بوروندي.. ماذا بعد الانتخابات؟   
الثلاثاء 1436/10/19 هـ - الموافق 4/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:20 (مكة المكرمة)، 14:20 (غرينتش)
بدر حسن شافعي

بين الإثني والسياسي
الموقف الخارجي
سيناريوهات المستقبل

رغم كل التحذيرات والمناشدات الإقليمية والدولية والمقاطعة الداخلية، أجريت الانتخابات الرئاسية في بوروندي يوم 21 يوليو/تموز الجاري بعد تأجيل لأكثر من شهر، حيث أصرت الحكومة على إجرائها وإعلان نتيجتها قبل انتهاء المدة الدستورية للرئيس بيار نكورونزيزا يوم 26 أغسطس/آب المقبل حتى لا يكون هناك فراغ دستوري من وجهة نظرها.

وبالطبع فاز بها الرئيس بعد انسحاب معظم المرشحين أمامه احتجاجا على إصراره على الترشح رغم عدم دستورية ذلك من وجهة نظرهم، تماما كما فاز حزبه "المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية" بـ77% من مقاعد البرلمان في الانتخابات التي أجريت يوم 29 يونيو/حزيران الماضي وسط مقاطعة كبيرة لها أيضا.

يلاحظ أن هناك انقساما داخل الجيش الذي قاد فريق منه محاولة انقلابية، مقابل فريق آخر هو الذي أعاد الرئيس بعد يوم واحد فقط من المحاولة، وبالتالي فقد فضل التزام الحياد في أزمة الترشح، وإن كانت حالة الانقسام فيه غير خافية

ومعنى هذا أن الحزب الحاكم بات يهيمن على المؤسستين التنفيذية والتشريعية، بما يضمن له نظريا حالة من الانسجام السياسي بين المؤسستين. لكن من الواضح أن هذا الاستنتاج ربما يكون صحيحا حال إجراء الانتخابات في ظروف ديمقراطية وبصورة شفافة، لكن كونها تمت في ظل مقاطعة إقليمية ودولية، فضلا عن أجواء القمع التي مارستها قوات الشرطة تحديدا ضد المعارضين، والتي وصلت حد استخدام الرصاص الحي والأسلحة المتطورة لمنع مظاهراتهم.

كل هذا يجعل من المنطقي التساؤل عما إذا كانت الانتخابات ستؤدي إلى حدوث حالة من الاستقرار السياسي في البلاد، أم إلى حالة من العنف ربما لم تنفك عنها البلاد طيلة عشرية كاملة من الحرب الأهلية (1996-2005) بين الإثنيتين الكبيرتين في البلاد: الهوتو الذين يشكلون 84% من إجمالي السكان، والتوتسي الذين يشكلون 15% فقط.

بين الإثني والسياسي
تعود بداية الأزمة الأخيرة في البلاد إلى أبريل/نيسان الماضي عندما أعلن الحزب الحاكم ترشيح الرئيس في الانتخابات الرئاسية على اعتبار أن هذه هي الدورة الثانية له بموجب المادة 96 من الدستور والتي تنص على الانتخاب المباشر للرئيس، وبالتالي فإن الدورة الأولى عام 2000 ليست محسوبة لأنه لم ينتخب من الشعب مباشرة ولكن من قبل البرلمان، بينما تشكل انتخابات 2005 الدورة الأولى، وهو ما استندت إليه المحكمة الدستورية التي قضت بأن ترشحه لولاية ثالثة "لا ينتهك الدستور".

في المقابل رفضت المعارضة هذا الترشيح لمخالفته البند السابع من الدستور الذي ينص على أن كلمة الفصل تعود إلى الشعب، سواء عبر ممثليه في البرلمان أو الانتخاب المباشر، ويرون أن توليه الحكم عام 2005 هو ولايته الثانية.

ولقد تعمقت الأزمة منذ ذلك الوقت بعد تنظيم قوى المعارضة مظاهرات في مختلف أنحاء البلاد اعتراضا على ترشح الرئيس، وقد قابلتها الشرطة بعنف شديد أسفر عن سقوط المئات بين قتيل وجريح.

في هذه الأثناء وخلال تواجد الرئيس في تنزانيا للتباحث الإقليمي حول هذه الأزمة، وقعت محاولة انقلاب فاشلة ضده كانت مؤشرا على وجود حالة من الانقسام السياسي وليس الإثني هذه المرة في البلاد، وأن الخلاف لا يتعلق بتوزيع الحصص السياسية بين الإثنيتين كما كان الحال منذ استقلال البلاد عام 1962، ولكن الخلاف هذه المرة حول ترشح الرئيس لولاية ثالثة، أي أن الخلاف حول قضية سياسية تنقسم بشأنها الإثنية الواحدة، وربما تكون هذه ظاهرة جديدة في البلاد لها ما بعدها.

فالفريق المعارض لترشح الرئيس ضم منافسه في الانتخابات أغاثون رواسا (هوتو) (قائد أحد أجنحة جبهة التحرير الوطنية التي لا تحظى باعتراف السلطات)، وألكسيس سيندوهيج (توتسي) رئيس حزب الحركة من أجل التضامن، وجون ميناني (هوتو) رئيس حزب الجبهة من أجل الديمقراطية ببوروندي (معارضة)، فضلا عن الكنيسة الكاثوليكية ومنظمات المجتمع المدني.
الانقسام السياسي القائم حاليا قد يجعل الأزمة أقل حدة من أزمة العشرية السوداء التي قامت على أساس إثني، وإن كان هناك من يرى أنها لا تقل عنها خطورة نظرا لتعمق الانقسام السياسي في مؤسسات البلاد

وفي المقابل ضم الفريق المؤيد لترشحه وزير الداخلية إدوارد ندوويمانا (توتسي) وبورسبير بازومبانزا (توتسي) النائب الأول لرئيس الجمهورية، والمستشار الأول للرئاسة ويلي نياميتوي (هوتو)، ورئيس الحزب الرئاسي باسكال نيابيندا (هوتو)، فضلا عن حزب أوبرونا ذي الأغلبية التوتسية والذي يعد حليف الحزب الحاكم في إدارة البلاد منذ مشاركته في انتخابات 2005 سعيا للحفاظ على موقعه في السلطة حسب ما ينص عليه اتفاق أروشا.

وبالنسبة للجيش والمؤسسة الأمنية، يلاحظ أن هناك انقساما -وإن لم يكن ظاهرا بوضوح- داخل الجيش الذي قاد فريق منه محاولة انقلاب في مايو/أيار الماضي، مقابل فريق آخر هو الذي أعاد الرئيس بعد يوم واحد فقط من المحاولة، وبالتالي فقد فضل الجيش التزام الحياد في أزمة الترشح، وإن كانت حالة الانقسام فيه غير خافية.

أما مؤسسة الشرطة، فهي منحازة بصورة كبيرة إلى الرئيس، كما ظهر في قمعها العنيف لمظاهرات المعارضة.

هذا الانقسام السياسي قد يجعل الأزمة أقل حدة من أزمة العشرية السوداء التي قامت على أساس إثني، وإن كان هناك من يرى أنها لا تقل عنها خطورة نظرا لتعمق الانقسام السياسي في مؤسسات البلاد.

الموقف الخارجي
يمكن القول إن الموقف الخارجي -سواء الإقليمي أو الدولي- ساهم بصورة أو بأخرى في استمرار الأزمة الراهنة، وإصرار الرئيس ليس فقط على الترشح، ولكن على إجراء الانتخابات وعدم تأجيلها، وذلك بسبب عدم اتخاذ إجراءات قوية ضده، بل كان التركيز الإقليمي تحديدا على إرجاء الانتخابات بحيث لا تتجاوز المدة الدستورية المقررة يوم 26 أغسطس/آب المقبل دون التطرق إلى أساس المشكلة، وهو الضغط على الرئيس لعدم ترشحه، الأمر الذي ساهم في إغضاب المعارضة، ورفضها أي جهود لتسوية الأزمة لعدم اشتمالها على تنحي الرئيس عن خوض الانتخابات.

وبعد فوز الرئيس بات واضحا أن الطرف الخارجي -لاسيما الدولي- يفضل سياسة الأمر الواقع، وضرورة إجراء حوار سياسي دون تحديد ماهية هذا الحوار وأجندته، وهل يتضمن إجراء انتخابات جديدة بمشاركة الرئيس أم لا؟ وفي حال إجرائها هل سيكون هناك إشراف دولي عليها أم ستتم مقاطعتها؟

فالاتحاد الأوروبي اكتفى بالتأكيد أنه يدرس فرض حظر على سفر وتجميد أموال ستة وزراء لاتهامهم بالتسبب في أعمال العنف. أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري فاكتفى بوصف الانتخابات بأنها معيبة، وطالب الرئيس بالحوار مع المعارضة.

هذه التعقيدات الداخلية للأزمة مقابل هذا التخاذل الدولي، يطرح تساؤلا حول مستقبل الأزمة والسيناريوهات المتوقعة بشأنها.

سيناريوهات المستقبل
يمكن القول بوجود عدة سيناريوهات بشأن مستقبل الأزمة:

يتمثل السيناريو الأسوأ للبلاد في اندلاع حرب أهلية، وهو مرشح للحدوث إذا اشتد الانقسام داخل الجيش، ودعم كل طرف أحد أطراف الصراع، مع حدوث حرب شوارع تبدأ في العاصمة وتنتشر في كل الأقاليم
أولها- المصالحة السياسية، بمعنى قبول النظام بتشكيل حكومة وحدة وطنية، مع تقليل الفترة الرئاسية لتصبح عاما واحدا يتم بعدها إجراء انتخابات جديدة دون ترشحه، وهو ما اقترحه المرشح الرئاسي الخاسر أغاثون رواسا، لكن الرئيس وافق على فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما رفض الفكرة الثانية.
 
وربما يأتي هنا دور العامل الخارجي للتقريب بين وجهات النظر، مع إمكانية التوصل إلى حل وسط بشأن رئاسة المعارضة للحكومة مقابل بقاء الرئيس خمس سنوات. ولا شك أن النجاح في التوصل إلى أي اتفاق سياسي من شأنه إحداث حالة من الاستقرار السياسي في البلاد. أما في ظل رفض الطرفين له، فقد نجد أنفسنا أمام أي من السيناريوهات التالية التي تبدو أكثر عنفا وتجعل البلاد أقل استقرارا.

ثانيها- نجاح المعارضة عبر هيمنتها على الشارع في الإطاحة بالرئيس أو إجباره على الفرار إلى الخارج، وبالتالي تشكيل حكومة انتقالية خلال فترة قصيرة يتم بعدها إجراء انتخابات جديدة دون مشاركة الرئيس.

كما قد تنجح المعارضة في السيطرة على بعض المقاطعات مقابل سيطرة النظام على باقي المناطق الأخرى، وبالتالي تزداد احتمالات الحرب الأهلية في ظل هذا الانقسام.
 
أما في حال فشل المعارضة في الإطاحة بالرئيس كليا أو جزئيا، فقد يترتب على ذلك وجود نظام دكتاتوري تسلطي يعمد إلى ممارسة مزيد من العنف بحق الخصوم الذين قد يلجؤون إلى دول الجوار وينظمون عمليات مسلحة ضده، مما يعني في المحصلة الأخيرة حالة من العنف الدموي الشديد.

ثالثها- وقوع انقلاب عسكري جديد في ظل استمرار الأزمة وعدم التوصل إلى حل بشأنها. وأيا تكن نتيجة هذا التدخل فستترتب عليه حالة من العنف، فإذا فشل الانقلاب سيتخلص النظام وحاشيته من الحرس القديم (كما توقع ذلك تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صادر في مايو/أيار الماضي). وفي حال نجاحه سيحاسب الانقلابيون النظام وأعوانه، مع تنظيم مرحلة انتقالية تجرى بعدها الانتخابات.

الرابع- الحرب الأهلية، ويتحقق إذا ما اشتد الانقسام داخل الجيش، ودعم كل طرفٍ أحدَ أطراف الصراع، مع حدوث حرب شوارع تبدأ في العاصمة وتنتشر في كل الأقاليم. وربما يكون هذا هو السيناريو الأسوأ بالنسبة للبلاد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة