر تناقض وتقويض استقلالية السياسة الخارجية الهندية، خاصة في ظل التحولات المفاجئة لتلك السياسة، وغموض موقف حكومة فاجبايي بشأن التدخل الأميركي في الصراع الهندي الباكستاني، بما يتناقض والثوابت الهندية الخاصة برفض فكرة تدويل الصراع أو الوساطة الدولية.

وفي المقابل، أكد المؤتمر على تمسك الحزب بالاستمرار في بناء القدرات النووية مع الاستمرار في تطبيق إجراءات بناء الثقة مع دول الجوار النووية، وأن الحزب سيتبنى على العكس من حكومة حزب جاناتا سياسة متسقة تقوم على المحادثات الرسمية وغير الرسمية حول جميع القضايا، بما في ذلك مشكلة كشمير، استنادا إلى اتفاقية شيملا سنة 1972، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة توقف باكستان عن دعم "الإرهاب عبر الحدود" بشكل كامل وفوري، واحتفاظ الهند بحقها في الدفاع عن أمنها في حالة عدم توقف باكستان عن دعم تلك الأنشطة.

وقد فسرت بعض التحليلات هذا الموقف باعتباره تعبيرا عن رغبة حكومة حزب المؤتمر في العودة إلى "المنهج الثنائي" في إدارة الصراع، وتهميش الدور الأميركي، وهو الدور الذي بدأ في التبلور خلال العامين الأخيرين وكان له تأثيره في تخطي الأزمات الخطيرة التي شهدتها العلاقات الهندية الباكستانية خلال عامي 2001 و2002، وإجبار طرفي الصراع على الحوار وطرح بعض الأفكار حول البدائل العملية للتسوية.

ومن المتوقع تصاعد هذا التوجه لدى حكومة المؤتمر في ظل عامين، الأول هو الدور المهم للأحزاب الشيوعية واليسارية داخل البرلمان، والتأثير المتوقع لتلك الأحزاب على توجهات الحكومة الائتلافية نحو اتخاذ مواقف أكثر تشددا ضد التوجه الأميركي الأحادي في السياسة الدولية وإدارة الصراعات الدولية، ودعم المحور "الهندي الروسي" على حساب الشراكة الإستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة.

غير أنه رغم أهمية تلك المؤشرات، هناك مجموعة من التطورات الهيكلية التي شهدها المجتمع الهندي خلال السنوات الأخيرة، قد تحول دون تراجع حكومة المؤتمر عن عملية التطبيع.

إذ يمكن القول إن قرار حكومة فاجبايي بتطبيع علاقاتها مع باكستان لم يكن محصلة للحسابات السياسية المباشرة لحزب جاناتا بقدر ما كانت إفرازا لتلك التحولات.

ونشير هنا إلى تحولين رئيسين:
1- التحول في إدراكات الجيل الهندي الجديد بشأن طبيعة مشكلة كشمير بالمقارنة باتجاهات الجيلين الأول والثاني اللذان امتدا حتى نهاية الثمانينيات واللذان عارضا بشدة تقديم أية تنازلات بشأن كشمير.

وفي المقابل يتميز الجيل الثالث (20-30 سنة) بقدر كبير من البراغماتية، فمن ناحية أصبح هذا الجيل أكثر قناعة بالمسؤولية المشتركة للهند وباكستان عن الصراع وتأخر تسويته إلى الآن.


أصبح الجيل الثالث من الشعب الهندي أكثر قناعة بالمسؤولية المشتركة للهند وباكستان عن الصراع وتأخر تسويته إلى الآن
فقد كشف أحد استطلاعات الرأي علي عينة من الطبقة الوسطى (نوفمبر 1998-يناير 1999)، تأكيد 45% على مسؤولية طرفي الصراع عن الأزمات المتكررة وصعوبة التوصل إلى تسوية سلمية، مقابل 27% لباكستان و2% للهند.

كما أضحى هذا الجيل أكثر قناعة بمسؤولية النظام السياسي الهندي وآليات المنافسة الحزبية والانتخابية عن افتعال بعض الأزمات حول كشمير بهدف تحقيق مكاسب داخلية (59%).

إلا أن التحول الأهم تمثل في تكييف هذا الجيل لطبيعة مشكلة كشمير، بحيث أضحى ينظر إليها باعتبارها مشكلة سياسية بالأساس (42%) أكثر منها دينية (11%)، الأمر الذي يعني تزايد الاستعداد لقبول تسوية سياسية عملية للمشكلة.

2- فشل تطبيق إستراتيجية الضربة الوقائية ضد باكستان، وهي الإستراتيجية التي حاولت الحكومة الهندية تطبيقها ضد باكستان، تحت تأثير أحداث سبتمبر/ أيلول والشروط المرنة التي وضعتها الولايات المتحدة لتطبيق إستراتيجية الضربة الوقائية (غياب الديمقراطية، دعم الإرهاب، امتلاك أسلحة دمار شامل)، فقد ذهب وزير خارجية الهند إلى أن الهند "يتوفر لديها حالة جيدة لتوجيه ضربة استباقية ضد باكستان".

غير أن التجربة العملية كشفت عن صعوبة تطبيق الهند لتلك الإستراتيجية ضد باكستان، في ضوء عدم وضوح الأهداف العملية لتلك الضربة (هل هي إسقاط نظام برويز مشرف، أم تعديل خط السيطرة؟)، وتعقد المعادلة السياسية الداخلية الباكستانية في ظل حالة التلاحم النسبي بين المؤسسة العسكرية والمعارضة الإسلامية في مواجهة الهند.

كما افتقدت تلك الإستراتيجية منطقها بالنظر إلى التجاوب النسبي للنظام الباكستاني مع الضغوط والمطالب الدولية الخاصة بمحاربة الإرهاب، أضف إلى ذلك صعوبة تحييد العامل النووي في الصراع.

وهكذا، وفي ضوء هذين العاملين، ربما يكون من الصعب تراجع الحكومة الهندية الجديدة عن مسار عملية التطبيع التي بدأتها الحكومة السابقة.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة