المرأة السعودية في الحوار الوطني وما بعده   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ جعفر الشايب

انطلقت في الفترة ما بين 12-14 من يونيو/حزيران فعاليات المؤتمر الثالث للقاء الفكري للحوار الوطني في السعودية والذي كان تحت عنوان "المرأة حقوقها وواجباتها وعلاقة التعليم بذلك"، حيث عقد في المدينة المنورة ودعي له سبعون مشاركا نصفهم من النساء استمعوا لثمانية عشر بحثا تتعلق بالقضايا المرتبطة بوضع المرأة السعودية من ناحية ظروف وقوانين العمل وأوضاع الأسرة والشؤون التربوية والوضع الاجتماعي.

ويأتي انعقاد هذا اللقاء على إثر مؤتمرين سابقين عقدا لغرض تعزيز الحوار الوطني بين فئات ومكونات المجتمع السعودي، الأول كان في الرياض في الفترة ما بين 15-18/6/2003م ودعي إليه 35 شخصية دينية وعلمية من مختلف المدارس المذهبية في المملكة مستثنيا المرأة والاتجاه الليبرالي، وتركز على محورين هما: الوحدة الوطنية وأثر العلماء فيها، وأثر فهم العلاقات والمواثيق الدولية على الوحدة الوطنية، وقدم هذا اللقاء توصيات خلصت إلى ضرورة تأكيد وجود الاختلاف والتنوع كحالة طبيعية في المجتمع وإلى أهمية الإقرار بهذا التنوع الفكري والاختلاف المذهبي.

أما اللقاء الثاني فقد عقد في مكة المكرمة في الفترة ما بين 27-31/12/2003م ودعي إليه 60 مشاركا بينهم عشر نساء شملوا جميع الاتجاهات المختلفة في المجتمع السعودي وكان موضوعه "الغلو والاعتدال: رؤية منهجية شاملة"، وانتهى إلى توصيات قيمة جدا لمعالجة هذه الأزمة وتداعياتها، من بينها الدعوة إلى الوسطية والتسامح وإجراء دراسات وافية حول ظاهرة العنف والتطرف والغلو.

وبسبب الظروف الخاصة التي تعيشها المملكة في هذه المرحلة نتيجة لتفاعلات العمليات الإرهابية وامتدادها إلى مختلف المناطق والمدن وانشغال المواطنين بمتابعة هذه الأحداث، فقد أثر ذلك على التفاعل الاجتماعي مع هذا اللقاء على الرغم من حساسية مناقشة موضوع المرأة في المجتمع السعودي وكونه أكثر المواضيع التي تنال الاهتمام على مختلف الأصعدة.


عمل المحافظون على تغييب أي دور للمرأة السعودية في الشأن العام, في حين طالبت الاتجاهات الليبرالية والإسلامية المعتدلة بحقوق واسعة تمكنها من المشاركة بفاعلية في عملية التنمية
لقد أضحى هذا الموضوع حدا فاصلا بين الاتجاهات الفكرية المختلفة في المجتمع السعودي حيث يمكن تصنيفها من خلال مواقفها من قضايا المرأة وحقوقها العامة.

فالاتجاهات الدينية المحافظة عملت على تغييب أي دور للمرأة السعودية في الشأن العام، وحصرت اهتماماتها في مجالات ضيقة اقتصرت على قضايا البيت والأسرة، مع أن هذه التيارات اضطرت مجبرة بسبب التطورات الاجتماعية في سنوات الطفرة الاقتصادية إلى القبول بهامش أوسع بعض الشيء للمرأة كالالتحاق بالسلك التعليمي والصحي مع وضع ضوابط وقيود كثيرة على حركتها.

وفي المقابل عملت الاتجاهات الليبرالية والإسلامية المعتدلة على المطالبة بحقوق واسعة للمرأة السعودية، لتمكنها من خلالها المساهمة في مشاريع التنمية التي تتبناها الدولة والعمل بفاعلية لتعويض الخلل في تركيبة سوق العمل السعودي، حيث يمكن الاستعاضة عن أعداد كبيرة من العمالة الوافدة في مستويات مختلفة عبر إحلال الكادر النسوي المؤهل مكانها.

وتدعو هذه التيارات إلى تمكين المرأة من أداء دور حقيقي واسع عبر سن تشريعات وأنظمة تحفظ حقوق المرأة وتحميها من الانتهاكات القائمة، بل وتسهل الطريق أمام مشاركتها الحقيقية في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية.

وقد اتخذت الحكومة السعودية أخيرا مجموعة إجراءات في هذا الاتجاه، حيث أعلنت وزارة الخارجية بادرة لتعيين نساء في السلك الدبلوماسي تلتها موافقة مجلس الشورى السعودي أخيرا على تعديل قوانين التجنيس بحيث أعطى المرأة حقا مستقلا في القرار بعيدا عن وضع الزوج.

وأخيرا أصدر مجلس الوزراء السعودي مجموعة أنظمة وتشريعات تعتبر محفزة لعمل المرأة واستقلاليتها الاقتصادية، حيث أقر السماح لها بفتح السجلات التجارية الخاصة بها والتي كانت حكرا على الرجال أو على من توكله النساء، وبالتالي إمكانية قيامها بمختلف الأنشطة والأعمال التجارية بصورة مستقلة.

أمام هذه التحولات المتباينة جاء انعقاد المؤتمر الأخير الذي -كما كان متوقعا- شهد صراعا مفتوحا بين تيارين متجذرين واتجاهين مختلفين كانت ضحيته المرأة وحقوقها المهدرة، لقد كان واضحا منذ أن تم الإعلان عن أسماء المشاركين في المؤتمر أن هيمنة التيار المحافظ ستلقي بظلالها على المناقشات التي ستدور في المؤتمر وعلى النتائج والتوصيات التي سيخرج بها.

بل إن الإجراءات والتعبئة التي سادت الأجواء كان لها أبرز الأثر في تحديد مسار اللقاء، والدفع به إلى أحضان المواقف المحافظة. فقد أصدر مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني الذي يرعى اللقاء -قبل المؤتمر بأيام قليلة ولأول مرة - بيانا حول منهجية الحوار في اللقاء حدد فيها مرجعية الحوار في القرآن والسنة النبوية داعيا إلى عدم التعميم في الأحكام والنتائج.

وهي ذات التوجيهات التي أشار إليها إمام الحرم المكي الدكتور سعود الشريم في خطبة الجمعة التي سبقت اللقاء والتي دعا فيها المشاركين إلى ضرورة التقيد بتعاليم الكتاب والسنة لدى مناقشة حقوق المرأة وما يتصل بها من مواضيع.

وقبيل اللقاء تم توزيع وثيقة أصدرتها مجموعة من رموز التيار الديني في السعودية بعنوان "حقوق المرأة المسلمة وواجباتها" وهي عبارة عن تأصيل شرعي لهذا الموضوع يقدم رؤية منهجية محافظة، داعية إلى التركيز على مفهوم العدالة بديلا عن المساواة بين الرجل والمرأة.

كما أصدرت 32 امرأة من أهالي المدينة المنورة (مكان انعقاد المؤتمر) بيانا محافظا حول قضايا المرأة تم توزيعه على المشاركين دعوهم فيه إلى مراعاة الحدود الشرعية في مناقشاتهم وعدم الانسياق وراء الدعوات الغربية، كما دعيت لحضور اللقاء شخصيتان من هيئة كبار العلماء المعروفة بموقفها المتشدد إزاء هذه القضية.


الإجراءات والتعبئة التي سادت أجواء اللقاء كان لها أبرز الأثر في تحديد مساره، والدفع به إلى أحضان المواقف المحافظة, لذلك جاءت التوصيات مخيبة للآمال مقارنة باللقاءين السابقين
هذه الأجواء التعبوية ساهمت في تحديد سقف المناقشات والحوار الذي دار في اللقاء، وجعلته أقل بكثير مما سعت إليه الحكومة عندما أقرت التشريعات الأخيرة بخصوص عمل المرأة، فتنادى بعض المجتمعين إلى الحد من مشاركة المرأة في العمل والمحافظة على هذه الأمانة الثمينة بحصر دورها على تربية الأولاد وبقائها في بيتها.

وأثارت بعض التصريحات الإقصائية المتشددة حالة من التخوف والهلع لاستمرار هذا التوجه المنغلق والمتعصب الذي يسعى إلى مصادرة حق المرأة وغيرها من فئات المجتمع وقمعها.

وعلى الرغم من قيام بعض المشاركين والباحثين بتقديم مداخلات ودراسات جريئة حول وضع المرأة السعودية دعت إلى المساواة بين المرأة والرجل في حقوق العمل كالتقاعد والدوام الجزئي وإزالة التمييز لتوظيف الكوادر النسائية، والحد من عوائق الاستثمار في المجال التجاري والدعوة إلى الحد من حالات العنف الأسري وفك الارتباط بين ما هو شرعي وعادات المجتمع، فإن التوصيات التي انتهى إليها اللقاء جاءت مخيبة للآمال مقارنة باللقاءين السابقين، حيث أعادت هذه التوصيات قضية المرأة إلى المربع الأول ولم تتمكن من تطوير الطرح والمعالجة لهذا الموضوع الشائك.

والخلاصة أن الكثير من المتابعين والمهتمين بهذه القضية لم يعلقوا آمالا كبيرة على هذا اللقاء بسبب الأجواء التي سبقته والنتائج التي توصل إليها، إضافة إلى عدم وضع آلية مناسبة لمتابعة وتنفيذ توصيات اللقاءات السابقة مع أهميتها القصوى على الصعيد الاجتماعي والسياسي.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو أين تكمن المشكلة في معالجة قضية المرأة السعودية؟ أهي السياسة، أم المجتمع، أم هما معا؟

لقد أتاح الوضع الاجتماعي -وإلى عهد قريب- للمرأة تفاعلا وحضورا في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وكان حضورها فاعلا على مختلف الأصعدة حيث كانت تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل وتشاركه في مختلف المهن والأعمال القائمة بكل حشمة وكرامة، كما أن بساطة العلاقات الأسرية والفهم الفطري والمبسط للتدين ساهما في إعطاء المرأة في المجتمع السعودي هامشا واسعا ودورا طبيعيا لممارسة فاعليتها بشكل كبير.

ومع بداية مراحل الانفتاح في المجتمع السعودي وطرح قضية التعليم النظامي للمرأة برزت هذه المشكلة بشكل كبير يعكس التناقض بين رغبة الحكومة في فتح المجال أمام تعليم المرأة وبين الموقف الديني السلفي المحافظ الذي كان يرى بروز مفاسد محتملة من مثل هذه الخطوة، وتم التوصل إلى حل وسط يعطي المؤسسة الدينية صلاحية الإشراف على جميع مفردات العملية التربوية النسائية وفصلها عن تعليم الأولاد، وتكررت الحلول الوسطية مع وضع صورة المرأة في الجواز، وعمل المرأة في مهن محددة وتحت شروط معينة.

ومع التطور الاجتماعي الكبير الذي مرت به المملكة نتيجة الطفرة الاقتصادية منذ السبعينيات، نما في المقابل التيار الديني المحافظ الذي ازدادت هيمنته على مختلف مرافق الحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي.

وعلى الرغم من تقدم وضع المرأة تعليميا ووجود فرص وظيفية واسعة لها في مجالات عديدة فإن الثقافة التي سادت في المجتمع أعادت طرح النظرة القاصرة لدور المرأة وساهمت في تهميش دورها الحيوي في المشاركة في مشاريع التنمية بل تكريس النظرة السلبية للمرأة بصورة أسوأ مما كانت عليه في العقود السابقة.

عند دراسة هذه القضية الحساسة إذن لا يمكن إغفال البعد الثقافي المستند إلى بعض الاجتهادات المحافظة في تفسير الرأي الديني في هذا الموضوع وتأثيره في رسم الصورة النمطية للمرأة ودورها الهامشي في المجتمع، حيث ربطت موضوع مشاركة المرأة ومساواتها مع الرجل بدعوات التحلل الأخلاقي في الغرب والانسياق خلفها والخروج عن الأعراف الاجتماعية والضوابط الشرعية.

بل إن هذه النظرة الضيقة لم تتمكن من معالجة الآثار والمشاكل الاجتماعية التي نتجت عن التحولات التنموية في المملكة بسبب غياب الشفافية في طرق المواضيع المتعلقة بالمرأة والأسرة ومشاكلها.


رغم بعض الملاحظات التي قد تؤخذ على اللقاء فإنه ساهم في طرح الموضوع بصورة يمكن التأسيس عليها لمناقشات مستقبلية بين مختلف فئات ومكونات المجتمع السعودي من أجل بلورة رؤية واقعية
أمام هذه الوضعية المعقدة -التي تأزمت في العقود الأخيرة- لابد إذن من دور فاعل في صناعة القرار ليس فقط في سن التشريعات المناسبة بل في متابعة تنفيذها وتطوير الآليات التي من شأنها المساهمة في معالجة هذه الإشكالية القائمة، ومن بينها إتاحة الفرصة أمام الكتابات التي تعالج هذا الموضوع برؤية منفتحة وعدم الاقتصار على رأي أحادي محدد، ودراسة تجارب مشاركة المرأة في الشأن العام في المجتمعات القريبة والمجاورة، والسماح بتشكيل جمعيات أهلية نسائية للدفاع عن حقوق المرأة وقضاياها، وتأسيس مراكز أبحاث ودراسات اجتماعية حول قضايا المرأة، وإنشاء مجلس أعلى للمرأة في السعودية، وتذليل العقبات أمام مشاركة المرأة في مجالات التنمية ومشاريعها.

موضوع المرأة -الذي حاول اللقاء الوطني للحوار الفكري الثالث طرحه بهذه الصورة الموسعة- لاشك أنه فتح الباب واسعا أمام مناقشات ودراسات لا تخلو من الجدية في هذا المجال، وعلى الرغم من بعض الملاحظات التي قد تؤخذ عليه، فإنه ساهم في طرح هذا الموضوع الحساس والمفصلي بصورة يمكن التأسيس عليها لمناقشات مستقبلية بين مختلف فئات ومكونات المجتمع السعودي من أجل بلورة رؤية واقعية متوازنة حول قضية المرأة.

من المؤمل أن تسهم هذه الحوارات الفكرية المتكررة بين النخب الثقافية والدينية السعودية بأطيافها المختلفة رغم التباين بينها في تعزيز حالة التواصل والانفتاح بينها، وبالتالي التقريب بين وجهات النظر والتوافق على حدود دنيا من التعاون والتفاهم بينها. وقد يكون هذا أهم إنجاز يحققه الحوار الوطني بعيدا عن نتائجه وتوصياته الأخرى التي قد لا تجد النور إلى التطبيق في الزمن المنظور.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة