رسائل بوش عن الصراع العربي الإسرائيلي.. تناقض أم تراجع   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ ياسر الزعاترة

- تداعيات الرسالة عربيا وفلسطينيا
- الموقف الرسمي العربي
- بدايات التراجع
- دلالات التراجع الأميركي
- الرد العربي والفلسطيني

ما من شك في أن الوعد -أو الرسالة- الذي قدمه الرئيس الأميركي جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون عشية زيارته لواشنطن يوم 14 أبريل/نيسان الماضي قد شكل سابقة غير معهودة في سياق التعاطي الأميركي مع القضية الفلسطينية طوال عقود، الأمر الذي يؤكد أن الأول قد منحه للثاني تحت وطأة حالة استثنائية من الضغط النفسي تتمثل في الخوف من انحياز اليهود إلى خصمه جون كيري في الانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سيما وهو يدرك أن هذا الأخير له رواجه عندهم، أكان لأصله اليهودي أم لانحياز اليهود التقليدي للحزب الديمقراطي.

واقع الحال أن الوعد المذكور لم يقرأ على نحو متعسف كما ذهب دبلوماسيون من إدارة بوش لاحقا، وإلا فهل ينطبق ذلك على الدبلوماسيين الأميركيين الذي وجهوا رسالة إلى الرئيس الأميركي بهذا الشأن، أم ينطبق على مئات المقالات التي كتبت حول الموضوع، وصولا إلى القادة العرب الذين لم يتمنوا أن يكون الموقف على ذلك النحو.

بالمقابل كان الإسرائيليون قد قرؤوا هم أيضا حقيقة الرسالة/الوعد من خلال عشرات المقالات والتصريحات التي لم تشك لحظة واحدة في طبيعتها الاستثنائية.

فها هو دوري غولد رئيس معهد القدس للشؤون العامة والمستشار السابق لرئيس الوزراء الأسبق نتنياهو يكتب حول الرسالة في النشرة التابعة للمعهد، مؤكدا أنها "تمثل تحولا في السياسة الأميركية تجاه حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني".

وهو هنا لا يقيس الموقف بقرارات الشرعية الدولية، وإنما "بالمقارنة مع المقاييس التي وضعها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بعد فشل قمة كامب ديفد في يوليو/تموز 2000 والأشهر التي تلتها".

حسب غولد فإن التغييرات التي توفرها الرسالة تتعلق أولا بالكتل الاستيطانية التي أقر بوش بقاءها، خلافا لكلينتون الذي تحدث عن تبادل للأراضي. وكذلك الحال بالنسبة للاجئين الذين حرمهم بوش إمكانية العودة إلى الأراضي المحتلة عام 1948 وتحدث عن عودتهم إلى مناطق السلطة فقط، في حين كان كلينتون قد تحدث عن إيجاد أوطان لهم في مناطق أخرى. أما الاحتياجات الأمنية للدولة العبرية فلم تكن على حساب الدولة الفلسطينية عند كلينتون، فيما هي كذلك وفق رسالة بوش.

كما يشير غولد إلى فارق مهم آخر يتمثل في أن كلينتون قد اعتبر إقامة الدولة الفلسطينية هي السبيل لتحقيق الأمن للإسرائيليين، في حين يطالب بوش بتحقيق الأمن للإسرائيليين كشرط لإقامة تلك الدولة.

تداعيات الرسالة عربيا وفلسطينيا

لا شك في أن الدولة العبرية لم تكن لتسعد بإهالة التراب على عملية التسوية وإطلاق دائرة العنف من عقالها بعد كسبها لمصداقية استثنائية من خلال الرسالة التي وضعت سقفا لعملية التفاوض لا يجد من يقبل به من العرب أو الفلسطينيين
كان واضحا أن الرسالة/الوعد ستترك آثارا جوهرية على الواقع السياسي العربي والفلسطيني، من زاوية أنها المرة الأولى التي يجري فيها حسم قضايا الحل النهائي قبل بدء المفاوضات بين الطرفين المعنيين بالصراع.

والحال أن جزءا كبيرا من لعبة تسويق عملية التسوية طوال سنوات قد كانت تستند إلى لعبة التجريب والانتظار وامتحان نوايا الطرف الآخر.

كان ذلك هو ما يحدث في السياق الفلسطيني خلال الجدل المحتدم بين الفصائل الرافضة والأخرى الداعمة لعملية التسوية.

ونتذكر أن مسيرة أوسلو قد استندت إلى هذه المعادلة، ومعها كل ما تبعها من اتفاقات كانت تتوسل ذات نظرية التجريب والانتظار.

من خلال الرسالة الجديدة لم تترك الإدارة الأميركية لأنصار عملية التسوية ما يعدون به الناس، ذلك أن من رفضوا عرض كلينتون ومعه عرض كامب ديفد لا يمكنهم بأي حال أن يدخلوا لعبة جديدة يبدو سقفها أسوأ بكثير، سيما وأن دخول تلك اللعبة لا يبدو أمرا سهلا بحال من الأحوال، إذ إن عليهم أن يقدموا على أعتابها قرابين من الوزن الثقيل.

للتذكير فإن المسار المقترح في هذه الآونة هو تحديدا مسار خارطة الطريق التي تنص في أولى بنودها على تفكيك منظومة الإرهاب التي تعني مطاردة قوى المقاومة بشتى أشكال المطاردة.

والخلاصة هي إعلان الاستسلام أمام سطوة شارون والإقرار بأن مسار العنف لم يؤد إلى نتيجة، فضلا عن وقف كل أشكال التحريض.

ولعل السؤال الذي كان مطروحا هنا هو: كيف يمكن لقادة السلطة أو حركة فتح أن يهيلوا التراب على كل ما قدم من تضحيات خلال السنوات الأربع الماضية ويبادروا إلى إعلان التوبة والمضي في مسيرة لا تبشرهم إلا بأسوأ مما طرح عليهم ورفضوه قبل أربع سنوات؟

الموقف الرسمي العربي
لا شك في أن الموقف الرسمي العربي قد دخل في حالة حرج مشابهة لتلك التي دخلت فيها السلطة، سيما أن لعبة الانتظار والتجريب كانت جزءا لا يتجزأ من الدعاية التي يستخدمها القادة العرب أيضا في سياق تبرير انحيازهم لعملية التسوية.

من المؤكد أن ما جرى قد وضع أنصار التسوية على المستويين الفلسطيني والعربي في مأزق حرج لم يمروا به من قبل، الأمر الذي دفعهم إلى الجهر بشكواهم على مختلف الصعد، خاصة أثناء اتصالاتهم الجانبية مع المسؤولين الأميركيين.

لم يكن ذلك هو كل شيء إذ جاءت منظومة الظروف التي خرج فيها الوعد ومعها الأحداث التالية لتترك ظلالا سوداء على ما جرى.

فقد جاء استفتاء حزب الليكود على خطة الانسحاب التي طرحها شارون ودعمها بوش ليشكل صفعة للطرفين الأميركي والإسرائيلي معا، فيما كان المأزق الأميركي في العراق يتعمق عبر معركة الفلوجة والاشتباك مع تيار الصدر وافتضاح مختلف أشكال الانتهاكات الأميركية بحق العراقيين، وصولا إلى فضائح التعذيب في سجن أبو غريب العراقي.

كل ذلك وضع الإدارة الأميركية في مسلسل من المآزق المحرجة، ليس أمام الرأي العام العربي فقط، وإنما أمام الرأي العام الدولي والمحلي، وفي ذات السياق خرجت رسالة الدبلوماسيين المستنكرة ومعها تصريحات الأخضر الإبراهيمي حول السم الذي تمثله سياسات الدولة العبرية في المنطقة.

بدايات التراجع

لا شك أن الدولة العبرية لم تكن لتسعد بإهالة التراب على عملية التسوية وإطلاق دائرة العنف من عقالها بعد كسبها مصداقية استثنائية من خلال رسالة بوش التي وضعت سقفا لعملية التفاوض لا يجد من يقبل به من العرب أو الفلسطينيين
كانت الرياح كلها تسير عكس السفن الأميركية، سيما فيما يتصل بإدارة الرئيس الأميركي الذي قدم الرسالة إلى شارون.

ولا شك في أن الدولة العبرية وصهاينتها في الولايات المتحدة لم يكونوا ليسعدوا بإهالة التراب على عملية التسوية، الأمر الذي يمكن أن يطلق دائرة العنف من عقالها بعد كسبها لمصداقية استثنائية من خلال الرسالة التي وضعت سقفا لعملية التفاوض لا يجد من يقبل به من العرب أو الفلسطينيين.

لقد كان بوسعهم أن يستمروا في اللعبة كما هي، خاصة أنه لم يكن بإمكان أحد أن يفرض عليهم شيئا آخر، بما في ذلك الرباعية الدولية التي سجلت انحيازا استثنائيا لشارون من خلال دعمها لخطة الانسحاب من غزة، وإن جرى تغليفها بعبارات حول خارطة الطريق وترك مفاوضات الحل النهائي تأخذ مجراها.

لكن الموقف من مختلف زواياه كان يفرض التراجع وإفساح المجال أمام أفق آخر يسمح بعودة لعبة التفاوض إلى مجراها القديم من حيث كونها مجهولة النهاية، مع مقبلات تقليدية تتحدث عن الاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية، الأمر الذي يفسح المجال أمام أنصار التسوية ورفض العنف لكي يقولوا إن الرئيس الأميركي قد تراجع عن وعده السيئ أمام الجهود الدبلوماسية المبذولة من الأصدقاء العرب.

لا شك أن الجهود العربية الرسمية كان لها دور في تذكير الإدارة الأميركية بخطورة ما تعنيه رسالة بوش لشارون، ويكفي أن أحد أصدقاء عملية السلام مثل العاهل الأردني عبد الله قد اضطر لتأجيل زيارته إلى الولايات المتحدة بسبب الرسالة فيما كان موقف القاهرة في غاية الحرج، سيما عندما خرجت الرسالة والرئيس المصري لم يغادر الأراضي الأميركية بعد.

في ظل تلك الأجواء بدأت رحلة التراجع الأميركية عن الرسالة المقدمة لشارون، أقله من زاوية التصريحات على أمل ترميم ما تهدم من بنيان التسوية.

وكانت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس هي أول من صرح بذلك في حوار مع قناة LBC اللبنانية وصحيفة الحياة، حين أكدت أن ضمانات بوش لشارون لا تناقض القرارات الدولية.

وبينما رحل العاهل الأردني إلى واشنطن من جديد بدا واضحا أن ثمة ما ستنطوي عليه الزيارة، وهو ما كان من خلال ما عرف برسالة التطمينات التي حصل عليها الملك أثناء زيارته، والتي أكدت الالتزام بالقرارات الدولية وعدم حسم المفاوضات النهائية والوعد بعدم الانحياز عندما تبدأ.

من المؤكد أن المسافة تبقى قائمة بين الضمانات التي حصل عليها شارون والتطمينات التي حصل عليها الملك عبد الله، بدليل أن المسؤولين الإسرائيليين لم يجدوا فيها ما يثير القلق.

كل ذلك لا ينفي ما انطوت عليه الرسالة الثانية من تراجع عما ورد في الأولى ولو من باب المجاملة وترك الانحياز الحقيقي إلى حين لزومه عندما يكون ثمة مفاوضات نهائية تتطلب الانحياز بالفعل.

لم يتوقف الأمر عند ذلك فقد عاد الرئيس الأميركي إلى التأكيد على موقفه من خلال الحوار الذي منحه لجريدة الأهرام القاهرية في سياق مسلسل إبداء الأسف على ما جرى في سجن أبو غريب العراقي.

فقد أكد في الحوار أن مفاوضات الوضع النهائي تبقى مفتوحة بين الطرفين، مضيفا قوله "نحن لا نصدر أحكاما مسبقة بشأن الوضع النهائي".

واختتم مهرجان التراجع بالرسالة التي بعث بها الرئيس الأميركي لرئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع، وحملت أيضا ذات الأفكار.

دلالات التراجع الأميركي

أية مفاوضات نهائية يمكن أن تتم خلال المرحلة القادمة لن تقدم للفلسطينيين أكثر مما عرض عليهم في قمة كامب ديفد
لا حاجة إلى القول هنا إن أية مفاوضات نهائية يمكن أن تتم خلال المرحلة القادمة، سواء أكان في عهد بوش-شارون أم في عهد بوش-نتنياهو، أم في عهد كيري، لن تقدم للفلسطينيين أكثر مما عرض عليهم خلال قمة كامب ديفد.

لكن التراجع الذي قام به بوش كان ضروريا، فيما يمكن القول بكل بساطة إن الإسرائيليين قد وافقوا عليه ضمنا ومعهم الصهاينة الأميركان، لأن إشعال الشرق الأوسط بمزيد من الحرائق فوق الحريق العراقي، إضافة إلى تعميق الورطة الأميركية هناك عبر زيادة الغضب العربي الذي يترجم هناك أيضا، كل ذلك كان لابد أن يدفع باتجاه إعادة التفكير فيما جرى.

ثم إن تجميد الوضع الراهن من دون دفع السلطة إلى عملية تسوية جديدة قد يدفع إلى مزيد من التصعيد في المقاومة والردود عليها، وصولا إلى حل السلطة وإعادة توريط الاحتلال في المستنقع القديم من جديد.

خلاصة القول أن واشنطن وتل أبيب بتراجعهما عن الوعد المذكور إنما يؤكدان أنهما في حالة ضعف لا تخفيها الغطرسة التي يمارسانها ضد الشعبين العربيين في العراق وفلسطين، بل إن ثمة صلة مباشرة بين الحالين، إذ إن تعمق الورطة الأميركية في العراق ستترك ظلالها السيئة على الوضع الإسرائيلي.

الرد العربي والفلسطيني
هنا يبرز سؤال عن الرد العربي والفلسطيني على ما جرى، ذلك أن أنصار التسوية سيعودون إلى لعبتهم من جديد عبر الترويج لخارطة الطريق، سيما بعد أن حصل الفلسطينيون -وتحديدا رئيس الوزراء الفلسطيني- على رسالة مشابهة للتي حصل عليها الملك عبد الله.

في هذا السياق يبدو من العبث أن يدفع التراجع الأميركي -الذي يدرك العقلاء أنه مجرد تراجع تكتيكي- الفلسطينيين بدفع عربي نحو دخول لعبة خارطة الطريق والشروع في دفع استحقاقاتها بشأن مطاردة المقاومة.


عجز النظام العربي عن التصعيد لا يجعل البديل هو الانبطاح مادام خيار إبقاء الحال على ما هو عليه قائما في ظل آمال بتحسن الشروط المحيطة
صحيح أن خيار التصعيد من طرف السلطة باتخاذ قرار الحل وتوريط الاحتلال من جديد -اقتصاديا وأمنيا وسياسيا- غير وارد في ظل الهزال الرسمي العربي والفلسطيني، غير أن الحل الآخر يبدو أسوأ مما يحتمل، فيما تبدو الأجواء المتعلقة بتعمق الورطة الأميركية في العراق مناسبة للتمرد على المطالب الأميركية التي تتلخص في دخول لعبة تفاوض جديدة لها استحقاقاتها السيئة على الداخل الفلسطيني.

من هنا تبدو لعبة المراوحة هي الحل، أي بقاء الحال على ما هو عليه بين استمرار المقاومة والردود الإسرائيلية مع ضرورة مد يد العون إلى الفلسطينيين لتعزيز صمودهم.

وقد ثبت خلال الأسابيع الأخيرة أن الانسحاب من غزة لن يكون كما يريد شارون بدليل الضربات القاسية التي تلقاها جيشه، والتي ذكرتهم بمأساة الهزيمة في لبنان.

والخلاصة أن عجز النظام العربي عن التصعيد لا يجعل البديل هو الانبطاح مادام خيار إبقاء الحال على ما هو عليه قائما في ظل آمال بتحسن الشروط المحيطة، وصولا إلى تحجيم الغطرسة الأميركية في العراق، ومن ثم دعمها الأهوج للسياسات الإسرائيلية.
_________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة