حركة فتح.. آمال الإصلاح يبددها إغفال التحديات   
الخميس 1429/12/7 هـ - الموافق 4/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)
مؤمن بسيسو


التحدي القيادي
تحدي الفكر والبرنامج
التحدي البنيوي
التحدي القيمي
تحدي الواقع والتجربة

يبدو استشراف مستقبل حركة فتح في ظل التحديات التي تتقاذفها منطقيا للغاية، وخصوصا في ظل الانهيارات التاريخية التي ألمت بها في غضون فترة زمنية قياسية، ما يضع مستقبلها على حافة الانكسار في غضون أعوام قلائل ليس أكثر!

فما تعيشه الحركة من أزمات متعاقبة، وما ينخر في أعماقها من أورام خبيثة تطال الفكر والنهج والموقف والبعد القيمي كما البنية والإدارة والسلوك، يُفضي بلا شك إلى مزيد من التراجعات والانهيارات التي يستشرفها القاصي والداني، وينذر بمستقبل قاتم يُتوقع أن يحيل الحركة إلى فصيل من الدرجة الثانية، ويحجزها عن مفاصل القوة ومكامن التأثير في إطار الواقع الفلسطيني المفعم بالحيوية والتقلبات.

لذا فإن التحديات التي تعصف بالحركة ذات وزن بالغ الثقل والخطورة، وما لم تتدارك ذاتها وتتداعى إلى خطة إنقاذ عاجلة فإن قطار الإصلاح سيغادرها إلى غير رجعة، ولن يكون بوسعها -آنذاك- سوى اجتراح الندم وملازمة العويل.

التحدي القيادي
لعل نظرة تشخيصية إلى المستوى القيادي لحركة فتح تكشف عن التالي:

• أن محمود عباس الذي يشغل رأس الهرم في فتح يفتقد الكاريزما القيادية، ويعاني ضعفا في الشخصية والتأثير بشكل كبير.

• أن قيادة فتح لم تستطع سدّ الفراغ الهائل الذي خلّفه زعيمها الراحل ياسر عرفات حتى الآن.

• أن الصراعات القيادية بين أقطاب فتح وشخصياتها القيادية بلغت مستويات غير مسبوقة.

• أن الاستقطابات القيادية أفرزت تكتلات وتيارات تنظيمية داخل الحركة ذات مرجعيات متباينة.

• أن السلوك القيادي لمحمود عباس أورث إشكاليات معقدة داخل الصف القيادي الفتحاوي.

"
مهما قيل عن محاولات إصلاح القيادة العليا لفتح عبر تقاسم النفوذ القيادي فيها من خلال طرح أسماء لتولي قيادة الحركة أو رئاسة السلطة والمنظمة، فإن واقع الخلاف والصراعات يكبر كثيرا عن كافة محاولات المصالحة والوفاق
"
• أن قيادات الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية الموالية لفتح تملك من أدوات الفعل والتأثير ما يفوق فعل وتأثير القيادات الرسمية للحركة.

• أن روح التعاون والعمل الجماعي أبعد ما تكون عن أجواء القيادة الفتحاوية.

• أن التداول القيادي في الحركة قد تجمد منذ عام 1989 إبان انعقاد المؤتمر العام الخامس، وأن احتمالات انعقاد المؤتمر العام السادس تبدو واهنة.

ولا ريب فإن كثيرا من جمر هذه الإشكاليات كان يختفي تحت رماد النهج الأبوي المعروف الذي تميز به الراحل عرفات، وسرعان ما توقد في عهد عباس الذي افتقر إلى كثير من سمات وخصال سلفه الراحل.

الأكثر صعوبة أن أيا من الأسماء التي تطرح لخلافة عباس ليست ذات إجماع فتحاوي، في ظل اختلاف الرؤى وتعدد التيارات، ومهما قيل عن محاولات إصلاح القيادة العليا للحركة عبر تقاسم النفوذ القيادي فيها من خلال طرح أسماء لتولي قيادة الحركة أو رئاسة السلطة والمنظمة، فإن واقع الخلاف والصراعات يكبر كثيرا عن كافة محاولات المصالحة والوفاق.

بل إن مروان البرغوثي الذي يراهن عليه الكثيرون لتوحيد فتح يقف بعيدا عن دائرة الإجماع الداخلي، ومن المستبعد تماما أن يحظى بثقة قيادة فتح في إطار أية ترشيحات متداولة لخلافة عباس لأسباب مختلفة ذات بعد شخصي مصلحي.

وسط هذه الأزمة فإن أخف الأضرار تكمن في لجوء فتح إلى مصالحات قيادية على كافة المستويات، والتوسل بالنهج الجماعي وروح الفريق في إطار الممارسة القيادية وصنع القرار، والتخلص من الطحالب القيادية الضارة وذوي الطموحات المريضة الذين يقودون الحركة إلى حتفها الأكيد.

تحدي الفكر والبرنامج
تقف فتح اليوم على مفترق طرق فكري وبرامجي بالغ الخطورة يتوقف على معالجته وحسم خياره حاضرها ومستقبلها.

فالحركة التي وقعت واحتضنت اتفاقات أوسلو، وأطلقت العنان لخيار التسوية والمفاوضات كخيار إستراتيجي، وقيّدت نفسها بالالتزامات الأمنية مع الاحتلال في إطار ما يعرف بـ"التنسيق الأمني"، تحصد اليوم الثمرة المرّة لهذا النهج النكد والبرنامج البائس.

ولا يخفى على أحد أن الحركة لا تملك هذه الأيام في فكرها وسياساتها وبرامجها المعلنة أية إشارة إلى المقاومة أو أي من الخيارات الأخرى خارج نطاق خيار التسوية الذي أثبت فشله الذريع، وخطأ المراهنة عليه أصلا، وإبقاء القضية تحت رحمته منذ البداية.

وليس أدلّ على الأزمة الفكرية والبرامجية التي تواجهها فتح هذه الأيام ما تتم ممارسته من وقائع مكشوفة على أرض الضفة الغربية، من حيث المجاهرة بمحاربة قوى المقاومة، والتحالف السافر مع المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بشكل يناقض جذريا تاريخ وأدبيات الحركة وسيرتها الكفاحية.

"
إذا كانت فتح حريصة على تاريخها النضالي ودورها الوطني فإن عليها أن تُرسي فكرا وطنيا ناصعا، وأن تنبذ الأجندة غير الوطنية، وتتبنى برنامجا سياسيا يدور في فلك الأهداف والثوابت الوطنية، وتعيد الاعتبار لخيار المقاومة كأحد الخيارات الفاعلة
"
ولعل الأشد وقعا على فتح أن قدرتها على المزاوجة النسبية (غير الرسمية) بين خيار التسوية والعمل السياسي التفاوضي وخيار المقاومة والكفاح المسلح الذي مورس في ظل عهد الراحل عرفات تحت أشكال وآليات متعددة، قد انعدمت تماما في ظل عهد عباس الذي لا يؤمن مطلقا بخيار المقاومة المسلحة، ويتبنى الخيار السياسي التفاوضي كخيار وحيد أيا كان الثمن أو التبعات.

الأخطر من ذلك أن عباس قاد حملة منظمة لتفكيك وإنهاء المجموعات العسكرية التابعة للحركة في الضفة من خلال حكومة سلام فياض عقب سيطرة حركة حماس عسكريا على غزة، وكان له ما أراد، حيث أضحت خلايا فتح العسكرية –بعدها- أثرا بعد عين.

كل ذلك وضع فتح في موقف بالغ الحرج أمام قواعدها داخليا، وأضعف أسهم تأييدها الجماهيري، وأحالها إلى تنظيم هلامي فكريا وبرنامجيا.

وليس صعبا التنبؤ بأن استمراء قيادة فتح الغوص في وحل "اللاخيار" -باعتبار أن خيار المفاوضات قد سقط وشبع فشلا- يعني مزيدا من الارتداد إلى الخلف، ومزيدا من الانهيار والتخبط والاضطراب.

ولئن كانت فتح حريصة على تاريخها النضالي ودورها الوطني فإن عليها أن تُرسي فكرا وطنيا ناصعا، وأن تنبذ الأجندة غير الوطنية، وتتبنى برنامجا سياسيا يدور في فلك الأهداف والثوابت الوطنية، وتعيد الاعتبار لخيار المقاومة كأحد الخيارات الفاعلة والمطروحة ضمن برنامج العمل الوطني للحركة على أقل تقدير.

التحدي البنيوي
لم تعد فتح كما كانت في مراحلها الأولى تنظيما موحدا يحتكم إلى مرجعية قيادية واحدة ومؤسسات ذات قرار ملزم، بل أضحت اليوم منقسمة إلى تكتلات وأجنحة وتيارات تخضع كل منها لرؤيتها الخاصة رغم خضوع الجميع شكلا لا مضمونا إلى هيئات قيادية موحدة.

فهناك التيار الخاص بمحمد دحلان، وهناك التكتل الخاص بمستشاري عباس وبطانته المقربة الذين يتماهون مع تيار دحلان مصلحيا، وهناك تيار القيادات والكوادر الحركية الشابة المتمثل في اللجنة الحركية العليا في الضفة الغربية والذين يقع على عاتقهم أعباء الفعل الميداني، وهناك تيار فاروق القدومي وأنصاره، وكذلك التكتل المتشكّل من بعض أعضاء اللجنة المركزية للحركة، وليس آخرا بعض مراكز القوى والنفوذ ومن بينها قادة الأجهزة الأمنية في الضفة.

من هنا نستطيع تفهّم سرّ عجز الحركة عن عقد مؤتمرها العام السادس حتى الآن، وسرّ استمرار الاضطراب الفتحاوي الداخلي وشلل المؤسسات القيادية للحركة، وفشل جميع المصالحات بين التكتلات والتيارات المختلفة فيها.

وما من خيار أمام الحركة للإفلات من ثقل وخطورة أجنحتها المتضاربة ومراكز قواها المتعددة، سوى إعادة الاعتبار للفعل المؤسسي السليم، وإعادة ضبط المعايير الناظمة للوضع الإداري الداخلي، وحسم كافة المرجعيات لصالح مرجعية تنظيمية واحدة دون أي تردد.

التحدي القيمي
"
المشهد الراهن لفعل وأداء الحركة وفق ثنائية الفساد والتنسيق الأمني يرسم ملامح صورة قاتمة للقاعدة القيمية التي ترتكز عليها، سواء أكان ذلك لجهة البناء والتحشيد الداخلي، أم لجهة استقطاب وتجنيد الرأي العام الفلسطيني في إطار مشروعها الوطني
"
يخطئ قادة فتح ومنظروها حين يبنون حساباتهم الراهنة على أسس مصلحية وأرضية شعاراتية ذات صلة بالماضي الغابر والمجد التليد فحسب، فالأحزاب –أيا كانت- التي تنفصل عن قيمها الأخلاقية والوطنية لن تلبث أن تفقد ريادتها وأهليتها للصدارة والإمساك بزمام المبادرة، وسرعان ما تطردها رياح التغيير عن مواقعها التقليدية التي اعتقدت أنها مخلدة فيها مدى الدهر.

إن المشهد الراهن لفعل وأداء الحركة وفق ثنائية الفساد والتنسيق الأمني يرسم ملامح صورة قاتمة للقاعدة القيمية التي ترتكز عليها، سواء أكان ذلك لجهة البناء والتحشيد الداخلي، أم لجهة استقطاب وتجنيد الرأي العام الفلسطيني في إطار مشروعها الوطني.

لقد ضرب الفساد أطنابه في عمق العمل والأداء الفتحاوي، ولم تستطع فتح طيلة سنوات قيادتها للسلطة النأي بنفسها عن مستنقع الفساد المالي والإداري، أو تعميم نماذج فتحاوية مشرقة غير ملوثة بأدران ومفاسد السلطة، حتى إن مستوى الفساد المستشري في أروقة السلطة ومؤسساتها أضحى مضربا للأمثال، ولازمة ثابتة لا تنفك وصالا بالأداء السلطوي الفتحاوي.

ورغم ممارسات الفساد المتفشية التي زكمت رائحتها الأنوف وتقارير لجان الرقابة السلطوية المعلنة وغير المعلنة التي تحدثت عن مستويات الفساد المخيفة، فإن أحدا في قيادة فتح التي تقود السلطة لم يحرك ساكنا، أو يبادر لإعلاء صوته لإنقاذ الحركة من مزيد من الانحدار القيمي والسلوكي، والعمل على تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

أما التنسيق الأمني مع الاحتلال الذي يذهب ضحيته رجال المقاومة وبناها التحتية والمؤسسية، فقد أساء كثيرا إلى سمعة الحركة، وحشرها في زاوية بالغة الحرج شعبيا، وأورثها مزيدا من الخلاف الداخلي المستعر بين التيارات المختلفة ذات الأجندة المتضاربة.

فلا يخفى على أحد أن قادة الأجهزة الأمنية للسلطة هم كوادر نافذة في الحركة، وأن ممارساتهم الأمنية تخضع –غالبا- لقرارات سياسية سيادية، ما يضع كثيرا من علامات الاستفهام حول حقيقة ومستقبل المشروع الوطني الذي تتبناه الحركة، ويُقوّض الأساس القيمي الذي يشكل السياج الواقي لها والناظم السليم لحركة حاضرها ومسيرة مستقبلها.

ما يرشح من تسريبات إعلامية بين الحين والآخر يؤكد عمق الهوة وتباين المواقف بين الكثير من القيادات الأساسية في الحركة إزاء قضية التنسيق الأمني، ويرسم خطا فاصلا بين نهجين يتنازعان الأجندة الفتحاوية الراهنة، يذهب الأول باتجاه محاولة تصويب الموقف من الاحتلال وتصحيح العلاقة مع المقاومة، فيما يعمد الآخر إلى إحراق الأوراق الوطنية والتذرع بالاتفاقات المعقودة لتخليد منظومة التنسيق الأمني مع الاحتلال.

لذا لم يكن غريبا أن تتصدع الحركة من الداخل وتغزوها الإشكاليات السلوكية، وأن تتهاوى قلاع نفوذها شيئا فشيئا، لتخسر الانتخابات البلدية ثم التشريعية وتصبح الفصيل الثاني وطنيا حسب إفرازات صندوق الاقتراع، وتفقد غزة إثر تطرف وجموح بعض التيارات النافذة فيها، وتواجه خطر سقوط مزيد من المواقع الخاضعة لقرار وهيمنة الحركة تاريخيا.

ولا تبدو في الأفق أية دلائل أو مؤشرات حول إمكان إرساء إستراتيجية فتحاوية جديدة تعالج ثنائية الفساد والتنسيق الأمني، وتكبح انحدارها القيمي المتسارع الذي ينذر بمزيد من تقلص الثقة الشعبية، ومزيد من الشقاق والتصدع الداخلي.

تحدي الواقع والتجربة
شكلت تجربة فتح فرصة ذهبية لمراجعة تاريخية وتقييم أساسي لمجمل الأداء الفتحاوي على مستوى العلاقات الوطنية، لاستخلاص العبر من المزالق والعثرات والأخطاء التي سقطت فيها الحركة ولا تزال تتراكم يوما بعد يوم.

فلا تزال العقليات المهيمنة على قرار الحركة ومقدراتها كما هي دون أي تغيير إزاء قضايا الشراكة السياسية والعلاقات الوطنية، بل إن السياسات التي أنتجت واقع "الحسم العسكري" في غزة لا يزال يُعاد إنتاجها في الضفة الغربية.

الأنكى من ذلك أن القرار الفتحاوي السلطوي كان متواطئا في حصار غزة حتى النخاع، مع ما يتركه ذلك من آثار بالغة السلبية على العلاقات الوطنية والواقع الفلسطيني الداخلي.

"
فتح أكثر ما تكون حاجة اليوم إلى إعادة صياغة شاملة لبناها ومؤسساتها وفكرها ومواقفها على أسس وطنية وتنظيمية سليمة بما يؤهلها لمجابهة التحديات التي تعصف بكيانها ودورها الوطني، وما لم يحدث ذلك فإن فتح ستبقى تراوح مكانها
"
وبلغ الأمر بقيادة فتح مداه باستسهال لقاء قادة الاحتلال الذين يطحن جيشهم المجرم الشعب الفلسطيني صباح مساء، فيما وُضعت القيود والشروط أمام إجراء أية حوارات فلسطينية داخلية، ولا تزال بعض القيادات تضع كوابح وعراقيل أمام مسيرة الحوار الوطني التي ترعاها مصر، وتحاول إفشالها بانتهاج أشكال متعددة من التحريض السياسي والإعلامي والقمع الأمني والممارسات الميدانية.

من هنا فإن واقع التفكير الفتحاوي الراهن في أطره النافذة لا يشي بأي جنوح نحو إعادة التقييم والمراجعة الحصيفة للتجربة الفتحاوية، ويفسح الطريق أمام احتمالات مضطربة وخيارات مجهولة مستقبلا.

من السذاجة القول إن عمق التحديات التي تواجهها فتح يمكن مواجهتها عبر جملة إجراءات إدارية أو معادلات حسابية، فلا مناص من الاعتراف بأن الحركة أمام استحقاقات كبرى يفترض بها الإذعان لمقتضياتها إنْ أُريد لها تدارك مكانتها المتدهورة واستعادة نفوذها المتراجع وطنيا.

إن فتح أكثر ما تكون حاجة اليوم إلى إعادة صياغة شاملة لبناها ومؤسساتها وفكرها ومواقفها على أسس وطنية وتنظيمية سليمة بما يؤهلها لمجابهة التحديات التي تعصف بكيانها ودورها الوطني، وما لم تُتخذ إجراءات حاسمة وقرارات شجاعة ذات بعد تاريخي تعيدها إلى جادة الحق والصواب فإن فتح ستبقى تراوح مكانها، ولن تلبث أن تشقى بعصف المزيد من العلل والأدواء والتحديات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة