دلالات حياد الجيش التركي إزاء فضيحة الفساد   
الاثنين 20/3/1435 هـ - الموافق 20/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:00 (مكة المكرمة)، 14:00 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

دواعي التراجع
النأي بالنفس
هواجس العودة

في خضم تطوراتها المتلاحقة والمثيرة، يستوقف المراقب ما يبدو من غياب لافت وغير معهود لدور الجيش في مجريات الأزمة السياسية التي تعصف بتركيا هذه الأيام على خلفية فضيحة الفساد الكبرى.

فرغم اعتباره لنفسه حاميا للجمهورية والعلمانية بموجب عدد من النصوص القانونية والدستورية، التي أشرف العسكر على صوغها في كافة الدساتير التي شهدتها الجمهورية التركية الحديثة منذ إعلانها على يد أتاتورك عام 1923، وكان معمولا بها حتى أشهر قليلة مضت، واتخذت قيادات الجيش منها مسوغا للقيام بانقلاباتها العسكرية الأربعة أعوام 1960 و1971 و1980 و1997، اكتفى الجيش التركي في الأزمة السياسية الراهنة بإعلانه التزام الحياد، الذي سبق وأن خيم على موقفه السابق حيال أزمة مماثلة أحاطت بحكومة أردوغان إبان مظاهرات ميدان "تقسيم" في الصيف الماضي.

دواعي التراجع
إلى جانب حزمة العوامل التي هيأت الأجواء لتراجع احتمالات تدخل الجيش التركي في السياسة مجددا، والتي يأتي في صدارتها تقبل وتفهم بعض قيادات جيش يُعد الأضخم داخل الحلف الأطلسي بعد نظيره الأميركي، ثم حماس وتعطش قطاعات عريضة من الشعب التركي، فضلا عن الضغوط الأوروبية والمباركة الأميركية لمساعي وإجراءات تقليص الدور السياسي للجيش التركي، تطل برأسها الإصلاحات الدستورية والقانونية التي تبنتها حكومة أردوغان في هذا الصدد منذ العام 2003.

الإصلاحات الدستورية والقانونية التي تبنتها حكومة أردوغان منذ العام 2003، بالإضافة إلى حزمة عوامل أخرى، هيأت الأجواء لتراجع احتمالات تدخل الجيش التركي في السياسة مجددا

وأحدث هذه الإصلاحات ما تم في الصيف الماضي عقب إقدام قيادات الجيش المصري على الإطاحة بمحمد مرسي، الذي كان أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر، يوم الثالث من يوليو/تموز الماضي.

وكان من شأن هذا التطور المدوي في مصر أن دفع بحكومة أردوغان في تركيا إلى التحوط والاحتراز من أية تطلعات أو نوايا مريبة للجيش التركي، صاحب التاريخ الانقلابي المعروف، حيث وافقت الجمعية العامة للبرلمان التركي على تعديل المادة "35" من قانون الخدمة الداخلية للجيش، والتي طالما استند إليها العسكر في تبرير انقلاباتهم العسكرية الخشنة والناعمة على السواء ضد الحكومات المنتخبة، وأضفوا عليها من خلال تلك المادة سمتا دستوريا ومسحة من الشرعية.

فلقد كانت تلك المادة تنص حرفيا قبل تعديلها على أن "وظيفة القوات المسلحة التركية هي حماية الوطن التركي ومبادئ الجمهورية التركية كما هي محددة في الدستور". لكن هذا النص قد عدل كالتالي "مهمة القوات المسلحة التركية تتمثل في الدفاع عن الوطن والجمهورية التركية ضد التهديدات والأخطار الخارجية، والسعي إلى الحفاظ على القوة العسكرية وتعزيزها بحيث تشكل قوة رادعة للأعداء، والقيام بالمهمات الخارجية التي تسند إليها من قبل البرلمان التركي، والمساعدة على تأمين السلام العالمي".

ورغم أن خبرات دول كثر في العالم الثالث مع تدخل جيوشها في السياسة تشي بأن القيود القانونية والدستورية ليست كفيلة وحدها بلجم جنوح تلك الجيوش لتدخل ما وفق أية صيغة أو أي صورة من الصور، إذا ما قررت النزول إلى حلبة السياسة أو توفرت لها المعطيات المواتية والأجواء الملائمة.

ويتعزز الأمر إذا ما قوبلت هذه القيود بشيء من الامتعاض لدى بعض الفئات الشعبية أو كثير من التوجس في صفوف العسكريين كما هو الحال في تركيا حاليا، بالتزامن مع تعثر مشروع الدستور الجديد، الذي كان من المفترض أن يخلو من النصوص والمواد التي توفر الغطاء القانوني كما المسوغات الدستورية لتدخل الجيش في السياسة.

وتبقى إصلاحات حكومة أردوغان وحزمة التعديلات الدستورية والقانونية التي اضطلعت بها معوقا، لا يستهان به، أمام تدخل الجيش التركي في السياسة مستقبلا، بعد أن نزعت عنه غطاء دستوريا وقانونيا طالما تمترس به ضد انتقادات مناهضيه في الداخل والخارج، مثلما انبلجت من رحم تنسيق واضح بين حكومة أردوغان والغرب فيما يخص مساعي الأتراك لبلوغ حلمهم المزمن بالعروج إلى الفردوس الأوروبي.

النأي بالنفس
شأنها شأن أزمة مظاهرات ميدان تقسيم في يونيو/حزيران الماضي، شكلت أحداث أزمة الفساد الحالية تحديا حقيقيا واختبارا صعبا لمدى قدرة مختلف القوى السياسية التركية على التحرر من الاستقواء بالجيش واستدعائه في المعادلة السياسية فضلا عن كبح جماح نزوع ذلك الأخير للتدخل في المعترك السياسي.

فعلى خلاف ما كان متبعا في كافة الأزمات والاضطرابات السياسية والمجتمعية فيما مضى، لم يصدر عن قيادات الجيش، إبان أزمة "تقسيم" أي تصريح أو تعليق رسمي حول ما كان يجري، ولم تفكر قياداته في استغلال الأزمة للنيل من أردوغان وحكومته عبر إصدار بيان هو إلى الانقلاب الإلكتروني أو الحداثي أقرب.

ومن جانبهم، لم يلجأ المتظاهرون الأتراك إلى مطالبة الجيش بالتدخل في الأزمة على غرار ما فعل الثوار والمتظاهرون في بعض الدول العربية بالتزامن، أو مثلما كان متبعا في تركيا من قبل، حيث كان الجيش هو الملاذ والمخلص للشعب التركي عند نشوب أي أزمات سياسية أو توترات أمنية.
خلافا لما كان متبعا، لم يصدر عن قيادات الجيش، إبان أزمة "تقسيم" أي تصريح ولم تفكر قياداته في استغلال الأزمة للنيل من أردوغان وحكومته عبر إصدار بيان هو إلى الانقلاب الإلكتروني أو الحداثي أقرب

وفى طياته، حمل تلويح حكومة أردوغان بالاستعانة بالجيش لفض مظاهرات تقسيم وفرض الاستقرار رسائل عديدة مهمة ومثيرة في آن: أولاها، تعمد حكومة العدالة والتنمية تبرئة ساحة الجيش وقياداته من أية اتهامات بالتورط في إشعال المظاهرات أو استغلالها ضمن مخطط انقلابي.

وثانيتها، التأكيد على تبعية قيادات الجيش لرئيس الوزراء المنتخب، حتى أنها لا يمكن أن تتدخل في أزمة أحداث ميدان "تقسيم"، على الرغم من تداعياتها السيئة على الاقتصاد التركي واستقرار البلاد، من دون إذن رئيس الوزراء المدني.

وتمثلت ثالثة الرسائل في تسليط الضوء على حيادية الجيش وعدم نيته التدخل من تلقاء نفسه أو إحداث انقلاب بأي صورة من الصور مثلما فعل في مرات سابقة أربع، وخلال أزمات ربما كانت أقل حدة.

وعلى غرار موقفه السابق خلال أحداث ميدان تقسيم في يونيو/حزيران الماضي، التزم الجيش التركي الحياد حيال الأزمة السياسية التي تمخضت عنها فضيحة الفساد الراهنة، حيث اختزل موقف الجيش منها في إعلان قياداته الالتزام بمبدأ النأي بالنفس عن فعالياتها، ومن ثم أصدرت تلك القيادات بيانا عبر موقع الجيش الإلكتروني الرسمي جاء فيه "إن القوات المسلحة التركية لا تريد التدخل في سجالات سياسية، لكنها ستراقب عن كثب كافة التطورات بشأن هويتها المؤسسية والأوضاع القانونية الخاصة بأعضائها مع الالتزام بخدمة الأمة التركية بوفاء."

ولم تجنح قيادات الجيش لاستغلال فضيحة الفساد وما نجم عنها من ارتباك لحكومة أردوغان بغية النيل منها ولو عبر إصدار بيان هو إلى الانقلاب الإلكتروني أو الحداثي أقرب، على شاكلة ما جرى قبل عامين ونصف العام حينما أصدر الجيش إنذارا إلكترونيا لحكومة أردوغان بجريرة إمعانها في محاكمة قيادات عسكرية سابقة وتسريح أخرى على خلفية اتهامات بتدبير مؤامرات انقلابية ضد الحكومات المدنية المنتخبة ديمقراطيا.

وبدورهم، ومثلما هو الحال في أزمة ميدان "تقسيم"، لم يلجأ المتظاهرون أو الفرقاء السياسيون في الأزمة إلى مطالبة الجيش بالتدخل في فعالياتها.

فبالتزامن مع إعلان الجيش حياده التام، وفيما عكف قطاع من الجماهير على التظاهر ضد حكومة أردوغان مطالبين إياها بالاستقالة، اكتفت المعارضة بالاجتهاد في استثمار الأزمة لإعادة تقديم نفسها للجماهير كبديل لحكومة حزب العدالة عبر صناديق الاقتراع.

الأمر الذى يشي بصلابة التوافق العام داخل تركيا على أن يبقى الجيش بعيدا عن السياسة، كما ينم عن تطور نوعي لافت في فكر الأتراك وسبل إدارتهم للأزمات السياسية، بدا جليا في الحرص على الاحتكام إلى الآليات السياسية الديمقراطية بدلا من استدعاء الجيش لحسم تلك الأزمات بطريقته مهما بلغت حدة الخلاف السياسي بين القوى المدنية.

ومن زاوية أخرى، قد لا يكون مستبعدا استشعار قيادات الجيش اقتراب أفول حكم العدالة والتنمية، ومن ثم هدفت من وراء التزام الحياد في أزمة "تقسيم" ومن بعدها فضيحة الفساد إلى الترفع عن أية شبهة بأي تدخل سياسي، لن يكون مرحبا به محليا أو إقليميا أو دوليا.

وجاء بيان الجيش ردا على تصريحات حلفاء أردوغان بأن فضيحة الفساد قد تكون مؤامرة من قبل خصوم الحكومة ومعارضيها لتحفيز الجيش للقيام بانقلاب عسكري جديد ضد حكومة مدنية انتخبت ثلاث مرات متوالية بشكل ديمقراطي، تاركة المدنيين من الجماهير الغاضبة وخصوم أردوغان من العلمانيين والقوميين وحتى إسلاميي حركة كولن ليضطلعوا بالمهمة الصعبة نيابة عن الجيش عبر الإطاحة بحكومة أردوغان والثأر للجيش جراء إمعان تلك الحكومة في سلبه نفوذه السياسي التاريخي، بما يضع نهاية لحكم الإسلام السياسي في البلاد ويفسح المجال أمام صعود تيارات علمانية أو قومية لعلها تكون أكثر تفاهما وانسجاما مع العسكر.

هواجس العودة
برغم جهود حكومته الحثيثة لوضع الأسس السياسية وإدخال الإصلاحات والتعديلات الدستورية والقانونية الكفيلة بتجشم عناء ومغامرة تقليص تدخل الجيش التركي في السياسة، فإن محاولة أردوغان جر الجيش إلى حلبة السياسة مجددا عبر الاستقواء به في مواجهة خصومه السياسيين عبر التلويح الصيف الماضي بالاستعانة به لإنهاء مظاهرات "تقسيم"، قد طوى بين ثناياه نذر إمكانية تبديد المنجز السياسي الأبرز لحكومة حزب العدالة والمتمثل في إعادة الجيش لثكناته وإبعاده عن السياسة.

ومعلوم أن الفاصل الزمني يناهز العامين تقريبا مع آخر صورة لتدخل الجيش التركي في السياسة وممارسته الضغوط على الحكومة المدنية المنتخبة عبر توجيه إنذار إلكتروني لحكومة أردوغان بجريرة إمعانها في محاكمة قيادات عسكرية سابقة وتسريح أخرى حالية.
رغم جهوده الحثيثة لوضع الأسس السياسية وإدخال الإصلاحات الدستورية الهادفة لإبعاد الجيش عن السياسة، فإن محاولة أردوغان الاستقواء بالجيش ضد خصومه السياسيين تحمل نذر عودة الجيش للسياسة

هذا فضلا عن أن منحى إبعاد الجيش التركي عن السياسة كلية ورغم الترحيب الشعبي والسياسي به، لم تتسع قاعدته الشعبية أو في أوساط العسكر كما لم تترسخ دعائمه القانونية والدستورية بعد في حينه بالقدر الذي يشكل حائط صد منيعا في مواجهة عودة الجيش إلى المشهد السياسي، حيث لم تكن المادة "35" من قانون الخدمة الداخلية للجيش قد عدلت وقتذاك، لا سيما وأن بعض قيادات الجيش ورجالاته المدعومين بشرائح وقوى شعبية وسياسية ليست بالقليلة لا تزال غير مستسيغة لهذا الأمر.

هذا علاوة على أن مشروع الدستور الجديد الذي كان من المفترض أن يخلو من النصوص والمواد التي توفر المسوغات والمبررات الدستورية والقانونية لتدخل الجيش في السياسة، قد أجهض في مهده بعد أن فشلت لجنة الاثني عشر المعنية بصياغته في التوافق حول مواده ومن ثم تم حلها وتجميد مشروع الدستور الجديد.

وفى ذات المجرى، صبت إيماءة أردوغان الثانية لمغازلة الجيش خلال الأزمة الناجمة عن فضيحة الفساد الحالية، حيث جنح رئيس الوزراء التركي ثانية لاستمالة العسكر والأتاتوركيين في صراعه مع جماعة فتح الله غولن وخصومه السياسيين من حزبَي الشعب الجمهوري والحركة القومية المعارضين، حيث اتهمهم بالخيانة والتآمر واستغلال القضاء المتواطئ للإطاحة بالحكومة.

فقد تعهد أردوغان -فيما اعتبر ردا على رسالة خطية لعسكريين سُجنوا بجريرة التورط في مؤامرات انقلابية على الحكومة المدنية المنتخبة تحذر حكومته من أن تطالها مؤامرات مماثلة من قبل القضاء بدراسة إمكانية تعديل قوانين من شأنها أن تتيح إعادة محاكمة أولئك العسكريين- ملوحا بأن الجيش وحكومة العدالة ربما يتعرضان لمؤامرات تورط فيها القضاء والشرطة اللذان تعاظم نفوذ حركة كولن فيهما بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة