نهاية إسرائيل تقترب   
الأربعاء 1/4/1436 هـ - الموافق 21/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)
عبد الستار قاسم

تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي
العدة والعدد مقابل النفير والإيمان
التقنية العربية والتكتيك العسكري
الضعف العربي

ليس من السهل أن تقول للعرب إن نهاية إسرائيل تقترب لأنهم اختزنوا في مؤخرة رؤوسهم ما يعتبرونه حقيقة، وهو أن إسرائيل لا تهزم.

قادة العرب لا يرون أنه من الممكن أن تـُهزم إسرائيل، ولهذا اعترفوا بها وعبروا عن اعترافهم بوضوح وصراحة في قمة بيروت عام 2002، وأصدروا مذلة أسموها المبادرة العربية. ولكي تؤكد إسرائيل أن هؤلاء القادة قد سلموا أمرهم، وأن لا طاقة لهم بتحدي إسرائيل، نحّت مبادرتهم جانبا ولم تقم بمناقشتها، وربما كان لسان حالها يقول: إن الصِّغار لا تصدر عنهم أفكار الكبار.

وقد انسحب الأمر على أعداد غفيرة من المواطنين العرب بمن فيهم فلسطينيون، فأمسوا مقتنعين بقوة إسرائيل وعدم قدرة العرب على إلحاق الهزيمة بها.

لقد صنعت إسرائيل لنفسها عبر الزمن صورة العملاق الذي يفرش ذراعيه على المدينة فيسحقها بضربة واحدة. وهذه الصورة هي التي حالت بين قادة العرب وجمهور عربي غفير والتصديق بأن المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية لم تهزما في حربيْ 2006 و2008/2009.

وذلك أن لسان حالهم ما زال يقول: كيف لعدة آلاف من المقاتلين العرب أن يصمدوا أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية والعقل الإسرائيلي الفذ، وأن يُفشلوا أهداف الجيش الإسرائيلي وهم لا يملكون المعدات القتالية الكافية لدحر الجيش الإسرائيلي؟

تآكل هيبة الجيش الإسرائيلي
بدأت هيبة الجيش الإسرائيلي تتقلص منذ أن شاهد العالم على الشاشات جنود هذا الجيش يفرون جنوبا خوفا من مقاتلي حزب الله عام 2000. انقلب منذئذ المشهد التلفازي فأصبح الإسرائيلي هو الذي يرخي ساقيه للهرب وليس العربي.

ربما تأكد للجيش الإسرائيلي وللإسرائيليين على حد سواء أن تلك الحروب التي كانت نـُزهات لم تعد قائمة بعد حرب 2008/2009 على غزة. فقد فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، واضطر إلى أن يوقف الحرب دون تحقيق أي إنجاز سوى قتل المدنيين وهدم بيوتهم

وقد كان لذلك الهرب وقعه الصارخ على نفسيات الإسرائيليين بكافة أطيافهم، وأخذت صورة الجندي الذي لا يُقهر تهتز لديهم، وبدأت معها صورة إسرائيل الآمنة المطمئنة تهتز.

تعززت شكوك الإسرائيليين حول مستقبلهم الأمني، وشكوك الجيش حول هيبته عام 2006 عندما فشل الإسرائيليون في تحقيق أي من أهدافهم في لبنان، وخرج حزب الله قويا معافى قادرا على الاستمرار في المواجهة.

وربما تأكد للجيش الإسرائيلي وللإسرائيليين على حد سواء أن تلك الحروب التي كانت نـُزهات لم تعد قائمة بعد حرب 2008/2009 على غزة. فقد فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، واضطر إلى أن يوقف الحرب دون تحقيق أي إنجاز سوى قتل المدنيين وهدم بيوتهم.

توصلت المقاومة العربية -سواء في لبنان أو فلسطين- إلى أن هيبة الجيش الإسرائيلي ليست إلا مجرد وهْم تغلغل في نفوس العرب بوسائل وسبل شتى، وأن هزيمته ليست معجزة وإنما هي صبر ساعة.

وتوصل الإسرائيليون -بجيشهم وأناسهم- إلى أن المقاومة العربية ليست مجرد قشة هشة، وإنما هي المقاتل العربي الجديد المدرب والواعي والملتزم والمسلح جيدا، وصاحب الأخلاق الرفيعة والإرادة القتالية الصلبة التي تتلقى الرصاص بالصدور وليس بالظهور.

ومنذ ذلك الحين والحكومة الإسرائيلية تركز على استعادة هيبة الجيش الإسرائيلي ووقعها النفسي على الجندي العربي، لكنها تفقدها بالمزيد كلما خاضت حربا جديدة.

لقد قامت إسرائيل على فكرة الأمن لليهود، وروجت الصهيونية بداية -كما روجت إسرائيل لاحقا- أن اليهودي لن يشعر بالأمن إلا في وطنه القومي الذي هو الأرض المقدسة (فلسطين)، واستطاعت الدعاية المقترنة بانتصارات إسرائيل على العرب أن تستقطب اليهود إلى فلسطين.

وكما اقتنعت الأنظمة العربية بجيش إسرائيل الذي لا يقهر، اقتنع اليهود أنفسهم بذلك فأداروا ظهورهم لكل طروحات إقامة سلام يعيد للفلسطينيين على الأقل بعض حقوقهم. لقد أخذتهم العزة بالإثم وظنوا أن الأرض العربية ستبقى أبدا مسرحا للدبابات الإسرائيلية.

الآن أفاق اليهود على حقيقة جديدة وهي أن جيشهم لم يعد قادرا على حسم المعارك، بل هو يتورط في كل مرة يشن فيها حربا على المقاومة العربية، ويعود جارًّا أذيال الخيبة ليصبح موضوعا لأحاديث الهزيمة على المستوى الدولي.

ومع هذه الحقيقة، بدأ الإسرائيليون يعون أن إسرائيل هي آخر مكان يمكن أن يتوفر فيه الأمن لهم، وأن أمنهم يمكن أن يتحقق في أي مكان في العالم عدا إسرائيل. وباتوا على يقين بأن الجندي العربي لم يعد ذلك الإنسان المبرمَج على الهرب مع أول رصاصة تطلق في بداية المعركة.

العدة والعدد مقابل النفير والإيمان
استطاعت الدول العربية عام 1967 أن تحشد عددا وعدة تفوق ثلاث مرات ما استطاعته إسرائيل، لكن الجيوش العربية هـُزمت.

كانت الجيوش العربية أكثر عددا لكن الجيش الإسرائيلي كان أكثر نفيرا، بمعنى أن الجندي كان واعيا بالحرب مدربا ومنظما ومنضبطا، ويعي دوره على أرض المعركة، فخاض حربا في غاية الدقة والأداء المهني الممتاز، أما الجندي العربي فكان فوضويا وغير مدرب جيدا وفاقدا للبوصلة والعقيدة القتالية، فهانت عليه البلاد مقابل أن يفر بجلده.

خاض الجندي الإسرائيلي حربا وهو يعرف أن خلفه دولة ترعى شؤون بيته إن قـُتل، أما الجندي العربي فكان على وعي بأن عائلته ستلاقي المتاعب والاعتداءات إن هو لم يعد إلى بيته بعد المعركة.

الجندي الإسرائيلي الآن غير منضبط ومترهل وسريع البكاء والعويل والانهيارات النفسية. هذا لا يعني أنه غير مدرب وغير منظم، ولكن يعني أن تلك الروح القتالية التي كانت مع بدايات تكوين إسرائيل تغيب عن المشهد تدريجيا، وأصبح الجندي العربي المقاوم متفوقا عليه في كل معايير الجندية المصممة على القتال وكسب الحرب

الآن، اختلفت المقاومة العربية عن الأنظمة العربية، كما أن جيش إسرائيل اختلف عما كان عليه في بداية تأسيس الدولة. الجندي العربي المقاوم يتمتع الآن بوعي عميق بأهدافه وبقضاياه، ويتلقى تدريبا مهنيا متطورا، ويملك سلاحا يؤهله لخوض حرب لا يخرج منها مهزوما، وإنما للصمود والنيل بقوة من العدو.

كما أن الجندي العربي المقاوم يملك عقيدة قتالية ترتكز أساسا على العقيدة الإسلامية والإيمان بأن الحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى، وهو يتسلح بتصميم متين على القتال حتى الرمق الأخير.

ولهذا لم يعد جنودنا يقتلون بضرب ظهورهم، فهم يتلقون الرصاص بصدورهم ورؤوسهم، وهم يعون تماما أن مؤسسات المقاومة تخلفهم جيدا في أهليهم إن هم سقطوا شهداء.

إسرائيل تملك السلاح المتطور وهي قادرة على إحداث تدمير هائل في القرى والمدن العربية، وقادرة على قتل الناس جماعات، لكنها لم تعد قادرة على التحرك برا في مواجهة المقاومة. لقد جربت دخول غزة أثناء حرب عام 2014، لكن جيشها لم يصمد نصف يوم واضطر للهرب من أرض المعركة لشدة ما واجه من مقاومة.

أما الجندي الإسرائيلي فتحول مع الأيام إلى "كيت كات"، أي إلى جندي البسكويت والشوكولاته الذي يبحث عن أمه للجلوس في حضنها. لقد أدى حرص الإسرائيليين المبالغ فيه على الحياة إلى تدهور الروح القتالية لدى الجندي، وإلى اهتمامه بصديقته وأعمال الترفيه على حساب متطلبات الميدان.

الجندي الإسرائيلي الآن غير منضبط ومترهل وسريع البكاء والعويل والانهيارات النفسية. هذا لا يعني أنه غير مدرب وغير منظم، ولكن يعني أن تلك الروح القتالية التي كانت مع بدايات تكوين إسرائيل تغيب عن المشهد تدريجيا، وأصبح الجندي العربي المقاوم متفوقا عليه في كل معايير الجندية المصممة على القتال وكسب الحرب.

وهذا يدفع إسرائيل إلى استغلال قدراتها التدميرية لكسر إرادة الجندي العربي المقاوم. لا يستطيع الجندي الإسرائيل مواجهة الجندي العربي المقاوم، فتعمل إسرائيل على استعمال الجو لإنقاذ جيشها من الاندحار المشين.

لكن هل ستبقى إسرائيل سيدة الجو؟ طبعا لا، لأن المقاومة العربية في غزة وفي لبنان حريصة على امتلاك مضادات الطيران، وربما استطاع حزب الله أن يمتلك منظومة صواريخ مضادة للطيران منذ فترة من الزمن، وسنشهد في المرحلة القادمة تحريم الأجواء اللبنانية على الطيران الإسرائيلي.

التقنية العربية والتكتيك العسكري
المقاومة العربية لا تهرّب السلاح فقط وإنما تصنعه أيضا، وتقنيتها العسكرية تتطور بشكل سريع. صناعة الصواريخ والقنابل بكافة أشكالها لم تعد سرا أو حكرا على دول، واستطاعت المقاومة الفلسطينية أن تطور صواريخ يبلغ مداها أكثر من مائة كيلومتر بعد أن كان صاروخها يوصف بمواسير التنك.

وأقام حزب الله مصانع تحت الأرض لتكون الرصيد الإستراتيجي لبقاء عجلة إنتاج الصواريخ مستمرة. ووصل الحد إلى أن المقاومة العربية أخذت تصنع الطائرات الإليكترونية، وستكون قادرة قريبا على التشويش على الطائرات الحربية الإسرائيلية لتربكها في تحديد أهدافها وأماكن القصف المحددة لها، وسيوجه التطور التقني المقاوم مستقبلا الطائرات الإسرائيلية لقصف أهداف إسرائيلية وليست عربية.

وعلى الرغم من تفوق إسرائيل تقنيا وعلميا على المقاومة العربية فإن المقاومة متفوقة على إسرائيل في التكتيك العسكري، حتى باتت إسرائيل تخوض حروبا عمياء إلى حد كبير.

لقد طورت المقاومة العربية أساليبها العسكرية في مواجهة إسرائيل، وحصنت نفسها أمنيا ضد وسائل المخابرات الإسرائيلية. وأضحت إسرائيل تُفاجأ بقدرات المقاومة وبأساليبها القتالية التي حيدت -إلى حد كبير- تأثير الطيران على المقاتلين، وأوقفت الزحف البري الإسرائيلي ودحرته.

لم تعد إسرائيل بمنأى عن الفساد، بل دخلته من أوسع أبوابه ليشمل رئاسة الدولة ووزراءها والجيش والأجهزة الأمنية. الرشوة والوساطات والمحسوبية والصفقات المشبوهة تنتشر في إسرائيل لتصل إلى كل ركن وزاوية.

وحسب ما يتردد، فمن الصعب أن تجد في إسرائيل من ليس فاسدا، وكل فرد يحدث نفسه بأن عفافه لن يفيده بشيء، وإذا لم يكن فاسدا ويحصل على نصيب من الكعكة، فإن غيره سيحصل على حصته، ويبدو أن أغلب الناس العاديين قد اقتنعوا بأن التعالي على الفساد يلحق الضرر الكبير بالشخص، وأن مصلحة الفرد لا تستقيم إلا بفساده.

أثـّـر هذا الحجم الهائل من الفساد على العلاقات الاجتماعية والسياسية فاستمر التمزق الاجتماعي في التوسع والمشهد السياسي في التفتت. وضعف التركيبة الاجتماعية وهبوط المستوى الأخلاقي يؤديان إلى إضعاف الدولة وشل قدراتها على مواجهة التحديات، ويؤثران سلبا على ميزانية الدولة بسبب التهرب الضريبي والاختلاسات والصفقات المالية غير المشروعة.

الضعف العربي هو أكبر رصيد إستراتيجي تملكه إسرائيل. إسرائيل دولة قليلة السكان وصغيرة المساحة، ومهما عظمت فإنها لا تستطيع أن تواجه تحديات المستقبل المفروضة من العرب والمسلمين

وأهم من ذلك، يؤدي الهبوط الاجتماعي والأخلاقي إلى هبوط في الروح المعنوية للناس، ويضعف ثقتهم بالدولة ورغبتهم في التعاون مع الحكومة والحرص على هيبة الدولة والجيش والأجهزة الأمنية. إسرائيل تضعف من الداخل بصورة متسارعة مما يرفع فرص هجرة الإسرائيليين إلى الخارج.

الضعف العربي
الضعف العربي هو أكبر رصيد إستراتيجي تملكه إسرائيل. إسرائيل دولة قليلة السكان وصغيرة المساحة، ومهما عظمت فإنها لا تستطيع أن تواجه تحديات المستقبل المفروضة من العرب والمسلمين، وإذا كانت قد أحرزت انتصارات كبيرة في الماضي فذلك بسبب الأنظمة العربية التي أصرت على ضعفها، وعلى محاربة كل عربي يريد محاربة إسرائيل بصورة جادة.

خاضت إسرائيل حروبها وهي تعي مسبقا أن قادة العرب غير جادين ولم يتركوا فرصة للجندي العربي لكي يدافع عن أمته بأمانة وشرف. لقد ظلموه وأهانوه وجوعوه وحرموه إلى درجة كفر معها بأمة العرب وقضاياها، ففضل البقاء هاربا على الموت من أجل حاكم فاسد محنط رأسه أجوف.

المقاومة العربية تجاوزت الضعف العربي لأنها تجاوزت الأنظمة، ولم تعد ترى في الأنظمة إلا عقبات في طريقها نحو تحرير الإنسان والأوطان. وقد وجدت هذه المقاومة في إيران حاضنة تؤمن بالقوة وضرورة العمل على مواجهة التحدي بالتحدي العلمي المستند إلى أرضية عقلانية ورؤية واضحة واعية.

المقاومة الآن في غزة وجنوب لبنان متمكنة جيدا وقوية بما يكفي لجعل إسرائيل تتقلب مضطربة في نومها؛ ومع ارتفاع أسهم المقاومة وتدني أسهم إسرائيل فإن المقاومة ستنال من إسرائيل وجيشها، الأمر الذي يؤذن بهلاك هذا الكيان المسخ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة