المبادرة العربية.. ماذا نقول؟   
الأحد 1428/6/2 هـ - الموافق 17/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:59 (مكة المكرمة)، 10:59 (غرينتش)


ناجي علوش

الآن والمبادرة العربية مطروحة على قدم وساق.. ماذا نقول لشعبنا الفلسطيني وللجماهير العربية؟

سنقول ما قلناه عندما طرح الحل المرحلي: دققوا في الموقف لأن العدو الصهيوني لا سلام عنده ولا حل, إنه يناور ويخادع، ويلعب بالوقت.

"
لن يأتي من المبادرة غير ترسيخ الخط التفاوضي الحالم الواهم فلسطينيا وعربيا، وإعطاء الحكومة الأميركية مزيداً من الوقت لمعالجة أزمتها في العراق بغطاء عربي، ولفت الأنظار عن القضية الفلسطينية

"

وهذا ما قُلْتُه عندما طرح الحل المرحلي 1973/1974, ولقد جرى لقاء بيني وبين أحد قادة المقاومة بعد اجتياح لبنان سنة 1982 وقال لي ما رأيك في أن نتحاور حول تقدير الموقف؟ فوافقت. وكنت قد ناقشته قبل ذلك وقلت له: لا حل، إن الذي يجري مجرد لعبة للإلهاء فليس هنالك من حل، إنه لبلبلة صفوفنا. فقال لي لا. هناك حل، وهناك دولة سيأخذها عرفات.

فقلت له إنها لعبة سياسية تستهدف شقنا وبلبلة صفوفنا ولن تثمر شيئا، فقال لي لا لا لا هناك دولة وسيأخذها عرفات. فقلت هذه مجرد خدعة لعرفات أولا، ولغيره ثانيا. وسيموت عرفات ولن يأخذ شيئا. لا هو ولا غيره. وافترقنا مختلفين.

وصادف أن التقيت ذلك الصديق، وأشهد له بالنزاهة ونظافة اليد، بعد سنتين فقال لي: لقد راجعت محاضر لقاءاتنا في الفترة الماضية، واكتشفت أن موقفكم كان أدّق من موقفنا. ولكن ماذا حدث له.. لقد استطاع عرفات بادعائه أن لديه دولة حين يريد، أن يكسب عددا من قيادات تنظيم ذلك القائد، وأن يحدِث في صفوف حركته بلبلة، وأن يوهم آخرين بأن لديه حلاً جاهزا، وأن الدولة في جيبه.

وكان كل ذلك مبنياً على خدعة هدفها إحداث تحوّل سياسي، بإحداث تحوّل نفسي عند أصحاب القضية. وكانت خدعة مبنية على توظيف علم النفس في عالم السياسة وهي نظرية مطروحة، والواقفون وراءها معروفون.

والآن نعود ونقول إن ميزان القوى لا يسمح -من جهة المقاومة ولا من جهة أنظمة المبادرة العربية- بأن نفرض حلاً. فلن يأتي من المبادرة غير ترسيخ الخط التفاوضي الحالم الواهم فلسطينياً وعربياً، وإعطاء الحكومة الأميركية مزيداً من الوقت لمعالجة أزمتها في العراق بغطاء عربي، ولفت الأنظار عن القضية الفلسطينية والحيلولة بين الفلسطينيين والتفكير في تطوير أدواتهم القتالية لئلا يخلق المزيد من الإحراجات لحكومة الولايات المتحدة الأميركية.

ولذلك نرى أن على القيادات الفلسطينية والعربية أن تدعم المقاومات والممانعات الشعبية في فلسطين ولبنان والعراق، لأنها وحدها القادرة على أن تفرض تراجعاً صهيونياً وأميركياً بلا قيد أو شرط كما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة.

وما دام رئيس وزراء العدو في ورطة بسبب هزيمته في لبنان، فإن علينا أن نسقط الوهم وأن نرى الحقائق وألاّ ننخدع بالأوهام والألاعيب. فلا قدرة عند بوش، وهو في وضعه الحالي على دعم أي حل إنه بحاجة لدعم اللوبي الصهيوني والخروج من ورطة العراق بماء الوجه, وليس مهزوماً مرذولاً.

"
ما لم تهزم حكومة الولايات المتحدة في العراق وينتخب رئيس آخر، وما لم تقم المقاومة الفلسطينية بمعارك ناجحة، فإن الاحتلال سيبقى ولا حل في المفاوضات سواء أجاء من أطراف فلسطينية أم عربية أم دولية
"
ولهذا فإن من أهداف طرح المبادرة العربية وتفعيلها كما طلبت كوندوليزا رايس من الرباعية العربية هو مساعدة أولمرت, الأمر الذي يساعد بوش أيضا، فهدف المبادرة وتفعيلها غير ما يروّجه البعض بأن السلام على الأبواب أو بأنه يحرّك عملية السلام.

وما لم تهزم حكومة الولايات المتحدة في العراق وينتخب رئيس آخر، وما لم تقم المقاومة الفلسطينية بمعارك ناجحة، فإن الاحتلال سيبقى ولا حل في المفاوضات سواء أجاء من أطراف فلسطينية أم عربية أم دولية. فالاحتلال يزول بالقوّة، وليس بالمفاوضات. وذلك ما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة.

والآن ونحن نشهد ما يسّمى بتفعيل المبادرة والتحرّك هنا وهناك، ولأننا نلمس خطورة ما يجري على القضية، ندعو الحكومات العربية إلى التزام الثوابت الوطنية والقومية، وعدم التنازل عنها مسبقا.

فالمبادرة تنازل مجاني وتفعيلها تنازل مجاني آخر ولن يثمرا شيئا. ولهذا لا بد من التزام الحذر في التعامل مع العدو الصهيوني، وعدم القيام بإجراءات تطبيعية وتوريط الجامعة العربية، باسم تفعيل المبادرة، وضرورة عدم تقديم شيء على حساب الشعب الفلسطيني ومن رصيد القضية إرضاء لأميركا أو غيرها.

المبادرة سقطت أرضا بمجرد خروجها من قمة بيروت، وذلك حين قال شارون بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وشنّ هجومه على مخيم جنين مكافأة لها.

فشارون رماها وراء ظهره حتى دخل في غيبوبة، ليس بسبب المبادرة وإنما بسبب ما واجهه من إخفاقات أمام صمود المقاومة والانتفاضة والشعب الفلسطيني.

ثم هذا هو أولمرت يدخل أزمة، ولا يبدو أنه قادر على التعامل مع المبادرة الآن، أو في أي وقت قريب. فحتى المناورة الكلامية لم يعد قادراً عليها.

وها هي قيادات التفاوض الفلسطينية صامتة حائرة، مشغولة بنسف حكومة الوحدة الوطنية من دون أي موقف جدي من المبادرة، ودون أية تحذيرات للحكومات العربية: أو محاولة استنهاض للشارع الفلسطيني بينما وزراء المالية والخارجية والإعلام في حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية يستجدون الأوروبيين والأميركيين لفك الحصار.

"
المبادرة فاشلة سلفاً وتفعيلها فاشل أكثر منها وها هي تُقابل باستهزاء وعنجهية من جهة، وباستدراج تنازلات عربية جديدة من جهة أخرى لتفعيلها!
"
ويبدو أن القيادة الفلسطينية لا تستطيع أن تعلن رفض المبادرة، ولا تجرؤ على التحفظ أو المطالبة بموقف عربي يلتزم الثوابت، أو القيام بأي عمل مقاوم أو ممانع يشوّش عليها وهي تسبح في وهمها الكبير الذي يشبه غيبوبة شارون.

والعجيب أن المفاوض الفلسطيني لا يسأل نفسه: إذا كان العدو الصهيوني لم يوافق حتى الآن على إجراء عملية تبادل أسرى، فكيف سيوافق على تسليم الأرض والقدس من أجل قيام دولة؟

ألا يكفي هذا لإفهام القيادات الفلسطينية أن العدو إن كان قوياً لا يفاوض وإن كان ضعيفاً لا يفاوض وإنما يفرض عليه التراجع فرضاً وتلك هي تجربة جنوب لبنان وقطاع غزة.

إن هذا ما يجب أن تحيط به القيادات العربية المتحمسّة للمبادرة، أو الذين يفاوضون من أجل دولة فلسطينية مع عدّو لا يفهم غير لغة القوّة.

وخلاصة نقول: المبادرة فاشلة سلفاً وتفعيلها فاشل أكثر منها وها هي تُقابل باستهزاء وعنجهية من جهة، وباستدراج تنازلات عربية جديدة، من جهة أخرى، لتفعيلها!

وهل هنالك ما هو أشد بلاغة مما جرى بعد لقاء وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في القاهرة الذي اعتبرته "تاريخياً" لأنه لقاء مع ممثلين للجامعة العربية، حيث قررت حكومتها بعد عودتها بناء عشرين ألف مسكن لمستوطنين جدد في القدس الشرقية وتخصيص مليار ونصف مليار دولار لتهويد المدينة إضافة للموازنة، مكافأة للمبادرة ولتفعيلها.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة