عن الاتهامات الموجهة لحركة حماس في مصر   
الاثنين 6/10/1434 هـ - الموافق 12/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:54 (مكة المكرمة)، 12:54 (غرينتش)
علي بدوان

 

التوظيف المدروس
تُهمة مثيرة للضحك
لسنا ملائكة
من دروس التجربة

لم يسلم الفلسطينيون من التأثيرات الجانبية ومن جانبها السلبي للأزمات والتحولات الداخلية التي عرفتها العديد من البلدان العربية، أو التي حدثت بين البلدان العربية ذاتها. هذا الأمر تجلى أكثر من مرة خلال العقود الماضية، فَدَفَع الفلسطينيون أثمانا باهظة لانعكاسات تلك الأزمات والتحولات في وجودهم وإقامتهم، بل وفي اتخاذ بعض البلدان العديد من الإجراءات بحقهم، كما نتجت عن تلك الأزمات تأثيرات سلبية على المعادلة الفلسطينية الداخلية.

حدث هذا إبان الأزمة اللبنانية الداخلية بمراحلها المختلفة، وإبان الصراع العراقي السوري طوال سبعينيات القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينيات منه، وحدث مع احتلال العراق للكويت.

وكان آخرها تلك النغمة التي أطلت علينا، والتي يدعي أصحابها مشاركة الفلسطينيين في تفاعلات الوضع الداخلي المصري، في توظيف واستخدام مُهين للفلسطينيين في اللعبة الداخلية، ومن زج بهم وتسعير للمناخات العامة ضدهم باعتبارهم من أنصار الرئيس المقال الدكتور محمد مرسي، وإيراد عنوان حركة حماس في هذا المجال. فهل بات الفلسطينيون مكسر عصا في تلك الأزمات أو التحولات؟

التوظيف المدروس
نبدأ القول، بأن مشكلة الوثائق التي اشتعلت بين حركتي حماس وفتح بشأن الموضوع المصري تحمل في مضمونها دلالات عميقة، تتعلق بقصور الوعي السياسي الفلسطيني، واستمرار حالات التوظيف المدروس للأزمات الداخلية والخارجية في المعادلة الفلسطينية الداخلية، التي باتت منذ زمن بعيد يتغلب فيها الفصائلي الضيق على الوطني العام.

بعيداً عن المواقف المسبقة، وحتى عن تقدير وتقرير أوضاع الحالة المصرية الداخلية، فإن تهمة التخابر مع حركة حماس مثيرة للضحك والسخرية لأكثر من سبب

فالمشكلة الداخلية المثارة هذه المرة ليست متعلقة بالشأن الفلسطيني، إنما المشكلة هي الشأن المصري، والتي جُيّرت لخدمة غرض ضيق في الساحة الفلسطينية، فهل نصدق هذا التهافت؟

بعيداً عن الحديث عن تأكيد أو نفي مصداقية هذا الطرف أو ذاك، أو البحث بتلك الوثائق، تبقى عملية مؤذية وضارة لعموم الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، وتثبيتا لمقولات "اتهامية" طالما لاحقت الفلسطينيين خلال الأزمات العربية الداخلية أو المتبادلة.

فلا مصلحة للفلسطينيين على الإطلاق بمساعدة الأطراف التي تروج لوجود الأعداد الكبرى من الفلسطينيين في الساحات العامة بالقاهرة، في رابعة العدوية، أو ميدان التحرير على حد سواء، أو الترويج لمقولات كاذبة، فحواها وجود كوادر فلسطينية (مُدربة) لمساعدة طرف مصري نزل إلى الشارع على أطراف في الصف المقابل نزلت بدورها للشارع.

وللأسف، فقد تلقف البعض في الإعلام المصري (والكثير منه في حقيقة الأمر) أخبار ومعلومات الوثائق الفتحاوية الحمساوية المتبادلة، ليعيد تصعيد موجات الحديث عن تورط الفلسطينيين بالأحداث المصرية الداخلية (باعتبارهم وكأنهم بيضة القبان في مسار تقرير نتائج ما يجري في مصر)، وفي الدعوة لوقف دخول الفلسطينيين إلى مصر، وخاصة منهم حملة الوثائق الفلسطينية السورية، الذين وجدوا في مصر مكانا مؤقتا للجوء إلى حين انقشاع الأزمة الداخلية في سوريا، فضلاً عن مواطني قطاع غزة الذين لا معبر ولا ممر جغرافي لهم نحو العالم سوى البوابة المصرية.

تُهمة مثيرة للضحك
ومما لاشك فيه -وكما قال سياسي فلسطيني معروف ومحسوب على صف اليسار في منظمة التحرير الفلسطينية- "أن هناك إعلاما مصريا يتمتع بقدر من المناورة والمداهنة حين يخلط الحابل بالنابل"، مضيفا "نحن نقول لهم حاكموا الرئيس محمد مرسي كما تريدون حقا أو ظلما، ولكن لا تزجوا بالشعب الفلسطيني في شؤونكم، وهل انتفت كل القرائن والأدلة لمحاكمة الرئيس محمد مرسي ولم تبق إلا حيثية واحدة هي حيثية الاتصال مع حركة حماس، وحيثية نزول الفلسطينيين إلى الشارع وإلى ساحة رابعة العدوية".

بالفعل، إنه التوظيف الانتهازي من قبل بعض وسائل الإعلام المصرية وما أكثرها.

وعليه، وبعيداً عن المواقف المسبقة، وحتى عن تقدير وتقرير أوضاع الحالة المصرية الداخلية، فإن تهمة التخابر مع حركة حماس مثيرة للضحك والسخرية لأكثر من سبب، فحركة حماس موجودة بعدد من قيادتها وبشكل شرعي ومعروف ومعلن فوق الأرض المصرية، وهي التي كانت وما زالت تستضيفها مصر، وتستقبل قادتها في عاصمتها القاهرة، وتنسق وتتفاوض معها ومع عموم القوى الفلسطينية، وعلى أعلى مستوياتها الأمنية، ممثلة بالمخابرات الحربية والمخابرات العامة، التي كانت تحرص على علاقة طيبة معها ومع العديد من القوى الفلسطينية منذ عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وصولاً للحاضر.

فكيف تستقيم مقولة التخابر مع حركة حماس، أو حتى مع غيرها من القوى والفصائل الفلسطينية في هذا الإطار؟ إنه منطق مضحك وسؤال بحاجة لجواب!

التصرفات غير المسؤولة التي يروج لها بعض أقطاب وأساطين الإعلام في مصر حول تورط الفلسطينيين في الشأن المصري، تصرفات غير موضوعية و"اتهامية"، ومنافية للعقل والمنطق

إن تلك التصرفات غير المسؤولة التي يروج لها بعض أقطاب وأساطين الإعلام في مصر حول تورط الفلسطينيين في الشأن المصري، تصرفات غير موضوعية و"اتهامية"، ومنافية للعقل والمنطق، وتستضعف الفلسطينيين، وتشكل بحد ذاتها عملية استثمارية لهذا الشعب المنكوب أصلاً.

هذا فضلاً عن كونها تؤسس لنعرات الكراهية والعداء للشعب الفلسطيني، وتفتح الطريق أمام توليد مناخ عام يدعو (ودون مبالغة) للتخلص حتى من عبء القضية الفلسطينية، إذا استمرت على ما هي عليه الآن من ترويج لتورط بعض الفلسطينيين في الأزمة الداخلية المصرية، إلى حد اتهامهم بالتورط في نشر العنف، وتوزيع السلاح في سيناء.

لسنا ملائكة
وبالطبع، فإن الشعب الفلسطيني ليس شعبا من جنس الملائكة، فهو شعب -كغيره من شعوب وأمم الأرض- يكتنز بين صفوفه كل ألوان الطيف الفكري والسياسي والتعددي، وقد عركته التجارب والمحن، وإن خرج فرد أو أفراد من صفوفه (من موقع الافتراض الذهني أو العملي) ممن هو ملتحق بطرف ما في أزمات معينة في بلد عربي، فإن ذلك لا يعني البتة وجود متورط ناطق باسم الشعب الفلسطيني في الحدث المصري أو غيره.

فالمناخ الفلسطيني العام في هذا الجانب هو مناخ الحياد الإيجابي في الأزمات والحركات العربية المستفحلة الآن، إن كان في سوريا، أو في مصر، أو تونس، أو اليمن، أو غيرها.

ولكن هناك فروق كبيرة بين موقف متعاطف لطرف فلسطيني مع الحدث المصري لجهة مناصرة الرئيس المنتخب محمد مرسي أو الفريق المقابل، وبين ممارسة حالة التعاطف من خلال ترجمتها لفعل ملموس على الأرض بالنزول للشارع والمشاركة بالحدث، وهو أمر لم يتم على الإطلاق.

إن دروس التجربة الفلسطينية غنية جدا، وقد علمت الفلسطينيين معنى التعقل والحكمة والتبصر، والابتعاد عن ساحات الأزمات أو التحولات التي تعيشها البلدان العربية، والابتعاد عن عمليات التمحور والاستقطاب في المعادلات العربية.

من دروس التجربة
فقد تعلم الفلسطينيون من دروس الأزمة اللبنانية وحربها الأهلية، التي زُج بالفلسطينيين في أتون نارها المشتعلة، وكان الفلسطينيون أبرز ضحاياها، فهم من دفع الثمن الأكبر فيها، ومازالت انعكاساتها السلبية حتى الآن تقع فوق رؤوسهم مع السياسات الرسمية المتبعة والمتعلقة بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث الحرمان من العمل والتملك، وتضييق الفرص أمام الناس.

والأهم من كل هذا المتاجرة بقضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في ميدان اللعبة السياسية الداخلية اللبنانية بين مختلف الفرقاء، من الذين يدعون حرصهم على حق العودة، في الوقت الذي يمارسون فيع أبشع أشكال التضليل والديماغوجية، تحت عنوان الهلع من بعبع التوطين.

دفع نحو نصف مليون فلسطيني في الكويت ثمنا غاليا، بسبب موقف ملتبس أطلقه بعض قادة المنظمة الفلسطينية إبان أزمتها الكبرى مع احتلال العراق لها في العام 1990

وفي الكويت، وإبان أزمتها الكبرى مع الاحتلال العراقي في الثاني من أغسطس/آب 1990، وبسبب موقف سياسي مُلتبس أطلقه بعض قليل من قيادة المنظمة، دفع الفلسطينيون المقيمون في دولة الكويت -وكانت أعداهم تقارب 450 ألف فلسطيني- الأثمان الكبيرة لتلك الأزمة، مع طرد الغالبية الساحقة منهم مع اندحار الجيش العراقي من الكويت في عملية عاصفة الصحراء.

ودفع الفلسطينيون تلك الأثمان بالرغم من كونهم من أقدم الجاليات العربية التي بنت وساهمت في بناء دولة الكويت منذ الخمسينيات من القرن الماضي وحتى قبل استقلال الكويت ذاتها، عندما كانت محمية تحت سلطة التاج البريطاني، ومازالت فلسطين حتى الآن لدى غالبية الساسة الكويتيين على قائمة دول الضد.

إن حالة المثالين اللبناني والكويتي، تُمثل الدرسين الناصعين اللذين اكتوى الفلسطينيون بناريهما، فهل لهم الآن أن يَزجوا بأنفسهم في ميادين الأحداث الداخلية في مصر، ذات الوزن الإقليمي المؤثر في المنطقة؟

أعتقد أن الجواب هو النفي الكلي لما يجري من اتهامات توجه، سواء لعموم الفلسطينيين، أو لأي من القوى الفلسطينية ومنها حركة حماس. فليكف الجميع عن استخدام الفلسطينيين كمكسر عصا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة