العرب ولعنة البحث عن السلام   
الأحد 17/12/1429 هـ - الموافق 14/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:00 (مكة المكرمة)، 7:00 (غرينتش)


حسين عبد الواحد

صفقة الشيطان
مسلسل العبث
بداية اللعنة

مدريد وأسلو
السلام الضائع

تحكي الأساطير الإغريقية عن سيزيف ملك سيلينا المحارب البارع الذي ارتكب من الأفعال ما أغضب عليه آلهة الأوليمب فقضت عليه بتلك اللعنة الرهيبة التي ارتبطت باسمه.

وكانت لعنة سيزيف هي إجباره على أن يحمل صخرة عملاقة إلى قمة جبل شاهق. وما إن يصل إلى هذه القمة حتى تنحدر منه الصخرة وتسقط إلى سفح الجبل فيعود مرة أخرى ليحملها إلى القمة. وما إن يصل حتى تسقط لأسفل. وهكذا يظل سيزيف في هذا العناء الأبدي.

وقد أصبح سيزيف نموذجا لكل من يقوم بمهمة عبثية يكابد خلالها المشقة والعناء بلا جدوى ولا نتيجة سوى العذاب والإحباط، ورغم ذلك يواصل القيام بها ويتحمل آلامها دون كلل أو ملل خضوعا لقدره، وامتثالا لمصيره المأساوي.

وقصة العرب مع إسرائيل منذ اغتصاب فلسطين عام 1948 أشبه ما تكون بلعنة الإغريقي سيزيف حيث كتبت عليهم المعاناة غير المجدية في الحرب والسلام. وكلما توهموا اقترابهم من هدف استعادة حقوقهم المسلوبة اكتشفوا أنهم يعودون للمربع رقم واحد وأن عليهم البدء في رحلة الألم والعذاب من جديد.

صفقة الشيطان
"
مفاوضات أنابوليس كانت مرهقة للجانب الفلسطيني في مواجهة شريك إسرائيلي يدخل المفاوضات بعقلية شايلوك تاجر البندقية ويتعامل مع قضية السلام بمفهوم صفقة الشيطان التي يحصل فيها طرف على كل شيء ولا يكون نصيب الطرف الأخر سوى قبض الريح
"
وربما كانت أحدث هذه المحاولات المضنية هي تلك التي كابد العرب ويلاتها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل إيهود أولمرت الذي شاركوه عملية أنابوليس بدعم أميركي ودولي من أجل تحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وبكل المقاييس، كانت هذا العملية مرهقة بل ومؤلمة للجانب الفلسطيني في مواجهة شريك إسرائيلي يدخل المفاوضات السلمية بعقلية شايلوك تاجر البندقية ويتعامل مع قضية السلام بمفهوم صفقة الشيطان التي يحصل فيها طرف على كل شيء ولا يكون نصيب الطرف الأخر سوى قبض الريح.

وقد أدت تداعيات هذه المفاوضات إلى حالة الانقسام الدامي بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس التي استقلت بالسيطرة على قطاع غزة. ورغم هذا الصدع الرهيب في الجدار الفلسطيني. وبرغم أساليب المماطلة والتسويف التي التزم بها الجانب الإسرائيلي، فإن العملية استمرت بإيقاع واهن وتقدم غير ملموس.

نفس الموقف تكرر على المسار السوري من خلال المفاوضات السورية الإسرائيلية عبر الوساطة التركية وأكدت تقارير عديدة إمكانية الوصول إلى اتفاق تنسحب إسرائيل بمقتضاه من هضبة الجولان السورية المحتلة مقابل اتفاق سلام مع سوريا.

وتوهم الكثيرون من العرب أنهم اقتربوا أخيرا من قمة جبل المعاناة التي يمكنهم بعدها التقاط الأنفاس والتخلص من عناء صراعهم التاريخي مع إسرائيل والصهيونية سعيا وراء حقوقهم وبحثا عن السلام.

وتدعم هذا الوهم بعد آخر خطاب ألقاه إيهود أولمرت أمام الحكومة الإسرائيلية باعتباره رئيسا للوزراء.

ففي هذا الخطاب اعترف أولمرت بأن إسرائيل أخطأت عندما أهدرت العديد من فرص السلام مع الفلسطينيين. وقال إن المتطرفين الإسرائيليين يريدون استمرار الحرب إلى الأبد، وإن هناك الآن شركاء حقيقيين للسلام بين الفلسطينيين وفي سوريا.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد. بل وصلت إلى درجة إعلان حاييم رامون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ضرورة تقسيم القدس بين إسرائيل والفلسطينيين في إطار تسوية دائمة للصراع.

وقال رامون إن من حق الفلسطينيين إقامة عاصمة لدولتهم في الجزء العربي من القدس بحيث تدار الأماكن المقدسة لجميع الأديان بأيدي المؤسسات الدينية ولا ترفع إعلام دول عليها. وكان معنى ذلك التغلب على مشكلة كبرى تغلق الطريق أمام إمكانية التوصل لاتفاق سلمى بين الفلسطينيين وإسرائيل وهى إصرار الإسرائيليين على أن القدس ستظل عاصمتهم الأبدية الموحدة.

ورغم أن هذه المواقف الإسرائيلية لا تشكل اعترافا بكل الحقوق العربية فإنها كانت بكل تأكيد خطوة إلى الأمام ما كاد العرب يفرحون بها إلا وجاءت استقالة أولمرت من رئاسة الحكومة على خلفية اتهامه بالفساد لتؤكد العودة مرة أخرى لنقطة البداية على طريقة سيزيف.

ووفقا للسيناريو التقليدي الذي اعتاد عليه العرب فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم يلغي بكل تأكيد الخطوات التي قام بها سلفه، وسوف يبدأ مرة أخرى من نقطة الصفر وكالعادة سيدخل العرب مفاوضات جديدة يكابدون خلالها مرة أخرى لعنة البحث عن وهم السلام مع إسرائيل.

مسلسل العبث
ومما يزيد من خطورة هذا العبث أن العرب دائما هم الطرف الذي يدفع ثمنه. فكلما قدم الجانب العربي أقصى قدر ممكن من التنازلات، وبعد أن تتأكد إسرائيل من أنها "عصرت الليمونة العربية حتى آخر قطرة فيها، يتحرك الداخل الإسرائيلي بشكل أو بآخر لكي تبدأ لعبة البحث عن السلام من جديد ومن المربع رقم واحد بالتحديد.

والوسيلة المفضلة لدى الإسرائيليين لتحقيق هذا الهدف هي تغيير الحكومة سواء بسحب الثقة منها أو اغتيال رئيسها كما حدث مع اسحاق رابين أو بإجباره على الاستقالة على طريقة أولمرت، أو بإجراء انتخابات مبكرة لتغيير القيادات الإسرائيلية.

والمؤسف في الأمر أن العرب لا يتعلمون. ودائما يرقصون على نفس هذه النغمة الإسرائيلية المكررة والمملة. فهم ينتظرون الزعيم الإسرائيلي الجديد ويحلونه من كل التزامات وتعهدات سلفه لتمر سنوات أخرى من المحادثات والمفاوضات.

وعندما يأتي وقت حصاد جهود السلام يتم تغيير المسؤول الإسرائيلي الذي يختفي وتختفي معه كل التزاماته دون أن تسقط تنازلات العرب والفلسطينيين التي يصر كل مسؤول إسرائيلي جديد على أن تكون هي النقطة التي يبدأ منها جهوده الوهمية لتحقيق السلام.

بداية اللعنة
"
رغم أن كل الدول العربية تقريبا تبرأت من كامب ديفد ورفضت المشاركة فيها أو تأييدها لدرجة قطع علاقاتها مع مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس فإن هذه الاتفاقية أصبحت الآن هي النموذج الذي يسعى العرب لتكراره الآن بما في ذلك سوريا والفلسطينيين
"
ولقد كانت اتفاقية كامب ديفد عام 1978 بين مصر وإسرائيل هي البداية الرسمية لرحلة البحث المضنية التي تورط فيها العرب من أجل تحقيق السلام

هذه الاتفاقية تمت بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بوساطة الرئيس الأميركي جيمي كارتر. ورغم أن أطراف كامب ديفد الثلاثة وقعت على وثيقتين الأولى تتناول إطار السلام في الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية، والثانية عن السلام بين مصر وإسرائيل فإن ما تم تنفيذه منها كان هو الوثيقة الثانية فقط وكان دافع إسرائيل من وراء ذلك هو الثمن الهائل الذي حصلت عليه مقابل الانسحاب من سيناء المصرية وهو تحييد مصر في الصراع العربي الإسرائيلي وإنهاء حالة الحرب بين القاهرة وتل أبيب.

وكانت الوثيقة الأولى الخاصة بإطار السلام في الشرق الأوسط تقضي بأن تشترك مصر وإسرائيل والأردن وممثلو الشعب الفلسطيني في مفاوضات لحل المشكلة الفلسطينية وأن يتم الاتفاق بين مصر وإسرائيل على ترتيبات لانتقال الضفة الغربية وقطاع غزة من الحكم العسكري الإسرائيلي إلى الحكم الذاتي الفلسطيني خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات.

وقضت هذه الوثيقة أيضا بأن تتفق مصر وإسرائيل والأردن على وسائل إقامة سلطة الحكم الذاتي مع إمكانية مشاركة ممثلين فلسطينيين حسب ما يتفق عليه.

وأشارت الوثيقة إلى تشكيل لجنة خلال الفترة الانتقالية لبحث عودة الفلسطينيين الذين طردوا من الضفة الغربية وغزة عام 1967 مع تعهد مصر وإسرائيل بالعمل مع أطراف أخرى لحل مشكلة اللاجئين.

ورغم ذلك كانت نتيجة اتفاقية كامب ديفد هي معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، والتي أنهت حالة الحرب بين مصر وإسرائيل. ولم يعد أحد يتحدث عن الوثيقة الأولى الخاصة بإطار السلام في الشرق الأوسط.

والغريب أن مصر لم تسترد كامل أراضيها في سيناء بمقتضى معاهدة السلام. ولم يتحقق ذلك إلا في عام 1989 بعد مماطلة إسرائيلية حول الانسحاب من طابا وإحالة القضية إلى المحكمة الدولية التي قضت بأحقية مصر في طابا.

ورغم أن كل الدول العربية تقريبا تبرأت وقتها من كامب ديفد ورفضت المشاركة فيها أو تأييدها لدرجة قطع علاقاتها مع مصر ونقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس فإن هذه الاتفاقية أصبحت الآن هي النموذج الذي يسعى العرب لتكراره الآن بما في ذلك سوريا والفلسطينيين.

والملاحظ أن الالتزامات المصرية بمقتضى كامب ديفد لم تسقط باختفاء الرئيس السادات الذي وقعها والذي تم اغتياله في أكتوبر/تشرين الأول 1981، بل تمسكت مصر بها ولم تتنصل منها كما يفعل الإسرائيليون عادة.

ولم يعد أحد يفكر في سلبيات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي أخرجت مصر تماما من ساحة المواجهة مع إسرائيل، وقضت على حلم الوحدة العربية مرة واحدة وربما إلى الأبد.

مدريد وأسلو
"
مؤتمر مدريد 1993 أكد خلاله العرب قبولهم الجماعي لمبدأ الأرض مقابل السلام, ونتيجة لذلك تم التوصل لاتفاقيات ثنائية على المسارين الأردني والفلسطيني بدون أن يطرأ أي جديد في الموقف بالنسبة لسوريا ولبنان رغم مشاركة سوريا في مؤتمر مدريد
"
ويعد اتفاق أوسلو عام 1993 نموذجا آخر في رحلة العرب العبثية للبحث عن السلام. فبعد حرب الخليج الثانية، عقد مؤتمر للسلام في العاصمة الإسبانية مدريد أكد خلاله العرب قبولهم الجماعي لمبدأ الأرض مقابل السلام. ونتيجة لذلك تم التوصل لاتفاقيات ثنائية على المسارين الأردني والفلسطيني بدون أن يطرأ أى جديد في الموقف بالنسبة لسوريا ولبنان رغم مشاركة سوريا في مؤتمر مدريد.

وفي سبتمبر/أيلول عام 1993، تم التوقيع في واشنطن رسميا على أول اتفاق سلمي بين الفلسطينيين وإسرائيل وهو اتفاق أوسلو الذي تم التوصل إليه في محادثات سرية بالعاصمة النرويجية.

ووقعت أميركا وروسيا كشاهدين على هذا الاتفاق الذي يتضمن الاعتراف المتبادل بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وانسحاب إسرائيل التدريجي من الضفة الغربية وغزة وتشكيل سلطة فلسطينية منتخبة ذات صلاحيات محدودة مع بحث القضايا العالقة مثل المستوطنات واللاجئين خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات.

وفي مايو/أيار 1994، تم توقيع اتفاق غزة أريحا في القاهرة بين الفلسطينيين وإسرائيل ووقعت عليه كشهود مصر وأميركا وروسيا. واعتبر هذا الاتفاق تنفيذاً لاتفاق أوسلو وتنسحب إسرائيل بمقتضاه من غزة أريحا وتشكل السلطة الوطنية الفلسطينية.

وفي نفس العام تم توقيع اتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل بوساطة أميركية. وقضى الاتفاق بالاعتراف المتبادل والتعاون الاقتصادي وإقامة علاقات طبيعية بين عمان وتل أبيب.

وفي عام 1995 تم التوصل إلى اتفاقية طابا المعروفة باسم أوسلو الثانية في واشنطن، وحدث ذلك بعد الهجوم الإسرائيلي الإرهابي على الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل.

وكان الشهود على هذه الاتفاقية هم مصر وأميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والنرويج . وقضت (أوسلو 2) بانسحاب إسرائيل من ست مدن عربية وأربعمائة قرية في العام التالي وانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والإفراج عن عدد من المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل.

السلام الضائع
ولقد شهدت فترة رئاسة إسحق رابين للحكومة الإسرائيلية العديد من الاتفاقيات والتفاهمات مع الفلسطينيين والعرب مثل أوسلو عام 1993 "وغزة وأريحا" و "وادي عربة" عام 1994 وطابا عام 1995.

وتردد الكثير حول التقدم الذي أحرزه رابين بالنسبة للملف السوري وما سمي بوديعة رابين التي يتعهد فيها بالانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة مقابل إقامة سلام مع سوريا.

"
اغتيال رابين كان  بهدف إجهاض ما تحقق من خطوات على طريق السلام ولتبدأ المعاناة الفلسطينية والعربية مرة أخرى مع القيادات الجديدة في إسرائيل
"
ونتيجة لذلك تفاءل الكثيرون باحتمالات إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بالطرق السلمية. ولكن في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1995، اغتيل رابين على يدي متطرف يهودي لدى مغادرته مهرجانا حاشدا لتأييد عملية السلام تحت شعاره "نعم للسلام لا للعنف".

وكان رابين قد حصل على جائزة نوبل للسلام مع شمعون بيريز والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات تقديرا لدورهم في توقيع إعلان المبادئ في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول 1993 والذي فتح الباب أمام إجراء مفاوضات حول الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية.

وجاء اغتيال رابين في الأساس بهدف إجهاض ما تحقق من خطوات على طريق السلام ولتبدأ المعاناة الفلسطينية والعربية مرة أخرى مع القيادات الجديدة في إسرائيل.

وقد تولى بيريز رئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد اغتيال رابين لمدة سبعة شهور حتى تم إجراء الانتخابات العامة في مايو/أيار 1996 لينتقل المنصب إلى زعيم الليكود بنيامين نتنياهو.

واستمرت الإستراتيجية الإسرائيلية على نفس المنوال وهى استغلال الظروف الداخلية في إسرائيل للتهرب من أي التزامات تجاه الحقوق العربية المشروعة. وخلال سنوات حكم نتنياهو توقفت كل جهود السلام بين سوريا وإسرائيل وتم إجهاض كل ما تحقق من تقدم في هذا الملف خلال حكم إسحق رابين.

ومن بين أوضح الأمثلة على هذه الإستراتيجية الإسرائيلية ما حدث خلال رئاسة إيهود باراك للحكومة الإسرائيلية والذي فاز بالانتخابات في مايو/أيار 1999.

فقد نجحت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت في إحياء المفاوضات بين دمشق وتل أبيب وانطلقت جولة جديدة من المحادثات في شيبرد تاون بولاية فرجينيا الأميركية في ديسمبر/كانون الثاني عام 2000 وشارك فيها وزير الخارجية السوري في ذلك الحين فاروق الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك.

وتم الاتفاق على تشكيل أربع لجان لدراسة ترتيبات وجوانب الانسحاب الإسرائيلي من الجولان ولكن اتضح بعد ذلك أن هدف إسرائيل كان مجرد إهدار الوقت. وفشلت المفاوضات في النهاية.

وحاول الرئيس الأميركي كلينتون إنقاذ الموقف والتقى بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في جنيف وقيل إنه كان يحمل عرضا من باراك بالانسحاب من 99% من هضبة الجولان مع تعويض سوريا عن الأجزاء التي ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية خاصة على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا. ولكن اتضح بعد ذلك أن إسرائيل كانت تناور لتحقيق هدفها الأساسي وهو كسب أو إهدار الوقت.

"
سوف يدخل العرب عملية سلام جديدة مع خليفة أولمرت, وهكذا يتأكد التطابق بين سيزيف الإغريقي وسيزيف العربي مع فارق وحيد هو أن سيزيف الإغريقي مجرد أسطورة وسيزيف العربي من لحم ودم يعاني ويلات اللعنة ومعه ملايين الفلسطينيين والعرب
"
ونفس الموقف تكرر فيما سمي بمفاوضات كامب ديفد الثانية بين الفلسطينيين وإسرائيل والتي جمع فيها كلينتون بين ياسر عرفات وإيهود باراك خلال الأيام الأخيرة التي سبقت خروجه من البيت الأبيض.

وانتهت هذه المفاوضات أيضا بالفشل بسبب المناورات والألاعيب الإسرائيلية رغم أن الرئيس كلينتون حاول أن يحمل الفلسطينيين مسؤولية هذا الفشل.

وقد جاءت فترة رئاسة أرييل شارون للحكومة الإسرائيلية (2001 – 2006) لكي تكشف بوضوح يصل إلى درجة الوقاحة حقيقة الأهداف الإسرائيلية من وراء المشاركة في المفاوضات والمحادثات والاتفاقات والتفاهمات خاصة مع الجانب الفلسطيني. فقد أعلنها شارون بكل صراحة منذ اليوم الأول في السلطة وهي أنه غير ملتزم بأي اتفاقيات وقعها من سبقوه في رئاسة الحكومة الإسرائيلية مع الجانب الفلسطيني.

وهكذا لم يعد يتبقى من هذه التفاهمات والاتفاقيات سوى الأوراق التي كتبت عليها. ودخلت كل نتائج اتفاقيات مثل أوسلو وواى ريفر 1 ، 2 وغيرها طريقا مسدودا بعد أن تعهد شارون يوم بدء رئاسته للحكومة الإسرائيلية في السابع من فبراير/شباط عام 2001، بأن يسحق الانتفاضة الفلسطينية خلال مائة يوم. وبعد ذلك انتهز شارون فرصة هجمات سبتمبر/أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك لكي يقضي تماما على كل الاتفاقيات التي عقدتها إسرائيل مع الفلسطينيين.

ورغم كل ذلك دخل العرب في عملية سلمية أخري مع خليفة شارون وهو إيهود أولمرت زعيم حزب كاديما والذي انتهت سنواته في السلطة بدون أن يحقق أي شيء على طريق السلام.

وسوف يدخل العرب عملية سلام جديدة مع خليفة أولمرت سواء كانت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أو غيرها. وهكذا يتأكد التطابق بين سيزيف الإغريقي وسيزيف العربي مع فارق وحيد هو أن سيزيف الإغريقي مجرد أسطورة لا يتحمل أحد في واقع الأمر عذابات اللعنة التي كتبت عليه, بينما سيزيف العربي من لحم ودم ولا يعاني وحده من ويلات اللعنة التي يسعى إليها بإرادته بل يشاركه المعاناة ملايين الفلسطينيين والعرب من المحيط إلى الخليج.
ـــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة