المشاركة الخليجية في المحافل الدولية   
الاثنين 1425/9/26 هـ - الموافق 8/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:31 (مكة المكرمة)، 13:31 (غرينتش)

 

بقلم/ عبد العزيز بن عثمان بن صقر

يعتقد أغلب المواطنين أن العرب لم يخسروا معركة مواجهة إسرائيل إلا في ساحات الحرب، وأن كل مآسي البيت العربي لم تأت إلا نتيجة للهزائم العسكرية المتلاحقة للجيوش العربية في ساحات القتال.
 
وهنا لا لوم على المواطن العادي في تبني هذا الاعتقاد، ولكن كل من عمل في مجال "دبلوماسية الحوار الدولي" يدرك حقيقة مؤلمة تلازم الموقف والأداء العربيين، ويعلم أن هناك خسارة قد تقارب في تأثيراتها وعواقبها خسارة الحروب العسكرية، يعلم ويتعلم حقيقة أن هناك ساحة قتال غير مرئية تدور في أروقة الاجتماعات واللقاءات والحوارات التي تنظمها مؤسسات الفكر والبحوث الدولية.
 
فمن يعلم آلية صناعة القرار في الغرب سيدرك أن هذه المؤسسات هي العصب الأول لعملية دعم صناعة القرارات الحاسمة، وهي وسيلة التأثير في الرأي العام في الدول المتقدمة. ونتيجة لغيابهم، أدرك العرب في وقت متأخر أنهم قد خسروا، ومنذ حين، "معركة الحوار والكلمة".
 
مأساة الأمة وقراراتها الخاطئة لم تبدأ اليوم، بل بدأت بعد فترة قصيرة من ظهور إسرائيل كدولة معترف بها من قبل المجتمع الدولي وبالتحديد عام 1951 عندما اتفقت الحكومات العربية على مقاطعة أي اجتماع أو تجمع دولي أو إقليمي يُدعى إلى حضوره وفد أو شخصية إسرائيلية أو حتى شخصية يهودية في بعض الأحيان.
 
"
محاولة عزل إسرائيل عن محافل الحوار الدولي أدت إلى عزلنا نحن وليس هي, وبدلاً من أن نضع إسرائيل في قوقعة وظلام قفص العزلة، انتهينا بدخولنا القوقعة والقفص معاً
"
ومن هنا بدأت المأساة، حيث فرضت بعض الحكومات العربية حظراً على مواطنيها من رسميين وغير رسميين يمنعهم من المشاركة في الحلقات النقاشية الدولية تحت طائلة العقاب القانوني، حتى إذا وجد في هذه الاجتماعات شخص أو أشخاص ليسوا بالضرورة إسرائيليين، ولا يهوداً، بل لمجرد وصفهم من قبل عبقرية الرقيب العربي بكونهم من "مؤيدي الكيان الصهيوني",
وهذا مفهوم واسع لا حدود له، ولا بداية له ولا نهاية.
 
وكان التبرير العربي لهذا الموقف يتلخص بهدف تفعيل "استراتيجية عربية لعزل إسرائيل عن المجتمع الدولي". إن قرار الدول العربية بوجوب مقاطعة المسؤولين والمواطنين العرب حضور أي اجتماع أو تجمع تُدعى له أو تحضره إسرائيل، أو ’من يحتمي بظلها‘، كان قراراً لا يقل خطورة في خطئه وخطيئته عن القرارات المصيرية الخاطئة التي دفعنا ثمنها ولا نزال ندفع حتى اليوم.
 
وهنا لا بد من القول إن محاولة عزل إسرائيل عن محافل الحوار الدولي أدت إلى عزلنا نحن وليس هي. وبدلاً من أن نضع إسرائيل في قوقعة وظلام قفص العزلة، انتهينا بدخولنا القوقعة والقفص معاً وبخروج إسرائيل إلى باحة العالم الفسيح تصول وتجول على هواها في كل مؤتمر أو حلقة دراسية أو محور تداول دولي.
 
وحقيقة الأمر أننا باستثناء أنفسنا من حضور هذا النوع من حلقات النقاش والحوار لم، ولن نستطيع أن نستثني الغير أو الأطراف الأخرى "المعادية" من حضورها. لقد أدى غيابنا الطوعي وهروبنا الاختياري إلى إفساح المجال لأعدائنا للاستفراد بساحات الحوار والتحاور الدولي، والتي لا تقل أهمية عن ساحات الحروب.
 
وتم وبشكل فعال استغلال غياب الصوت العربي الوطني، مما جعل الأطراف الأخرى تنتهز الفرصة لقول وادعاء ما تشاء مما هو غير صحيح أو دقيق عن العرب والمسلمين وتحول الظالم إلى مظلوم، والمحتل إلى صاحب حق أو إلى محرر، والمقاوم إلى إرهابي، وغير ذلك من عمليات اغتيال الحقيقة.
 
والأدهى من ذلك أن قلة من العرب تدرك أن قرار غيابنا أو تغيبنا عن هذه المحافل لم يمنع، ولن يمنع، الأطراف الأخرى من مناقشة قضايانا المصيرية، بل على العكس شجعها على ذلك.
 
فاللوبي الإسرائيلي الذي عمل وبشكل فعال في محافل الحوار الدولية كنا، نحن بغيابنا وبقصورنا، أفضل من ساعد على إنتاجه. فقراراتنا الخاطئة هي التي ساهمت في بروزه أولاً، وتحسين أدائه ثانياً حتى أمسى مشكلتنا الأساسية.
 
كان الحافز والدافع العاجل هنا للتذكير بهزيمة العرب في قاعة النقاش والتداول، والذي عزز هزيمتهم الدائمة في ساحات الحروب هو خبر إعلان "المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية " ومقره في لندن عن قيام شراكة واتفاق مع حكومة البحرين للإشراف على عقد مؤتمر موسع لـ"الحوار الخليجي" لبحث قضايا الأمن الإقليمي في منطقة الخليج تحت عنوان "اجتماع القمة لمؤسسات الأمن الوطني"، والذي من المفترض أن يتم عقده خلال الفترة ما بين الثالث والخامس من ديسمبر/كانون الأول القادم في العاصمة البحرينية المنامة.
 
وقد تم توجيه الدعوة للمشاركة في هذا الاجتماع التداولي إلى شخصيات خليجية ودولية عديدة، من بينها على مستوى دول المنطقة أغلب وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان وقيادات الأجهزة الأمنية في دول مجلس التعاون إلى جانب فئة من الخبراء والأكاديميين.
 
"
لا نريد من المسؤولين في دول الخليج الاستمرار في التشبث بخطأ الغياب وخطيئة الهروب وإغفال أهمية المشاركة في المؤتمرات الدولية وعلى أعلى المستويات الرسمية
"
ومن خارج دول مجلس التعاون سيتم توجيه الدعوات للمشاركة في المؤتمر إلى كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين في اليمن والعراق وإيران، مع حضور دولي واسع يتمثل بوفود كبيرة وذات مستوى عالٍ من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا واليابان وروسيا وسنغافورة.
 
نحن لا نريد من المسؤولين في دول الخليج الاستمرار في التشبث بخطأ الغياب وخطيئة الهروب وإغفال أهمية المشاركة في مثل هذه المؤتمرات بالذات وعلى أعلى المستويات الرسمية.
 
إن كنتم تختلفون مع الآخرين في الرأي فما عليكم إلا تأسيس إستراتيجية ثابتة ودائمة للمشاركة الفعالة في هذه الحوارات، ودعوا الآخرين يسمعوا صوتكم وحججكم، قولوا للعالم إننا موجودون، ولنا قضايانا واعتباراتنا الخاصة ونملك تصورات محددة وواضحة لكل قضية.
 
اذهبوا إلى هذه المؤتمرات والحلقات الحوارية واعترفوا بأن هناك قصوراً من جانبنا في قضايا كثيرة، ولسنا أمة ملائكة. ولكن حاولوا تذكيرهم في الوقت نفسه بأن ذنوبهم وأخطاءهم وحتى جرائمهم لا تقل عن أخطائنا إن لم تتجاوزها بكثير، وإن شاركت إسرائيل أو غيرها من الأطراف ’غير الصديقة‘ بشخص واحد في أي اجتماع عليكم إرسال عشرة أشخاص في المقابل من ذوي الكفاءة والدراية لمواجهة تلك الأطراف ومقارعة الحجة بالحجة.
 
فقد جرت العادة أنه عندما يتم توجيه مؤسسات الفكر العالمية الدعوة إلى الشخصيات العربية الرسمية أو الأكاديمية أو المتخصصة فإن ردود الفعل المتوقعة من الوفود المشاركة بشكل خاص تقع ضمن المواقف المحتملة التالية: فمنهم من لا يتكلف أو يكلف أحداً بالرد على الدعوة اعتذاراً أو قبولاً، ومنهم من يعطي الوعود بالحضور كتابةً ثم يخلف الوعد في الأغلب الأعم في آخر لحظة، وفي الأغلب دون تفسير مقنع.
 
ومنهم من يتخذ القرار الحاسم ويحضر، ولكن لساعات قليلة تكرماً، ثم يختفي نهائياً داخل البلد أو خارجه إما لأسباب شخصية أو رسمية. ومنهم من يحضر جزءاً لا بأس به من جلسات المداولة ولكنه الحاضر الغائب، الموجود جسدياً والغائب ذهنياً، لا يعلم فحوى النقاش إما جهلاً بالمواضيع المطروحة أو جهلاً بلغة الحوار، أو أنه لا يمتلك الشجاعة الأدبية للمساهمة الفعالة في النقاش. أو وهو الأهم والأغلب، اختيار الصمت خوفاً من قول ما لا تُحمد عقباه ويغضب السلطة في دولته.
 
"
أيها المسؤولون.. امنحوا الثقة لمواطنيكم، وبخاصة لنخبة مختارة, ليمارسوا وطنيتهم في الدفاع عن مصالح الدولة والأمة بأسلوب عقلاني وعلمي
"
والمسؤول الرسمي مهما علا شأنه أو الأكاديمي أو المفكر مهما ارتقى بعلمه، (إن سمحت له السلطات المسؤولة افتراضاً بالمشاركة في هذا النوع من النشاطات)، سيتصرف كاللصوص أو كمن هو متهم بشكل مسبق بالخيانة قبل أن يفتح فاه، حذر في أن يتجنب الحوار العقلاني مع ’العدو‘، حذر ومرعوب من أن تقع عينه بعين الأعداء مصادفةً فيُتهم بالابتسام لهم في قاعة الاجتماع.
 
مشغول بإيجاد وسيلة تجنبه أن يختلط مع العدو مصادفة في بهو الفندق أو على مائدة الطعام أو حتى في ممر غرفته في الفندق حتى لا يُتهم بالتعاون بالمصادفة أو ’بالاعتراف بالكيان الصهيوني‘، وربما تفلت من فيه عرضاً كلمة "غير مناسبة " ليعاقب لاحقاً تحت طائلة القانون المكتوب أو الشرع والعرف السياسي غير المكتوب.
 
خطيئة الماضي ولدت جيلاً جاهلاً بآداب وأساليب الحوار، جاهلاً بمضمون الحوار، جاهلاً برسم إستراتيجية التعامل مع الأطراف الأخرى. يحضر أعضاء الوفود مسلحين ’بنظرية الصراخ‘ بالحق دون القدرة على إثباته بشكل منطقي وعلمي مدعوم بحقائق الأرقام والوقائع، أو ملتزمين بنظرية الصمت الأبدي كأفضل وسيلة للسلامة الشخصية.
 
امنحوا الثقة لمواطنيكم، وبخاصة لنخبة مختارة من حيث الإدراك والوعي والمصداقية والقدرة على تحمل المسؤولية، امنحوهم ثقة كافية ليمارسوا وطنيتهم في الدفاع عن مصالح الدولة والأمة بأسلوب عقلاني وعلمي.
 
فالوطنية والغيرة على مصالح الأمة ليستا حكراً على القيادة، تعلموا من عدوكم الذي أثبت أن الإنسان الحر والواثق من نفسه هو أكبر وأهم رأس مال واستثمار لخير الأمة، فالجميع شركاء في الوطن.

عليكم منذ اليوم تأسيس إستراتيجية عليا لخوض معارك النقاش مع العدو حيثما تجدونه في مؤسسات الفكر الدولية وفي وسائل الإعلام العالمية، عليكم إنشاء مراكز خاصة لتدريب وتخريج جيل جديد قادر ومؤهل ثقافياً ولغوياً لمواجهة متطلبات العصر الحديث وقادر على الدخول في معارك ساحات النقاش والمنتديات الدولية.
 
ونحن لسنا بحاجة إلى أكثر من أن نتسلح بالعزيمة والقرار للسير الجدي لملء هذا الفراغ الخطير، ثم بالدعم المالي الذي سيكون أقل بكثير من تكلفة دبابة أو طائرة عسكرية واحدة تقبع في مخازن السلاح دون استعمال حتى تهترئ، وإن استُعملت مات قائدها أحياناًَ.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة