الإبادة الجماعية في رواندا.. بين المسؤولية المحلية والدولية   
الخميس 1428/11/27 هـ - الموافق 6/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:08 (مكة المكرمة)، 13:08 (غرينتش)
هيثم مناع

الخلفية التاريخية للمأساة
حدود المسؤولية الجنائية الدولية

في مارس 2004 نشرت صحيفة لوموند فحوى تقرير بروغير "قاضي الإرهاب" السيّئ السمعة، حول مقتل ثلاثة ملاحين فرنسيين في طائرة الرئيس الرواندي السابق، وهو حادث اتهم فيه الرئيس الرواندي كاغامي باغتيال سلفه قبيل الإبادة الجماعية.

لعل السلطات الفرنسية أرادت بهذا التسريب للصحيفة أن تستبق في الذكرى العاشرة لهذه التراجيديا، استعادة الأضواء حول الدور الفرنسي في الإبادة الجماعية في رواندا.

لم تكتف الحكومة الرواندية بالرد بعنف، بل أصدرت في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه قانونا حول تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في التورط الفرنسي في الإبادة الجماعية.

الشهادات أمام هذه اللجنة منذ أبريل/نيسان 2006 تؤكد التورط الفرنسي. فهل بات بالإمكان اليوم تحديد جملة معالم المسؤولية الجنائية المحلية والدولية في المأساة الرواندية؟

الخلفية التاريخية للمأساة
ترافقت سنوات التحرر الوطني في أفريقيا بولادة نخبة رواندية جديدة في صفوف الهوتو تطالب بإنهاء سلطة الأقلية التوتسية على البلاد وإعلان الجمهورية.

وقد كان "حزب حركة انعتاق الهوتو" (Parmehutu) الذي تأسس عام 1959 هو شكلها المنظم الأقوى. قام هذا الحزب بعدة مجازر للتوتسي أثناء ما سمي بـ"الثورة الاجتماعية الزراعية". الأمر الذي نجم عنه عزل الملك في 1961 وإبعاده عن البلاد وإعلان استقلال شكلي وقيام الجمهورية الأولى للهوتو عام 1962.

"
خلال العقد الأول للجمهورية ارتكبت مجازر عديدة وحدثت هجرات كبيرة متتابعة للتوتسي إلى بلدان الجوار، وتوجت اعتقالات ومجازر 1973 بانقلاب عسكري على يد وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا, الأمر الذي أدخل البلاد منظومة الحزب الواحد
"
خلال العقد الأول للجمهورية، ارتكبت مجازر عديدة وحدثت هجرات كبيرة متتابعة للتوتسي إلى بلدان الجوار. إلى أن توجت اعتقالات ومجازر 1973 بانقلاب عسكري على يد وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا.

الأمر الذي أدخل البلاد منظومة الحزب الواحد (الحركة الثورية القومية للتنمية) بدعم من الجيش والأمن واستفتاء من نمط 99% واتفاق للمساعدة العسكرية من فرنسا بدءا من 1975.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1982 قام الرئيس الرواندي بإبعاد 80 ألف رواندي لاجئ من التوتسي طردهم النظام الأوغندي. وفي هذا الشهر أيضا توجه الرئيس الفرنسي الاشتراكي ميتران إلى كيغالي لطمأنة الرئيس الرواندي باستمرار دعم فرنسا له.

بعد عام من ذلك جرى استقبال حافل لابنه جان كريستوف ميتران، وذلك في وقت تضج فيه تقارير منظمات حقوق الإنسان بالانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها نظام هابياريمانا.

ومع استمرار قمع المعارضة الداخلية، تشكلت عام 1988 الجبهة الوطنية الرواندية على أيدي عدد من اللاجئين والكوادر المتعلمة في الخارج من التوتسي.

وتبع ذلك في 8/1/1990 مظاهرات لنحو مائة ألف رواندي في كيغالي ضد الحكومة، ومظاهرات احتجاج في العاصمة ومدن أخرى. الأمر الذي استتبع حملة اعتقالات واسعة في البلاد.

لكن إثر الإعلان عن ولادة جناح عسكري للجبهة الوطنية الرواندية وتحركها بشمال البلاد، قامت القوات الرئاسية بمساعدة قوات المظليين الفرنسية بضرب هذا التحرك. مما أدى لاعتقال أكثر من عشرة آلاف توتسي ومعارض في العاصمة في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1990.

وفي 3 فبراير/شباط 1992، ووفق وثيقة للخارجية الفرنسية تولى قائد القوات الفرنسية شوليه وظيفتي مستشار رئيس الجمهورية ومستشار قائد أركان الجيش الرواندي. كما شكل في نفس العام الحزب الحاكم مليشيات أنتيراهامو من شبيبة الهوتو التي ارتكبت مجازر بحق التوتسي في منطقة غيزني.

لقد دقت عدة بعثات دولية ناقوس الخطر. ففي يناير/كانون الثاني 1993، وبتكليف من هيومن رايتس ووتش والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والاتحاد الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمركز الدولي لحقوق الأشخاص وتنمية الديمقراطية، وصلت بعثة دولية إلى رواندا.

التقرير الذي أصدرته البعثة تم إرسال نسخة منه للرئيس الفرنسي، وهو يتحدث عن وقوع مجازر بحق التوتسي كانت السلطات تنفي وقوعها. وتوصلت بعثة التحقيق لاستنتاج أساسي هو أن المجازر التي وقعت بين 1990 و1993 ليست ابنة الصدفة أو التلقائية، بدءا من الإذاعة والمناشير إلى فرق الموت.

ويخلص التقرير إلى القول: "فيما يتعلق بالدولة الرواندية، توصلت البعثة الدولية إلى الاستنتاج بأن انتهاكات حقوق الإنسان جسيمة ومنهجية وهي تستهدف بشكل متعمد إثنية محددة، إضافة إلى المعارضة السياسية بشكل عام" (ص 95). كما يطرح السؤال حول الإبادة الجماعية قبل أكثر من عام (ص 49).

لمواجهة هذه التطورات الخطيرة تم توقيع اتفاقيات أروشا بين الحكومة والجبهة الوطنية الرواندية في 4 أغسطس/آب 1993. وهي تنص على إدماج قوات الجبهة في الجيش وإعطاء مناصب وزارية للمعارضة.

لكن مجموعة الرئيس الرواندي المعروفة بـ" Hutu Power" رفضت الاتفاقية، والحكومة الفرنسية استمرت من جهتها في التسليح والتدريب في بلد ينذر الوضع فيه بالإبادة الجماعية.

يذكر باتريك دو سانت أكزيبيري في كتابه "ما لا يصرّح به" شحنات السلاح الفرنسية المقدمة للجيش الرواندي في 1991، 1992، 1993. وأخيرا في معمعان الإبادة الجماعية بين 19 أبريل/نيسان و18 يوليو/تموز تم إيصال ست شحنات من الأسلحة بقيمة 5454395 دولارا!

"
توصلت البعثة الدولية في رواندا إلى الاستنتاج بأن انتهاكات حقوق الإنسان كانت جسيمة ومنهجية وهي تستهدف بشكل متعمد إثنية محددة، إضافة إلى المعارضة السياسية بشكل عام
"
وفق الفقيد جان بول غوتو مؤلف كتاب "الليلة الرواندية"، سمحت المساعدات الفرنسية بتحويل القوات المسلحة الرواندية من 5300 عنصر إلى قرابة خمسين ألف تكفلت فرنسا بتسليحهم وتدريبهم واحتياجاتهم.

وحسب أندريه ميشيل أوسونغو مؤلف "عدالة في أروشا"، "صرفت الحكومة الرواندية لشراء السلاح بين أكتوبر/تشرين الأول 1990 وأبريل/نيسان 1994 قرابة 100 مليون دولار".

بعد انسحاب القوات الفرنسية في نهاية 1993 من رواندا، وصلت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة هذا البلد، الذي أصبح في يناير 1994 عضوا غير دائم في مجلس الأمن، يعاني من وصول اتفاقيات أروشا لطريق مسدود بسبب المتشددين الهوتو.

في 6 أبريل/نيسان 1994 قُصفت الطائرة التي تقل الرئيس الرواندي وقُتل كل من على متنها. وفي أقل من 24 ساعة بدأت عمليات قتل واسعة للتوتسي في العاصمة كيغالي وارتكاب مجازر في أبرشيات خمسة مدن رواندية.

بعد أسبوع من المجازر تبدأ عملية (آماريليس) لإخلاء 1238 من الرعايا الغربيين منهم 454 من الفرنسيين. كذلك تسحب الحكومة البلجيكية قواتها من بعثة مساعدة الأمم المتحدة. أما مجلس الأمن فيخفض عدد القوات الأممية من 2500 إلى 270 رغم كل نداءات قائدها روميو دالير لتعزيزها.

في 23 يونيو/حزيران تباشر فرنسا عملية توركواز أي الممر "الإنساني" الفرنسي الذي ساهم في هرب آلاف المشاركين في المجازر من الهوتو.

وفي 4 يوليو/تموز تسقط العاصمة بيد الجبهة الوطنية الرواندية كما يتفكك الجيش وتهرب المليشيات نحو معسكرات اللاجئين والدول المجاورة.

أما مجلس الأمن فيتبنى في 3 أكتوبر/تشرين الأول تقريرا يسمي بالإبادة الجماعية المجازر التي تعرض لها التوتسي في رواندا. تبع ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني تشكيل المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.

لكن بالرغم من ميزانية سنوية تزيد عن 100 مليون دولار وأكثر من 800 موظف وستة عشر قاضيا، لم يصدر عن المحكمة حتى أبريل/نيسان 2006 سوى 24 إدانة قضائية وثلاثة أحكام بإطلاق السراح، علما بأن مدتها الزمنية تنتهي في 2008.

حدود المسؤولية الجنائية الدولية
"
ليس ثمة كروموزوم يسمى الرغبة في القتل عند أي شعب أو مجموعة من البشر، لكن هناك إيديولوجيات تعبوية تصنع الموت وتجعل من صناعته إستراتيجية للسلطة, ويمكن لأيدولوجيات كهذه أن تجتاح الكنيسة كما يمكن أن تتغلغل في أكثر النخب علمانية
"
لم يكن بالإمكان أن نصل إلى الإبادة الجماعية لولا اجتماع أربعة عوامل أساسية سنتعرض للأول والثاني منها في هذا المقال:

- خلق حالة استعداد لقتل جماعة إثنية.
- الدعم الذي تلقته السلطة العنصرية من فرنسا.
- الغطاء الذي قدمته الكنيسة الكاثوليكية.
- فشل الأمم المتحدة بشكل مفجع في التصدي للمأساة.

بالنسبة للعامل الأول وهو الإنتاج الجماعي للقتل, فإن أكثر من 800 ألف ضحية قضت خلال قرابة مائة يوم، أي بمعدل خمسة قتلى كل دقيقة

آخر إبادة جماعية في القرن العشرين حملت صورا فظيعة للموت والحقد والقتل من السلاح الأبيض إلى الأسلحة الحديثة الفتاكة. شارك في المأساة أكثر من ربع مليون شخص، من القتل بالساطور دون تمييز في العمر أو الجنس إلى الاغتصاب والنهب والسرقة وقطع الأعضاء.

ليس ثمة كروموزوم يسمى الرغبة في القتل عند أي شعب أو مجموعة من البشر. لكن هناك إيديولوجيات تعبوية تصنع الموت وتجعل من صناعته إستراتيجية للسلطة, ويمكن لإيديولوجيات كهذه أن تجتاح الكنيسة كما يمكن أن تتغلغل في أكثر النخب علمانية.

الدعاية التحقيرية للآخر بدأت تأخذ مكانها في الإعلام والتنظيمات التابعة للحزب الحاكم ومليشياته. ولم يجد الفرنسيون غضاضة في التعايش مع هذا الخطاب الذي يهاجم النخب المعارضة (التوتسية) التي ترفض النفوذ الفرنسي.

كان مبدأ المشاركة الجماعية في قتل العدو دون توزيع السلاح وراء الفكرة الجهنمية لشراء 500 ألف ساطور في أقل من عامين وتوزيعها على الفلاحين الهوتو قبيل الإبادة الجماعية.

أما بالنسبة للعامل الثاني وهو الدعم العسكري السياسي الفرنسي فإن "العدد الأكبر من القتلى مات بالساطور ولم يمت بالسلاح الفرنسي"، يقول ضابط سابق في كتاب خصصه لرفع المسؤولية عن فرنسا فيما جرى في رواندا.

لكن مسؤول خلية أفريقيا برونو ديلاي يجيب صحيفة فيغارو في 12/1/1998 حول استقبال الإليزيه ورئيس الوزراء وفد الحكومة التي قامت بالإبادة في 27 أبريل/نيسان 1994: "لقد استقبلت في مكتبي 400 مجرم و2000 تاجر مخدرات، لا يمكن إلا أن نلطخ أيدينا في العمل مع أفريقيا". "في بلدان كهذه، الإبادة الجماعية ليست مسألة مهمة جدا"، يقول الرئيس الفرنسي ميتران لأحد مقربيه.

لعل هذه الاستشهادات الثلاثة تلخص منهج التفكير الرسمي الفرنسي في كل ما يتعلق بالملف الأفريقي بشكل عام، والإبادة الجماعية في رواندا بشكل خاص.

فكما لاحظنا في اللمحة التاريخية السريعة، السياسة المتبعة التي غطاها الدعم الفرنسي تقود إلى المجازر والدمار. وعندما وقعت الواقعة تكفل رئيس البعثة الفرنسية في نيويورك بتحديد مدة اختصاص المحكمة الجنائية الخاصة برواندا: "تبدأ صلاحيات المحكمة في الأول من يناير/كانون الثاني 1994 وتنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول من نفس العام".

واشترطت فرنسا أن لا يكون القرار 978 لمجلس الأمن بتسليم المسؤولين عن الإبادة الجماعية ملزما. وثمة تواطؤ فرنسي رسمي على قسم هام من الأرشيف المتعلق بالموضوع.

إثر اجتماع بين الرئيس شيراك ورئيس الوزراء جوسبان، أعلنت الجمعية العامة الفرنسية في 3/3/1998 عن تشكيل "لجنة معلومات برلمانية" يرأسها بول كيليس وزير الدفاع السابق، من أجل "فهم ما حدث".

احتجت المنظمات غير الحكومية على هذا الاختزال لقضية تورطت فيها قمة السلطة السياسية في فرنسا. وقد لخصت فرانسواز بوشيه سولنيه من "أطباء بلا حدود" الموقف بقولها: "في قضية بهذه الخطورة، إن لم تكن القواعد محددة منذ البدء، من الوهم أن نتصور أية فعالية لهذه اللجنة". لم يكن لدينا أية أوهام منذ اليوم الأول لتشكيل اللجنة، ولذا لم نستغرب أن تكون نتيجة التقرير في ديسمبر/كانون الأول أن "فرنسا غير مورطة بأي شكل من الأشكال في المأساة الرواندية"!

"
حتى في حال عدم ثبوت الأدلة على تورط مباشر لفرنسا في تحضير الأرضية المنتجة للقتل الجماعي، أليس عدم تقديم المساعدة لشعب يتعرض للإبادة الجماعية جريمة في العرف والقانون الدوليين؟
"
لعل بعثات التحقيق والأبحاث المستقلة التي تلت ذلك، هي التي أعادت الموضوع إلى السطح. وكان للذكرى العاشرة للمأساة الرواندية أن تعيد النقاش رغم صخب الأوضاع الدولية.

لكن الخطاب الرسمي الفرنسي لم يتغير. وقد استعمل رئيس الوزراء دوفيلبان تعبير "إبادات" الشائع على لسان الرسميين الفرنسيين، الذين يعتبرون المجازر التي ارتكبتها الجبهة الوطنية الرواندية إبادة جماعية بحق الهوتو.

ذلك لتبرير تعاون السلطات الفرنسية ودعمها للسلطة السياسية التي وضعت البنية التحتية لحدوث الإبادة الجماعية للتوتسي. بجملة وضع كوفي أنان في 1999 الجميع أمام حقيقتهم: "لا يستطيع أحد في مجلس الأمن أن يدّعي أنه لا يعرف ما كان يحصل في رواندا أثناء الإبادة الجماعية من أبريل/نيسان إلى يوليو/تموز 1994".

لا شك في أن لجنة تحقيق دولية مستقلة، هي الشكل الأمثل لتحديد المسؤولية الفرنسية بعد تقليم صلاحيات المحكمة الدولية وشكلية لجنة المعلومات الفرنسية والطابع الردّي للجنة التي شكلتها الحكومة الرواندية الحالية.

لكن حتى في حال عدم ثبوت الأدلة على تورط مباشر لفرنسا في تحضير الأرضية المنتجة للقتل الجماعي، أليس عدم تقديم المساعدة لشعب يتعرض للإبادة الجماعية جريمة في العرف والقانون الدوليين؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة