الانتفاضة العراقية.. استثناء أم استعصاء؟   
الخميس 12/4/1432 هـ - الموافق 17/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
عبد الحسين شعبان


عندما بدأت موجة التغيير التي اجتاحت البلدان العربية وانتقلت من عاصمة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، لم يكن العراق استثناء، فقد شهد الوضع العراقي وبغضّ النظر عمّا سبّبه الاحتلال من تدمير للدولة العراقية ومرافقها ومؤسساتها، وخصوصاً بعد حل الجيش وانفلات الوضع الأمني.. حراكاً وديناميكية غير معهودة، لا سيما بعد نظام شمولي دام أكثر من ثلاثة عقود من الزمان.

واتخذت الحركة الاحتجاجية السلمية شعارات مطلبية وواقعية تتعلق بصلب الاحتياجات الحياتية والإنسانية ودون ضجيج أيدولوجي، مثلها مثل انتفاضات تونس ومصر واليمن وليبيا والجزائر والبحرين والأردن وعُمان وغيرها، وشهدت المحافظات والمدن العراقية من البصرة وحتى السليمانية والموصل، فضلاً عن الفرات الأوسط وبغداد والرمادي وغيرها، تحركات واسعة.

"
الحركة الاحتجاجية السلمية العراقية اتخذت شعارات مطلبية وواقعية تتعلق بصلب الاحتياجات الحياتية والإنسانية ودون ضجيج أيدولوجي، مثلها مثل الانتفاضات التي حدثت في بعض الدول العربية

"
وعلى الرغم من أن الشعب العراقي جرّب سلاح الانتفاضة عام 1991 ردّاً على مغامرة غزو الكويت وهزيمة الجيش العراقي، حين اندلعت حركة احتجاجية وغضب شعبي شمل 14 محافظة كادت تطيح بالنظام السابق بعد توقيع اتفاق مذل في خيمة صفوان، لولا مساومة دولية حصلت ومفاجأة من جانب "قوات التحالف". أضف إلى ذلك أن إيران وبعض القوى المتعاونة معها استثمرت الهبّة الشعبية الهائلة ورفعت بعض الشعارات الطائفية التي استفزت أوساطاً غير قليلة شعبياً، ناهيكم عن دور بعض دول الجوار الإقليمي الذي لم يكن متهيئاً للتغيير، الأمر الذي سهل مهمة قمع الانتفاضة.

ويبدو أن ما قرره اجتماع باريس أواخر عام 1990 بخصوص ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، وبعده اجتماع برلين في يونيو/حزيران 1991 (بُعيد تحرير الكويت وتدمير العراق) من توجهات بخصوص التعددية والانتخابات وسيادة القانون في ظل توجّه ديمقراطي على المستوى العالمي، لم يكن قد وضع موضع التطبيق، لا في ما يتعلق بالعراق فحسب، بل حتى في ما يتعلق بمشروع التغيير الديمقراطي في المنطقة ككل، وعند أول بادرة للتغيير تم اكتشاف هزاله وزيفه أيضاً.

ولعل التنظيرات للتغيير الديمقراطي بعد ورطة واشنطن في كابل عام 2001 وبغداد عام 2003 اتخذت شكل دعوة إلى شرق أوسط كبير، وبعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو/تموز 2006 طرحت كوندوليزا رايس مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، لا سيما بعد تهيئة الأجواء من خلال تنظيرات "نهاية التاريخ" التي جاء بها فرانسيس فوكوياما وصدام الحضارات لصاحبها صموئيل هنتنغتن التي ارتفعت وتيرتها بعد الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، وصعود موجة الإرهاب الدولي التي تعكّزت عليها واشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية الإجرامية عام 2001 لشن حرب كونية.

وبقدر ما يتعلق بالتجربة العراقية، فقد تمكّنت الولايات المتحدة من الإطاحة بالنظام الدكتاتوري السابق، لكنها لم تستطع بناء نظام ديمقراطي على أنقاضه، فضلاً عن ذلك فإن أزمتها العالمية اقتصادياً ومالياً -وهي جزء من دورة النظام الرأسمالي العالمي المستفحلة- قد تعمّقت بسبب الغرق في المستنقع العراقي، حيث كلفتها الحرب أكثر من ثلاثة تريليونات دولار وأكثر من 4400 قتيل وأكثر من 22 ألف جريح، حسب الأرقام المعلنة من طرف وزارة الدفاع الأميركية، الأمر الذي دفعها للهروب إلى الأمام بعد توقيع اتفاقية مع العراق نقلت فيه الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي، وستضطر إلى الانسحاب من العراق نهاية العام 2011، مع أن احتمالات البقاء واردة بقوة عسكرية مؤهلة وقواعد ما تزال مؤمّنة ومحمية، ولكن ذلك يمكن أن يتم بتوقيع اتفاقية جديدة مع العراق وفي ضوء التطورات الجديدة.

لا يمكن للولايات المتحدة اليوم القول إنها بنت نظاماً ديمقراطيا في العراق، حتى وإن جرت انتخابات وأبرم دستور جديد احتوى بعض المبادئ الديمقراطية الإيجابية، لكن فيه الكثير من الألغام التي يمكن أن تنسف الإيجابيات الواردة فيه، فضلاً عن القيود الكثيرة، بما فيها نحو 50 مادة تحتاج إلى إصدار قانون، وينتظر الدستور تعديلاً لا يزال مسكوتاً عنه.

"
صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلا على الديمقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة

"
وقد تفاقم الفساد إلى درجة مريعة واحتل العراق الصدارة بين دول العالم في تقارير منظمة الشفافية الدولية، وارتفعت موجة العنف الطائفي والمذهبي والإثني إلى درجة تشظي المجتمع العراقي، لا سيما في ظل وجود المليشيات المعلنة أو المستترة، ناهيكم عن جماعات الإرهاب الخارجة عن القانون، بما فيها تنظيمات القاعدة الإرهابية، واستمرت معضلة الخدمات، فالماء الصافي شحيح والكهرباء لا تزال غائبة في معظم الأوقات، والبطالة تضرب أطنابها، والحكومة معوّقة رغم إجراء الانتخابات منذ مارس/آذار 2010، وبعد ولادة عسيرة دامت أكثر من عشرة أشهر لا تزال الوزارات الأمنية فارغة، فأي إنجازات ديمقراطية يمكن الحديث عنها؟

ولعل صندوق الاقتراع وحده ليس مؤشراً أو دليلاً على الديمقراطية، إنْ لم يقترن بالمساواة والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة السليمة والحريات والعدالة.

لقد حذر رئيس الوزراء العراقي من التظاهر، لا سيما من المندسين وخصوصاً تنظيمات القاعدة والبعثيين، في محاولة لإجهاض التحرك الذي يطالب باستعادة الخدمات ومحاربة الفساد ومساءلة المفسدين وإيجاد فرص عمل للعاطلين وتقليل رواتب المسؤولين وتحسين مفردات الحصة التموينية وغيرها.

وإذا كان ذلك مفهوماً و"مبرراً" لأي حاكم يلتجئ إليه وإن كان غير مبرّر، فالدستور رغم نواقصه وعيوبه يكفل حق التظاهر السلمي، وأي تجمّع سواءً كان لزيارة المراقد أو بمناسبة عاشوراء أو غيرها يمكن أن يؤدي إلى انضمام مندسّين، الأمر الذي لا يستوجب إلغاءها من جانب المعنيين سواءً الحكومة أو رجال الدين المتنفذين وما يطلق عليهم اسم "المراجع العظام"، والمقصود بهم أربعة أساسيين هم آيات الله: السيد علي السيستاني، والسيد محمد سعيد الحكيم، وإسحاق فياض، وبشير نجفي.

ومرة أخرى أقول: إذا كان موقف رئيس الوزراء مفهوماً، فموقف المرجعية غير مفهوم أو لا يزال ملتبساً ويتراوح بين التأييد والتنديد، وبشكل عام ظل ضبابياً، من خلال تصريحات الناطقيْن باسم السيستاني، وأعني بهما الكهربائي والصافي اللذين ظلا على مدى شهرين يحرّضان بشدة على الدفاع عن بعض المطالب الشعبية مثل عدم استحداث المزيد من المناصب الحكومية لمنع ترهل الدولة وأجهزتها، ويتحدثان عن سوء الخدمات وتفاوت الرواتب واستشراء الفساد والبطالة وعدم التلاعب بمفردات البطاقة التموينية، وهو أمر إيجابي تبنّاه أيضاً المجلس الإسلامي الأعلى وجماعة السيد مقتدى الصدر وقوى دينية أخرى، لكنه عاد عشية مظاهرة 25 فبراير/شباط الماضي إلى إصدار تحذير من الاندساس ووضع شروط تقترب من الامتناع عن المشاركة، وهو ما جاء متناغماً مع تصريحات رئيس الوزراء. وقبل ذلك دعا السيد مقتدى الصدر إلى تأجيل الاحتجاجات لمدة ستة أشهر لإعطاء فرصة للحكومة.

"
الغضب العراقي ليس استثناءً كما أنه ليس استعصاءً، فقد شهد التاريخ العراقي احتجاجات كاسحة، ولم يصغ الشارع إلا لعقله وضميره ولحاجاته الإنسانية والحياتية

"

وإذا كانت المظاهرات قد نجحت في لفت النظر رغم العقبات التي وضعت في طريقها وإغلاق الطرق والجسور والاعتقالات التي شملت بعض الصحفيين، وتوقيعهم على تعهدات تذكّر بتعهدات النظام السابق، وأكدت استمرارها وتجددها، الأمر الذي اضطرت معه المرجعية إلى التأكيد على لسان من يمثلها أنها مع شرعية المظاهرات إذا ما حافظت على الإطار السلمي دون نسيان التعبير عن قلقها، وشكرت المتظاهرين كما شكرت الذين لم يتظاهروا -أي الذين استجابوا للمرجعية- ودعت حكومة المالكي إلى تقديم الخدمات والاستماع إلى المطالب، وقال من ينطق باسمها إن المرجعية طالما حذرت الحكومة من خطورة هذا الأداء، ولقد صبر الناس طويلاً.

أستطيع أن أتفهم حرج موقف المرجعية التي دفعتها الأحداث إلى إبداء رأيها والنطق بعد اضطرار طويل إلى الصمت في زمن النظام السابق، كما أقدر حرصها على حماية الأرواح والممتلكات، فهو أمر مشروع ومفهوم، خصوصاً إزاء محاولات الاندساس والعبث، ولكن مثل هذا الأمر قد يحدث أيضاً خلال الزيارات للمراقد وفي المناسبات الدينية، لكنها لم تتخذ الموقف ذاته، علماً بأن القضية لا تتعلق هذه المرة بطقوس أو شعائر أو روحانيات، بل إن المسألة تتعلق بصميم حياة الناس واحتياجاتهم الإنسانية، لا سيما الضرورية والأساسية.

وسبق للكربلائي ممثل السيستاني أن أجاب على سؤال بخصوص تلك المناسبات التي تكرّس لها الدولة كل طاقاتها، وتتعطل الدراسة أحياناً، وأحياناً أخرى تتعطل دوائر الدولة ومؤسساتها ويُستنفر الجهاز الأمني بالكامل وغير ذلك.. أجاب بقوله "وإذا تعطلت الدولة"، فالأمر يستحق ذلك، ولكن ألا تستحق الخدمات والفساد والبطالة تسخير كل شيء في الدولة من أجلها، والضغط على الحكومة لتحقيقها، خصوصاً بعد مرور ثماني سنوات على الاحتلال؟ ثم ألا يستحق ذلك دفع الناس إلى التظاهر حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم أو تتنحّى إنْ لم تكن قادرة؟

الغضب العراقي ليس استثناءً كما أنه ليس استعصاءً، فقد شهد التاريخ العراقي احتجاجات كاسحة، ولم يصغ الشارع إلا لعقله وضميره ولحاجاته الإنسانية والحياتية، فقد أطاحت الاحتجاجات بمعاهدة بورتسموث عام 1948 وأسقطت حكومات وقادت انتفاضات وثورات في أعوام 1952 و1956 و1958، وكادت انتفاضة عام 1991 الإطاحة بالنظام السابق لولا تعرّضها لمحاولات تحريف وتجويف ومساومة ومؤامرة، ولم يكن للمرجعية حينها الدورُ الذي تلعبه اليوم، فعسى أن نقرأ التاريخ جيداً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة