أحمدي نجاد.. المحافظ "الإصلاحي"   
الخميس 24/5/1426 هـ - الموافق 30/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)

طلال عتريسي

كيف فاز نجاد؟
تحدي الداخل ومعارك الخارج
انسجام دوائر القرار
إستراتيجيات مستقرة

فاز السيد محمود أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية في إيران مخالفاً كل استطلاعات الرأي والتوقعات في داخل إيران وخارجها، والتي كانت تذهب إلى أن المواجهة في الدورة الأولى ستكون بين هاشمي رفسنجاني والمرشح الإصلاحي مصطفى معين.

إلا أن المفاجأة جاءت بإقصاء الأخير عن حلبة السباق، لتعود التوقعات نفسها إلى فوز الشيخ رفسنجاني في الدورة الثانية الذي "قضي أمره" بعدما خسر المعركة أمام أحمدي نجاد بسبعة ملايين صوت، خسارة أدهشت المراقبين، وليطرح فوز أحمدي نجاد أسئلة كثيرة حول سر هذا الفوز، وحول مستقبل السياسات الإيرانية بعد مجيء "محافظ متشدد" -كما أطلق عليه خصومه- إلى موقع الرئاسة في إيران.

"
استفاد أحمدي نجاد من حملة الحرس الثوري و"الباسيج" لصالحه وفشل التيار الإصلاحي في تجيير أصواته المشتتة لصالح رفسنجاني
"

كيف فاز نجاد؟
لا يمكن تفسير هذا الفوز الساحق لأحمدي نجاد بمجرد دعم المرشد له، فقد سبق وحصل ناطق نوري قبل سنوات على مثل هذا الدعم في مواجهة السيد خاتمي ولم يتمكن نوري من الفوز.

إلا أن الحملة المنظمة التي شاركت فيها قوات الحرس الثوري والتعبئة الشعبية (الباسيج) لمصلحة أحمدي نجاد واقتراعهم بكثافة إلى جانبه لعب دوراً مهماً في إيصال المرشح المحافظ إلى الدورة الثانية من الانتخاب.

أما فوزه النهائي على خصمه الشيخ هاشمي رفسنجاني فيعود من جهة إلى عدم قدرة التيار الإصلاحي على تجيير كل الأصوات التي تشتتت في الدورة الأولى بين أكثر من مرشح إصلاحي لمصلحة الشيخ رفسنجاني.

وهكذا حافظ هذا الأخير على النسبة نفسها تقريباً من الأصوات التي حصل عليها في الدورة الأولى (نحو عشرة ملايين صوت)، في حين تحولت كل أصوات المرشحين المحافظين (قاليباف ولاريجاني وأحمدي نجاد) في اتجاه واحد.

أما العامل الأهم في تحقيق ذلك الفوز فهو الشعارات التي رفعها أحمدي نجاد وشدد فيها على تحسين أحوال الفقراء وتوزيع الثروة بشكل عادل ومحاربة الفساد

كما أن بساطة مظهره ولباسه ونمط حياته منذ استلامه رئاسة بلدية طهران قبل سنوات أعطى الانطباع أن الرجل صادق في ما يدعو إليه، خلافاً للشيخ هاشمي الذي تعرض إلى حملة قاسية من التجريح والاتهام بالثراء شنها عليه الإصلاحيون.

وهكذا اندفع الفقراء والشباب الذين يأملون تغييراً في الأوضاع الاجتماعية التي يعيشونها لتأييد أحمدي نجاد، ومنحه نحو سبعة ملايين صوت إضافية مكنته من الفوز على خصمه الشخصية القوية في داخل البلاد والمعروفة جيداً في العالم والتي سبق واختبرها الإيرانيون وينسبون إليها منذ بداية التسعينيات بدايات الغلاء والتضخم وتكديس الثروات، كما ينسب إلى الرئيس هاشمي نفسه وإلى عائلته تحقيق ثراء واسع بعد الثورة، ولم يلتفت الناخبون كثيرا للشعارات التي رفعها هذا الأخير حول قدرته على إيجاد الحلول للملف النووي، أو للعلاقة مع الولايات المتحدة، بل ربما ذهبت هذه الوعود في عكس الاتجاه الذي أراده رفسنجاني في تأثيرها على الكثير من الناخبين.

وهكذا صوت الإيرانيون لشعارات "الداخل" من أجل الإصلاح والتغيير، ولما يمكن أن نطلق عليه "التنمية الاجتماعية" أولاً بعدما اختبروا طيلة عقدين شعارات التنمية الاقتصادية التي رفعها الرئيس هاشمي رفسنجاني بين 1989 و1997 وشعارات التنمية السياسية للرئيس خاتمي بين 1997و2005.

"
على أحمدي نجاد أن يتجه إلى خطط جديدة للتنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وإيجاد فرص عمل للشباب
"
تحدي الداخل ومعارك الخارج
لعل هذا هو التحدي الأبرز الذي سيواجهه الرئيس "المحافظ" إبان ولايته، إذ عليه أن يتجه إلى خطط جديدة للتنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، ولإيجاد فرص العمل للشباب، وهذا يفترض حسم كثير من الأمور العالقة في إيران مثل التردد بين الخصخصة واستمرار الدعم الحكومي، خاصة بعدما حصلت إيران على حق التفاوض لدخول منظمة التجارة العالمية التي يتعارض الانضمام إليها مع الاقتصاد الموجه.

كما أن تحسين أحوال الناس يفترض المزيد من فرص العمل من خلال فتح أبواب الاستثمار أمام رأس المال الخاص الوطني والأجنبي، وتقديم الضمانات السياسية والقانونية له، كما يفترض ذلك تشجيع السياحة التي تصطدم بالنسبة للكثير من المحافظين بمخاوف ثقافية وأخلاقية وشرعية لا يستطيعون تجاهلها.

ولكن ماذا عن المخاوف والاتهامات بشأن سياسة أحمدي نجاد الخارجية؟ هل ستقود إيران إلى العزلة مجدداً وإلى التصادم مع جوارها ومع العالم؟

المؤتمر الصحفي الذي عقده أحمدي نجاد بعد فوزه مباشرة، يقدم صورة تختلف عن صورة المرشح "المتشدد"، فقد دعا إلى "المصالحة الوطنية" في الداخل، وإلى الانفتاح على الجوار العربي والإسلامي، وطلب من أوروبا أن تتخلى عن عجرفتها في العلاقة مع إيران، ولم يتردد في إعلان عدم حاجة إيران إلى العلاقة مع الولايات المتحدة. وليس في ذلك أي انغلاق أو تشدد، إنما تأكيد على ثوابت السياسات الإيرانية الإقليمية.

وربما يكمن الفارق في أن رؤساء سابقين أمثال الشيخ هاشمي والسيد خاتمي استخدما لغة أخرى في مخاطبة الولايات المتحدة تشدد على أهمية الحوار وتفهم المصالح وتجنب الصدام، ومع ذلك لم يحصل أي تقدم حقيقي في جوهر العلاقات الإيرانية الأميركية، بل أصبحت إيران دولة في "محور الشر" في عهد الرئيس خاتمي ولم تنقطع الاتهامات الأميركية لها بأنها مصدر عدم الاستقرار ودعم الإرهاب وتريد امتلاك السلاح النووي.

"
الانسجام الذي يتحقق لأول مرة منذ غياب الإمام الخميني بين مواقع السلطة والقرار في إيران يمنحها قوة في مواجهة الخارج
"

انسجام دوائر القرار
مهما قيل في "تبعية" الرئيس الجديد لمرشد الثورة والانعكاسات السلبية لذلك على التوازنات الداخلية بين الاتجاهات السياسية، أو على العودة مجددا إلى الشارع بعدما سدت أبواب المؤسسات أمام غير المحافظين، فإن ذلك مرهون بقدرة الإصلاحيين باتجاهاتهم كافة على التوحد لتشكيل "معارضة" من خارج تلك المؤسسات بعدما عصفت بهم الخلافات، وتشتتت خياراتهم السياسية، وتراجع رصيدهم الشعبي في السنتين الأخيرتين من ولاية الرئيس خاتمي.

أما العودة إلى الشارع فقد باتت غير ممكنة على الأرجح، وفقد الإصلاحيون هذه الورقة التي سبق واستخدموها أكثر من مرة في أوج صعود تيارهم، وهي التي كادت تطيح بكل شيء بعدما تحولت تظاهرات الطلاب في جامعة طهران إلى أعمال عنف وتخريب للمؤسسات الإيرانية دفعت الرئيس خاتمي نفسه إلى إدانتها وإلى التبرؤ من مرتكبيها.

ومن ناحية ثانية فإن مثل هذا الانسجام الذي يتحقق لأول مرة منذ غياب الإمام الخميني بين مواقع السلطة والقرار في إيران من المرشد إلى الرئيس إلى مجلس الشورى والى المجالس الأخرى، سيعزز موقف إيران الإقليمي وقدرتها على التفاوض مع أوروبا، وحتى مع الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من ظاهر المواقف المتشددة التي أطلقها بعض قادة الدول في أوروبا فإن الرغبة في الحوار مع إيران مستمرة، وها هو المستشار الألماني غيرهارد شرودر يقدم بعد انتخاب أحمدي نجاد مباشرة اقتراحاً للرئيس الأميركي للسماح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي شرط تقديم ضمانات واضحة ببقاء الاستفادة منه في الإطار السلمي.

كما استبعد منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا "تغييراً فورياً في سياسة الاتحاد واعتماد الحوار مع إيران". أما التشدد الأميركي فقد استمر على حاله قبل الانتخابات وبعدها، ولا علاقة له بالرئيس الجديد، بل بالحصار الذي تريد أن تفرضه واشنطن على دور إيران الإقليمي وعلى قدرتها النووية.



"
لا يتوقع أن يغير الرئيس الجديد السياسات الخارجية، ويبقى تحسين الوضع الداخلي السياسي والاقتصادي هو التحدي الأبرز أمامه
"

إستراتيجيات مستقرة
الرئيس المتشدد -كما يطلق عليه خصومه- لن يبدل كثيراً في سياسات إيران الخارجية، فالانفتاح على دول الجوار وعلى العالم وإستراتيجية تبادل المصالح باتت من الثوابت الإيرانية منذ توقف الحرب مع العراق عام 1998، أما حق إيران في امتلاك الطاقة النووية فهو محل إجماع قومي ووطني لا يستطيع أي رئيس التفريط فيه أو التهاون بشأنه.

ربما تتغير أساليب التفاوض وشعاراته حول هذا الملف وحول ملفات أخرى، وربما ستكون لغة التخاطب مع الغرب أكثر حزما بعد سنوات من اعتماد لغة التودد والدعوة إلى التصالح، لكن أصل مبدأ التفاوض سيستمر لأن إيران لا تبحث عن التصادم لا مع الولايات المتحدة ولا مع الوكالة الدولية للطاقة أو مع مجلس الأمن، كما أن مصلحة الطرف الآخر (الغرب) تقضي في المقابل ألا يتخلى بدوره عن مبدأ التفاوض.

ويبقى التحدي الداخلي هو التحدي الأبرز بالنسبة للرئيس الإيراني، فعليه أن يحقق مصالحة وطنية بين الأطراف كافة بعد انقسامات الماضي الحادة بين إصلاحيين ومحافظين. وعليه أن يقدم البرامج والخطط لتنفيذ ما وعد به الناخبين من توزيع عادل للثروة، ومن تحسين لأحوال الفقراء ومحاربة الفساد والمفسدين، أي أن على الرئيس "المحافظ" أن يقود عمليا -وللمفارقة- مرحلة جديدة من الإصلاح.

لن يكون الرئيس الجديد الذي لا يحب مظاهر البذخ والترف قادرا على تحقيق وعوده التي باتت ملحة بالنسبة لمعظم الإيرانيين من دون دعم الأوساط الاجتماعية والسياسية والدينية كافة. أما دول العالم فلن تجد أمامها سوى الاعتراف بالواقع الجديد، "وبالديمقراطية الإيرانية" التي حملت مرشحاً لم يكن يعرفه أحد -بأصوات 17 مليوناً- إلى موقع الرئاسة في إيران.
___________
كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة