سوريَسْتان   
الخميس 8/10/1434 هـ - الموافق 15/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
مرح البقاعي

في الرابع من شهر حزيران/يوينو 2013 أصدرت لجنة تحقيق دولية مستقلّة -عملت بتكليف من الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق في سوريا، في وطأة تعاظم العمليات الحربية المتواصلة منذ عامين-  بيانها الذي يشير بإصبع الاتهام إلى النظام السوري الذي استهدف -عمداً- المناطق السكنية المدنية بهجمات منهجية واسعة النطاق، استخدم فيها سلاح المدفعية الثقيلة، وصواريخ سكود والطيران الحربي، مرتكباً مجازر تحمل وصمة الجرائم ضد الإنسانية. 

وتدور رحى هذه المقتلة على مشهد واطلاع من دول العالم الديمقراطي المتمدّن، بما فيها مجموعة دول أصدقاء الشعب السوري، دون أن تتوفّر النوايا الحقيقية لدى الدول الكبرى، التي تشكّل حلقة مجلس الأمن في الأمم المتحدة، من أجل التدخّل لوقف مديد الدم في سوريا، بالرغم من صدور هذا التقرير مؤخراً.

ليست سوريا والسوريون وحدهم المصابين بهذه الجائحة العنفية، بل دول الجوار أيضاً، نتيجةً لتدفّق اللاجئين السوريين بأعداد هائلة إليها، وكذا تعرّضها لاختراقات أمنية وعسكرية عبر حدودها، كما يقع من وقت لآخر من تبادل إطلاق نيران، أواختراقات للمجال الجوي، أوخطف وانتهاكات ضد المدنيين عبر الحدود السوريّة في الأردن، لبنان، العراق، وتركيا.

الولايات المتحدة تتابع وتدرك حجم هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة منذ اندلاع الحرب الأهلية في رواندا، وكان بإمكانها أن توجّه ضربات جوية سريعة، أو صاروخية من المياه الإقليمية حيث تتجوّل أساطيلها، إلى مفاصل النظام الأمنية والعسكرية وقواعده الجوية الرئيسة في العاصمة، ضربات مكافئة لتلك التي استهدفت مركزاً للبحوث العسكرية خلف جبل قاسيون ومخازن صواريخ الفاتح - 110 التي كانت في طريقها عبر سوريا إلى حزب الله فجر 5 أيار/مايو 2013.

كان بإمكان تدخّل جراحي، مستهدِفاً مراكز انطلاق الهجمات ضد المدنيين السوريين، أن يقضي على التفوق العسكري النظامي في ساعات معدودة، منقذاً أرواح مئات من المدنيين الذين يتساقطون كل يوم، ومنذ عامين

كان بإمكان تدخّل جراحي كهذا، مستهدِفاً مراكز انطلاق الهجمات ضد المدنيين السوريين، أن يقضي على التفوق العسكري النظامي في ساعات معدودة، منقذاً أرواح مئات من المدنيين الذين يتساقطون كل يوم، ومنذ عامين، بفعل غارات الجيش النظامي الجوية، وحملاته الأرضية الهمجية، التي لم تبق ولم تذر.

الرئيس باراك أوباما يعرف تماماً أن بإمكانه القيام بذلك دون أن يجازف بحياة جندي أميركي واحد على الأرض كما جازف سلفه الرئيس بوش في العراق، كما أن خطة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس الأركان الأميركية واضحة ومفصّلة، وهي في متناول أصحاب القرار في الأروقة السياسية الأميركية وتداول أعضاء الكونغرس، حيث القرار يتّخذ من قبل ممثلي الشعب الأميركي ليرفع للتوقيع والتصديق النهائي في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض.

إلا أن أوباما ودائرته لا يرغبون في اتخاذ قرار بالتدخّل المباشر في سوريا، تجنّباً لتسميم العلاقات الثنائية الروسية الأميركية أكثر مما هي مسمّمة، والتي جاء إلغاء القمة بين ريئسي الدولتين العظيمتين أخيراً -أوباما وبوتين- ليشكّل ذروة التوتير بين هذين البلدين الأعظمين، ولا سيما أن هذا الإلغاء سابقة لم تحدث إلا مرة واحدة فقط في العام 1960 عندما ألغيت قمة بين الرئيسين في ذلك الوقت آيزنهاور وخروتشوف، بسبب إسقاط طائرة تجسّس أميركية من قبل الروس.

ومن جانب آخر، فإن الولايات المتحدة التي دخلت في علاقة مشحونة وصدامية -مع وقف التنفيذ- مع إيران منذ أزمة الرهائن الأميركيين عام 1979 -وصولا إلى التدخّل السافر والمباشر لحزب الله في المعارك الدائرة على الأراضي السورية- لاتريد أن يزج بها في مواجهة مباشرة مع طهران، لاسيما أنها مازالت لا تعرف على وجه الدقّة حجم القدرة النووية الإيرانية بسبب توزّع المواقع النووية الإيرانية على مساحة تقدّر بمليون ونصف مليون كيلومتر مربع. والرئيس أوباما -بذهنيته السياسية المعروفة- يتجنّب الدخول في أية مغامرات في الشرق الأوسط، تكاد تقارب في حيثياتها ومراجعها مغامرات أميركا الدونكيشوتية في العراق وأفغانستان وباكستان أيضاً.

العامل الأهم الذي يقف وراء ضبابية الرؤية والقرار الأميركيين هو اختلاط الأوراق الميدانية على الأرض السورية، نتيجة لتعدّد مشارب الفصائل المقاتلة، من كتائب إسلامية معتدلة وأخرى متشدّدة، إلى قوى الثورة المنضوية في ألوية الجيش الحرّ، والتي هي مزيج من العسكريين المنشقين عن النظام ومن الثوار المدنيين الذين انضموا إلى كتائب المعارضة المسلّحة، وأغلبهم من الشباب الليبرالين.

فتداول وسائل الإعلام نبأ اقتراب الإعلان عن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ضمن المناطق التي يسيطر عليها المتشدّدون الذين يريدون تأسيس دولة الخلافة المبنية على حكم الشريعة حصراً، والهجمات التي يتعرض إليها الكرد في مناطقهم من قبل قوات الدولة الإسلامية، والتي أدّت بالرئيس مسعود برزاني للتصريح بأنه قد يتدخل مباشرة لحماية كرد سوريا -أو ما يسميه "إقليم غرب كردستان"- من هجمات "الإرهابيين"، هذه العوامل مجتمعة تجعل من تذبذب القرار الأميركي أمراً يصب في تخوّف أميركا من أن يطال أي قرار للحسم العسكري في سوريا أمنها القومي ومصالحها الإقليمية، وخصوصاً في العراق وإقليم كردستان الذي كانت أول من اعترف به وافتتحت قنصلية لها فيه قبيل انسحاب جيوشها -وليس مؤسساتها- من العراق في ليل.

في حين لا تمانع قيادات الدولة الإسلامية في  بقاء النظام السوري، وتجد نفسها قادرة على إعلان "دولتها" بمعزل عن بقاء النظام أو رحيله، فإن الهدف الأساس لمقاتلي جبهة النصرة هو إسقاط النظام، حيث يرتبط مشروعها السياسي عضوياً بزوال الأسد

وتفيد التقارير الأمنية والميدانية أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تفرض عقيدتها في مناطق نفوذها الكبرى في الشمال، وهو إرث سياسي اعتنقته نتيجة لتجربتها المعقّدة في العراق، ومرجعه حكم الشرع المفروض من رأس الهرم السياسي. بينما تؤكد عقيدة "جبهة النصرة" -وهي إحدى أكبر الفصائل المتشدّدة بعد مقاتلي الدولة الإسلامية- على أهمية المشاركة الاجتماعية في التأسيس لحكم الشريعة، والدعوة الكثيفة له بين أطياف المجتمع كافة.

هذا التفاوت في البعد العقائدي بين الفصيلين الإسلاميين المتشدّدين يواكبه تنافر إستراتيجي في الرؤية السياسية، ففي حين لا تمانع قيادات الدولة الإسلامية في بقاء النظام السوري، وتجد نفسها قادرة على إعلان "دولتها" بمعزل عن بقاء النظام أو رحيله، فإن الهدف الأساس لمقاتلي جبهة النصرة هو إسقاط النظام، حيث يرتبط مشروعها السياسي عضوياً بزوال الأسد.

أما المسألة الكردية فتبقى "بيضة القبّان" التي ستشكّل عاملاً حاسماً في تحديد الجغرافيا السياسية لسوريا ما بعد الثورة. فإثر فراغ السلطة في المناطق الكردية الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي السوري، قام حزب الاتحاد الديمقراطي -وهو حزب كردي سوري يعمل بالتوازي مع حزب العمال الكردستاني- بالسيطرة على مناطق واسعة شمال سوريا، ودشّن فيها ما يشبه الإدارة الذاتية.

جاء هذا التحرّك مدعوماً بثلاثة محاور سياسية، أولها زيارة لافتة لرئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم إلى إيران بدعوة من الخارجية الإيرانية، حيث تلقّى دعماً سياسياً من طهران بالحق "المشروع" لكرد سوريا بإقامة "إدارة مدنية انتقالية"، كما صرّح مسلم قبيل مغادرته إيران.

واعتمدت إيران في قرارها هذا على أن الطرفين -الكردي السوري والإيراني- "يواجهان عدواً مشتركاً يتمثّل في القوى التكفيريّة المسلحة في سوريا"، كما نقلت وكالات الأنباء.

والمحور الثاني يتجلّى في موقف إقليم كردستان العراق، على المستويين الشعبي والرسمي، الداعم بالإطلاق لحقوق كرد سوريا المنكوبة منذ العام 1963.

أما الثالث فيستند إلى المبادرة التركية الاستباقية للحوار مع الكرد السوريين، وفتح أبواب أنقرة لهم إثر إنهاء الحكومة التركية عقوداً من الحرب مع كرد تركيا ممثلين بحزب العمال الكردستاني، مما يهيّئ لأنقرة الوقت والفرص للتعامل مع الحالة الكردية السورية المستجدّة عبر الحدود، لاسيما أنها قد عكفت على إمداد الكتائب الإسلامية المقاتلة في الشمال بالعتاد والعدّة منذ اندلاع الكفاح المسلّح.

 
الولايات المتحدة ستقبل -مرغمة لا بطلة- بالنموذج الأفغاني أو "العراقستاني" كمرحلة قادمة لتشكيل جيوسياسي سوري يقوم على الاقتسام العرقي والطائفي والديني للأرض والسلطات

تزامن ذلك مع عودة رجعية إلى مصطلحات ومواقف الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة، والتي ترافقت مع حالة جفاء سياسي متعاظم بين الدولتين الأكثر تأثيراً في توجيه المواقف الدولية، وتحديد قراءتها لإحداثيات الأزمة السورية المستطيرة.

وفي حملة سياسية روسية لإضعاف الموقف الأميركي دولياً وإقليمياً، وكسر مجاديفه، ترمّزت في منح عميل الاستخبارات المركزية الأميركي إدوارد سنودن لجوءاً سياسياً في روسيا، بكل ما يحمله هذا الإجراء من تحدٍّ عميق للولايات المتحدة يتجاوز علاقة البلدين الدبلوماسية والسياسية إلى عمق ملفات الأمن القومي الأميركي، وفي ضوء تعزيز روسيا موقعها في دمشق، حيث تنافس الولايات المتحدة في إنشاء سفارات بحجم "مدن" مصغّرة إثر منحها أرضاً شاسعة في منطقة المزة الراقية في العاصمة دمشق، حيث تجري أعمال تشييد سفارتها الجديدة التي ستكون أكبر سفارة روسية في الشرق الأوسط على المستويين الأفقي الدبلوماسي، والعامودي الاستخباراتي.

وبالتالي فنتيجة لما تقدّم ذكره، فإن الولايات المتحدة -التي يعاني رئيسها من أخفض مستوى في شعبيته منذ انتخابه الأول في العام 2008، في حين يرتفع مستوى البطالة إلى أعلى مستوياته في ظل وضع اقتصادي خانق- ستقبل مرغمة لا بطلة بالنموذج الأفغاني أو "العراقستاني" كمرحلة قادمة لتشكيل جيوسياسي سوري يقوم على الاقتسام العرقي والطائفي والديني للأرض والسلطات، في ظل غياب أية حالة سياسية مدنية ناضجة بديلة، وانهيار متسارع لمفاصل الدولة السورية.

كل هذا يدور في ظل "تقيّة" سياسية استثنائية تنأى بالولايات المتحدة عن أي ضرر معنوي أو مادي، يمكن أن يطالها من تدخّل مباشر في الشأن السوري البالغ التعقيد، بينما يبدو مشهد فوضى انتشار السلاح، والانقسامات المذهبية للفصائل الإسلامية المقاتلة بين شيعي وسنّي، وتضارب الولاءات السياسية بين ظواهري القاعدة وخامنئي طهران، هو الأقرب للقراءة الأميركية لمثل عربي شائع: فخّار "المتشدّدين" يكسّر بعضه!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة