ظاهرة العداء للفكر والمفكرين في أميركا وانعكاساتها   
الخميس 1426/11/22 هـ - الموافق 22/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)



















علاء بيومي

الجذور الأوروبية التاريخية للظاهرة
جذور العداء للفكر والمفكرين في أميركا
العداء للمفكرين المساندين للمسلمين والعرب بعد 11/9

من يتابع خطب الرؤساء الأميركيين يصعب عليه ألا يلاحظ مستوى البساطة والسطحية الفكرية الذي تتميز به تلك الخطابات، وهي ظاهرة رصدتها أبحاث علمية أميركية مختلفة مثل دراسة لباحث بجامعة أكسفورد الأميركية يدعى إيلفين ليم نشرها في مجلة أميركية أكاديمية هي فصلية الدراسات الرئاسية في يونيو/حزيران 2002 تحت عنوان "توجهات خمسة في الخطاب الرئاسي".

إيلفين ليم أبرز في دراسته ميل خطابات الرؤساء الأميركيين المتزايد لاستخدام اللغة الدارجة في خطاباتهم وللبعد عن استخدام المصطلحات القانونية أو الفكرية أو حتى اللغوية الصعبة، مشيرا بسخرية إلى وصف بلاغي استخدمه الرئيس جورج بوش الأب في أحد خطاباته عن الحرية، حيث قال إن "الحرية كطائرة ورقية جميلة يمكنها أن تذهب عاليا فأعلى مع النسيم".

باحثة أخرى تدعى دبره دي سيمون نشرت في مايو/أيار 2001 دراسة بعنوان "تبعات ديمقراطية المعرفة" في دورية تسمى "مدرس التاريخ"، تتحدث بتعجب عن سباق الرئاسة الأميركية عام 2000 بين الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش وآل غور مرشح الحزب الديمقراطي ونائب الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.

سبب العجب حرص حملة بوش على تصوير آل غور بأنه رجل ينتمي للنخبة الثقافية ويتحدث بلغة لا يفهمها الرجل العادي بعكس بوش الذي يتحدث بلغة ركيكة هي لغة المواطن الأميركي البسيط في حياته اليومية، وكأن الثقافة والفكر أصبحا تهمة أو عيبا!؟

المفارقة السابقة تدفعنا إلى الحديث عن ظاهرة في غاية الإثارة، وهي ظاهرة "العداء للفكر والمفكرين" بالمجتمع الأميركي.

فالمعروف أن المجتمع الأميركي بشكل خاص والمجتمعات الغربية بشكل عام مجتمعات مقبلة على العلم والتعلم بفعل انتشار المؤسسات العلمية والأكاديمية فيها وحرص أبنائها على التعلم والقراءة ومنجزات تلك المجتمعات العلمية والفكرية التي لا تنضب.

ولكن الثقافة والعقلية المجتمعية للمجتمعات قد لا تتميز بالعقلانية في بعض الأحيان، حيث تشير دراسات مختلفة إلى أن ظاهرة العداء للفكر والمفكرين ذات جذور داخل المجتمع الأميركي وفي معتقدات الطبقة الوسطى الأميركية، وهو أمر يستلزم الوعي بتلك الظاهرة، خاصة إذا علمنا أن مشاعر الخوف والقلق التي مر بها المجتمع الأميركي بعد أحداث 11/9 دفعت بعض النخب السياسية الانتهازية لاستغلال هذه الظاهرة في تأليب المجتمع الأميركي تجاه المسلمين والعرب، كما سنوضح خلال هذا المقال.

الجذور الأوروبية التاريخية للظاهرة
"
جذور الثقافة الأميركية عادة ما تعود إلى الثقافة الأوروبية وخاصة الإنجليزية منها, وبالذات في العصر الفيكتوري الذي تميز بعداء غريب للفكر والمفكر لأسباب ثلاثة اقتصادي وثقافي وديني
"
جذور الثقافة الأميركية عادة ما تعود إلى الثقافة الأوروبية وخاصة الإنجليزية منها، وهنا يجب أن تستوقفنا دراسة نشرت في يونيو/حزيران 1952 بدورية تدعى "جريدة تاريخ الأفكار" لكاتب يدعي والتر هيوتن تحت عنوان "العداء للفكر في العصر الفيكتوري"، في إشارة إلى الفترة من 1837 وحتى 1901 ببريطانيا وهي فترة حكم الملكة فيكتوريا والتي شهدت وصول الثورة الصناعية والقوة البريطانية ذروتيهما.

والتر هيوتن يقول إن العصر الفيكتوري الذي بني على منجزات عصر النهضة الفكرية الأوروبية تميز بعداء غريب للفكر والمفكرين لأسباب ثلاثة أساسية.

أول هذه الأسباب اقتصادي، حيث يرى هيوتن أن إنجازات الثورة الصناعية جعلت من العصر الفيكتوري عصر الآلات إذا صح التعبير، حيث ساد أبناء الطبقة المتوسطة شعور بالنمو السكاني والصناعي السريع وحاجتهم لأن يجدوا لأنفسهم ولأبنائهم مكانا في سوق العمل الأكثر تنافسية.

لذا ركز هؤلاء على التعليم والمهارات التي تمكنهم من العثور على مكان في سوق العمل الإنجليزية، ورأوا أن الفكر المفيد هو الفكر الذي يمكنهم من زيادة إنتاجية العمل الصناعي أو الزراعي أو التجاري أو غيرها من الأعمال ذات العائد المادي الواضح.

وبذلك أصبحت المنفعة المادية معيارا أساسيا للقيمة على مستويات حياتية مختلفة بما في ذلك المستوى الفكري، حتى أن البعض بدأ في النظر إلى رجال الفكر نظرة سلبية على أنهم رجال مسجونون وسط الكتب تقدم عليهم في الحياة أناس أقل معرفة ولكنهم أكثر انفتاحا وقدرة على الاستفادة من الظروف المحيطة بهم.

وبسبب هذه الضغوط أصبحت الثقافة والفكر السائدين عاملا ثانيا مساعدا على نشر ثقافة العداء للفكر والمفكرين في إنجلترا.

ويقول والتر هيوتن -على هذا الصعيد- إن العصر الفيكتوري تميز بكونه عصرا من التحولات الاجتماعية الفكرية الكبرى انتشرت خلاله مشاعر المساواة بين البشر، ما شجع الفرد العادي في ظل فترة التحولات الفكرية الكبرى على الشعور بأنه قادر على استخدام ذكائه الفطري للتفكير في أي قضية تواجهه وبعدم الحاجة إلى الفكر والمفكرين.

أكثر من ذلك بدأ الإنسان العادي ينظر إلى المثقف على أنه "منظر" لا يعرف كثيرا عن الحياة، وبهذا تشاركت الديمقراطية مع الثورة الصناعية في هزيمة الفكر والمفكرين.

السبب الثالث ديني ارتبط بصعود الحركات المسيحية الأصولية كرد فعل لظهور الفلسفة الإلحادية، حيث بدأت الجماعات المسيحية الأصولية –كالإنجليكيين مثلا- في النظر إلى الفكر على أنه شيء خطر، وبدأت تطالب الفرد بالبعد عن الفكر الفلسفي الذي يؤدي إلى الشك والإلحاد. وفي المقابل طالبت تلك الجماعات الفرد المؤمن بالارتباط عقيديا بالأفكار الدينية التقليدية والتركيز في حياته اليومية على العمل الجاد والشاق الذي يصرفه عن الانشغال بالفكر والتفلسف.

ولهذا رأى البعض أن هذا النوع من الفكر الديني الذي هاجر من أوروبا إلى أميركا مع هجرة الجماعات الأصولية إلى العالم الجديد بحثا عن الحرية الدينية، أسهم في بناء الحضارة الغربية المعاصرة لأنه أمدها برافد ثقافي قوي يدعم فكرة العمل الجاد الشاق كفضيلة دينية.

جذور العداء للفكر والمفكرين في أميركا
"
رغم حرص الأميركيين على تعليم أولادهم فإنهم نظروا تاريخيا نظرة سلبية للفكر والمفكرين وخاصة للتعليم العالي على أنه إهدار للوقت والموارد ولقدرة الفرد على التعلم من مدرسة الحياة، وهي المدرسة الأهم وفقا للثقافة الأميركية
"
يقودنا هذا الحديث إلى مناقشة جذور ظاهرة العداء للفكر والمفكرين داخل المجتمع الأميركي ذاته، وهنا تجب الإشارة إلى أحد أفضل الكتب التي ألفت بهذا الخصوص وهو كتاب كلاسيكي بعنوان "العداء للفكر في الحياة الأميركية" نشر لأول مرة عام 1962، وهو من تأليف ريتشارد هوستدتر وهو أحد أفضل من كتبوا عن تاريخ التعليم في الولايات المتحدة.

الكتاب يبدأ بالتفرقة بين الذكاء والفكر، حيث يرى هوستدتر أن الذكاء هو القدرة على استخدام العقل في سياق معين للسيطرة على هذا السياق وتحقيق أفضل النتائج الممكنة عن طريق استخدام الموارد المتاحة، أما الفكر فهدفه تقييم السياق ونقده وإعادة بنائه لأغراض بعيدة المدى غير آنية.

ويقول إنه رغم حرص الأميركيين على تعليم أولادهم فإنهم نظروا تاريخيا نظرة سلبية إلى الفكر والمفكرين وخاصة إلى التعليم العالي في العلوم الإنسانية على أنه إهدار للوقت والموارد ولقدرة الفرد على التعلم من مدرسة الحياة، وهي المدرسة الأهم وفقا للثقافة الأميركية.

ويفسر هوستدتر أسباب هذه الظاهرة بعوامل أربعة أساسية: أولها ديني إنجليكي يفصل بين التدين والفكر ويفضل رجل الدين الداعية على رجل الدين المفكر. وثانيهما ديمقراطي تاريخي يرتبط بالهجوم الذي تعرض له بعض الآباء المؤسسين للولايات المتحدة –مثل توماس جيفرسون– لكونهم مفكرين، حيث اتهمتهم بعض النخب التي عاصرتهم ورفضت قيام دولة أميركية موحدة بأنهم مفكرون لا يعرفون كثيرا عن الواقع ولا يفهمون السياسة وأمور الحكم، وقد سجل التاريخ والفكر السياسي الأميركي هذه الاتهامات، لذا ورث الأميركيون تاريخيا مفهوما للقيادة السياسية ينظر نظرة سلبية للأفكار الكبيرة وللقيادات السياسية التي تتحدث عن الفلسفة والنظريات.

العامل الثالث هو حقيقة كون أميركا بلدا كبيرا شاسعا كبيرا تطلب بناؤه التركيز على العمل الجاد الشاق من قبل أعداد كبيرة من الصناع والتجار والفلاحين والحرفيين، وقد نشر هؤلاء ثقافة شعبية جماهيرية ركزت على أهمية التعليم القادر على تزويد أبنائهم بالمهارات الأساسية اللازمة للعمل والإنتاج وليس أكثر من ذلك، لذا نظر هؤلاء إلى التعليم العالي والعلوم الإنسانية على أنها رفاهية ومضيعة للوقت.

العامل الرابع هو المؤسسات التعليمية الأميركية ذاتها التي -استجابةً لهذه الضغوط- أصبحت تقدم نفسها على أنها مؤسسات تعلم الأفراد المهارات اللازمة للنجاح في الحياة العملية، ما ساعد على تقليل قيمة الفكر والمفكرين في المجتمع الأميركي.

العداء للمفكرين المساندين للمسلمين والعرب بعد 11/9
"
استخدمت الشخصيات المتشددة شك الأميركيين التقليدي في الفكر والمفكرين لتحرض الرأي العام الأميركي على الكتاب المساندين للمسلمين والعرب بأميركا، الأمر الذي يحتم علينا الوعي بهذه الظاهرة والتعامل معها بموضوعية وأمانة
"
رغم كون ظاهرة العداء للفكر والمفكرين ظاهرة ثقافية داخلية في المجتمع الأميركي يصعب رصدها بسهولة من قبل المراقب الأجنبي، فإنها حية وقادرة على لعب دور شديد الخطورة كما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض المحللين رأوا أن هذه الظاهرة اكتسبت حياة خاصة خلال السنوات الأخيرة لأسباب مختلفة مثل صعود قوى اليمين –بما في ذلك الجماعات اليمينية المتدينة– وزيادة نفوذها وسيطرتها على مؤسسات السياسة والإعلام بالولايات المتحدة، وزيادة الانقسام الحزبي وحالة الاحتقان الأيدولوجي بين اليسار واليمين في أميركا كما ظهر في انتخابات عام 2004 التي شهدت مشاركة ملحوظة من قبل الناخب الأميركي كعلامة على ارتفاع مؤشر الصراع السياسي الأيدولوجي داخل المجتمع الأميركي.

وعادة ما يحلو لبعض القوى اليمينية بالولايات المتحدة تصوير اليسار الأميركي على أنه يخضع لسيطرة نخب ليبرالية فكرية متطرفة ومنعزلة عن المواطن الأميركي تسعى لفرض أجندة فكرية ليبرالية تهدف إلى تدمير معايير الثقافة الأميركية المحافظة وتعلي قيم التعددية وتراث الأقليات والمهاجرين بالولايات المتحدة على حساب الثقافة الأميركية السائدة.

أما على ساحة نظرة المواطن الأميركي للمسلمين والعرب خلال السنوات الأخيرة، فنجد أن بعض الكتاب شنوا هجوما واسعا على المفكر العربي الأميركي الراحل إدوارد سعيد، متهمين إياه بتضليل الرأي العام الأميركي بسبب كتاباته عن الاستشراق والتي تركز على نقد نظرة الغرب للشرق خاصة للعالمين العربي والإسلامي، حيث رأى أحد هؤلاء الكتاب ويدعى تشارلز باول فروند في مقال نشره في ديسمبر/كانون الأول 2001 في مجلة "العقل" واسعة الانتشار، أن فكر إدوارد سعيد بالغ في نقد الغرب لحساب الشرق ما أضعف قدرة الغرب على اكتشاف خطر الإرهاب والحيلولة دون وقوع أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وهي نفس الفكرة التي تناولها الكاتب مارتن كرايمر في كتابه الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2001 تحت عنوان "أبراج عاجية على الرمال.. فشل دراسات الشرق الأوسط في أميركا".

وتطبيقا لهذه الفكرة أطلق كاتب آخر مساند لإسرائيل وصديق لكرايمر وهو دانيال بايبس في سبتمبر/أيلول 2002 مشروع "مراقبة الحرم" لمراقبة أساتذة الجماعات الأميركيين المساندين للمسلمين والعرب وكتابة تقارير عنهم من قبل طلابهم، وهو مشروع وصفه كثير من المتابعين والكتاب بأنه عودة إلى المكارثية.

وقد استخدمت هذه الشخصيات المتشددة –والنخب المساندة لها- في جهودها السابقة شك الأميركيين التقليدي في الفكر والمفكرين لتحرض الرأي العام الأميركي على الكتاب المساندين للمسلمين والعرب بأميركا، الأمر الذي يحتم علينا الوعي بهذه الظاهرة والتعامل معها بموضوعية وأمانة وحذر.
_________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة