الدرس اليوناني في الديمقراطية والكرامة   
الاثنين 1436/9/27 هـ - الموافق 13/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:23 (مكة المكرمة)، 13:23 (غرينتش)
ماجد كيالي


البدايات
رسالة التحدي
ما بعد الرفض

بقولهم "لا" في الاستفتاء الأخير، أعلن أغلب اليونانيين عن رفضهم شروط البيوتات المالية الدولية والأوروبية، والتي تحاول الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي فرضها عليهم، والتي من شأنها مفاقمة أوضاعهم الاجتماعية، وحرمانهم من أي فرصة لتجاوز أزمتهم الاقتصادية، والدخول في مسارات التنمية.

وباتخاذهم هذا الموقف، أو التحدي، يكون اليونانيون قد عبروا عن انحيازهم لخيار رئيس وزرائهم الشاب، الذي انتخبوه أصلا لهذا الغرض في يناير/كانون الثاني 2015، أي قبل ستة أشهر.

الجدير ذكره أن الشروط المطروحة على اليونان جاءت على خلفية أزمة الديون المترتبة عليها للبنك الأوروبي طوال سنين طويلة من الاقتراض غير المحسوب، الناجم عن الفساد الحكومي، والانصياع لشروط الدائنين المجحفة، وعدم القدرة على السداد.

وتبلغ ديون اليونان نحو 340 بليون يورو، وتمتد آجال سدادها حتى العام 2057، أي لأربعين عاما، مع فائدة مرتفعة، الأمر الذي يحرم اليونانيين من أية فرصة لتوفير رأس المال اللازم للاستثمار والتنمية، إذ إن كل جهودهم ستنصب على توفير المبالغ اللازمة لتسديد الدين وفوائد الدين.

تبلغ ديون اليونان نحو 340 بليون يورو، وتمتد آجال سدادها حتى العام 2057، أي لأربعين عاما، مع فائدة مرتفعة، الأمر الذي يحرم اليونانيين من أية فرصة لتوفير رأس المال اللازم للاستثمار والتنمية، إذ إن كل جهودهم ستنصب على توفير المبالغ اللازمة لتسديد الدين، وفوائد الدين
المهم أن هذا الواقع الميؤوس منه أصلا، هو الذي جعل رئيس حكومتهم الجديد يتخذ قراره الحاسم برفض الشروط المطروحة، باعتبار أن ردة فعل الدول الأوروبية المعنية على مثل هذا الخيار لن تضر ببلاده أكثر مما قد يضر بها الانصياع لتلك الشروط المجحفة.

وفي الواقع فإن رئيس الوزراء الطموح فضل المغامرة عبر هذا الخيار، في محاولة منه للضغط على الدائنين، من أجل انتزاع اتفاقية أفضل، ربما تفضي لشطب ثلث الديون المستحقة، وتخفيض الفائدة، على أساس أن الدول الكبرى لن تغامر بالتفريط بالوحدة الأوروبية، إدراكا منها أن خروج اليونان قد يفتح الأبواب أمام خروج دول أخرى، مثل إسبانيا أو البرتغال أو حتى إيطاليا، مثلا، بعد أن بات في أوروبا شمال وجنوب، أو دول فقيرة ودول غنية.

ولعل هذا بالضبط ما لمح إليه في خطابه الأخير (27/6) الذي وجهه لشعبه، والذي دل على روح مفعمة بالمسؤولية، وعلى شخصية مسؤولة وذكية، والذي سيدخل التاريخ باعتباره صيحة تحد يونانية، في قوله: "أوروبا هي الوطن المشترك للشعوب. ففي أوروبا لا يوجد ملاك وضيوف.. من دون الديمقراطية ستفقد أوروبا هويتها وبوصلتها".

البدايات
في الحقيقة فإن التصويت بالرفض لم يكن هو بداية تحدي اليونانيين لإرادة الدول الكبرى في أوروبا، إذ سبق ذلك انتخابهم حزب "سيريزا" اليساري في الانتخابات التشريعية، التي جرت مطلع هذا العام. علما أن قائد هذا الحزب ألكسيس تسيبراس، مهندس في مطلع الأربعينيات من عمره، وينحدر من أسرة لا تتمتع بنفوذ أو مكانة سياسية أو مالية.

والأهم من ذلك أن هذا الحزب هو نتاج تجربة سياسية واعدة، إذ لا يبلغ من العمر سوى عقد من السنين، تمكن خلالها من الصعود بشكل تدريجي بفضل حيوية قيادته ودأبها وأهليتها الكفاحية، علما أنه حزب يساري جديد أو "منشق"، بحسب تعبير الأحزاب الشيوعية التقليدية الجامدة.

وكان تسيبراس وعد جمهوره بالتركيز في المجال الداخلي على رفع الحد الأدنى للأجور من 684 إلى 751 يورو، وإعادة منحة عيد الميلاد للمتقاعدين، ومجانية الرعاية الصحية والكهرباء وتخصيص تذاكر غذاء للفقراء، وعلى الصعيد الخارجي أكد على مواجهة المطالبات بالتقشف من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

أما الأزمة بين اليونان والاتحاد الأوروبي فبدأت مع إعلان الحكومة اليونانية الجديدة رفضها دفع مستحقاتها من الديون في أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي وقدرها 1.6 بليون يورو، والمستحقات التي تليها وقيمتها 3.5 بلايين يورو في أواخر يوليو/تموز 2015.

وكان تسيبراس تقدم بمشروع للإصلاح يمكن اليونان من تحقيق معدلات معينة من التنمية مع توفر قدرة على سداد الديون، ويشمل ذلك رفع قيمة الضرائب على أصحاب رؤوس الأموال، ورفع قيمة ضريبة الدخل للمعدلات الوسطية، وفرض رسوم جديدة لقطاع القمار والرهان وصالات الكازينو والرهان عبر الإنترنت، بحيث لا يؤثر ذلك على أصحاب الدخل المحدود، أو على قطاع العمل الصغير، مع زيادة التزامات أرباب العمل لصالح صندوق الضمانات، وعدم العبث باستحقاقات التقاعد وبدخول أصحاب الرواتب المحدودة.

بيد أن البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية، رفضت هذه المقترحات، وطالبت بعدم رفع الضرائب على الأثرياء وقطاع القمار والرهانات، وحذرت من رفع قيمة امتيازات شركات الاتصال. في المقابل، طالبت برفع قيمة الضرائب على قطاع السياحة، الأمر الذي قد يفضي إلى شل القطاع الذي يعتبر أهم مصادر الدخل القومي في اليونان.

رسالة التحدي
دفع هذا الانسداد تسيبراس إلى طرح الأمر على الشعب لتقرير الخيار الذي يريده، مع مطالبته اليونانيين بعدم الخضوع، مؤكدا على السيادة والديمقراطية والكرامة، وواعدا بأنه سينصاع لرأي شعبه مهما كان، والنتيجة كما ظهرت بينت استجابة أكثرية اليونانيين لنداء رئيس وزرائهم، المحسوب على اليسار الجديد، مؤكدين مرة ثانية ثقتهم به وبخياراته.

الناتج السنوي يبلغ حوالي 440 بليون دولار لبلجيكا، و711 بليون دولار لهولندا، في حين أن حجم الاقتصاد الألماني يبلغ 3.4 تريليونات دولار، والفرنسي 2.4 تريليون دولار، والبريطاني 2.2 تريليون دولار، والإيطالي 2 تريليون دولار، والإسباني 1.5 تريليون دولار
أما النداء الذي وجهه تسيبراس لشعبه، فقد تضمن مسائل في غاية الأهمية، أولها أن "المظلومية" اليونانية، إن جاز التعبير، لم تذهب به إلى حد الدعوة إلى القطيعة مع أوروبا، أو فك الارتباط مع الاتحاد الأوروبي. بل أكد فيه ارتباط اليونان بعمقها الأوروبي بقوله: "في تلك اللحظات العصيبة، يجب علينا جميعا أن نتذكر أن أوروبا هي الوطن المشترك للشعوب.. كانت اليونان وستظل جزءا لا يتجزأ من أوروبا، وأوروبا جزء أساسي من اليونان.. ولكن دون الديمقراطية، ستفقد أوروبا هويتها وبوصلتها".

والقصد أن خطاب التحدي هذا كان في مضامينه مدركا لمكانة اليونان، ومكامن ضعفها، وواعيا بمسؤولياته إزاء ذلك، من دون مبالغات، فهي دولة صغيرة، مساحتها أقل من مساحة سوريا، وعدد سكانها 12 مليون نسمة، ودخلها الإجمالي السنوي 333 بليون دولار، وحجم اقتصادها يقارب حجم اقتصاد التشيك والبرتغال، مثلا. وربما يجدر أن نذكر، في هذا السياق، أن الاقتصاد التركي الناهض أكبر بكثير من الاقتصاد اليوناني.

وبالنسبة لبعض الدول الأوروبية، فإن حجم الناتج السنوي يبلغ حوالي 440 بليون دولار لبلجيكا، و711 بليون دولار لهولندا، في حين أن حجم الاقتصاد الألماني يبلغ 3.4 تريليونات دولار، والفرنسي 2.4 تريليون دولار، والبريطاني 2.2 تريليون دولار، والإيطالي 2 تريليون دولار، والإسباني 1.5 تريليون دولار.

يحسب أيضا لهذا الحزب، وزعيمه الشاب، أنه ورغم امتلاكه تفويضا شعبيا كبيرا من خلال الانتخابات، ومن خلال موقعه في رئاسة الحكومة، فإنه ذهب نحو شعبه لإشراكه في الرد على الشروط الأوروبية، مصارحا إياه بحقيقة الوضع، وبالصعوبات الاقتصادية التي تواجهه، إذا وافق على الشروط الأوروبية، وإذا رفضها، ومتحدثا عن الخيارات المتاحة، وثمن ومعنى كل خيار، وهذا درس كبير في الديمقراطية لكل من يعنيهم الأمر.

في خطابه المذكور صارح تسيبراس شعبه بمخاطر شروط المؤسسات الدولية، التي تطالب اليونان بـ"إجراءات تؤدي إلى إلغاء المزيد من الضوابط التنظيمية لسوق العمل، وخفض معاشات التقاعد، وتخفيضات جديدة لمرتبات القطاع العام، وزيادة في ضريبة القيمة المضافة على الغذاء والمطاعم والسياحة، مع إلغاء الإعفاءات الضريبية للجزر اليونانية".

وأكد أنه لم يوافق على ذلك لأن التفويض الممنوح له من الشعب عبر الانتخابات "كان تفويضا من أجل اتفاق مستدام يحترم الديمقراطية والقوانين الأوروبية الشائعة، ويؤدي إلى الخروج نهائيا من الأزمة..".

إزاء ذلك قال تسيبراس: "أمام ابتزاز الإنذار، الذي يطلب منا القبول بتقشف خطير ومهين دون نهاية ودون أي احتمالية للتعافي الاجتماعي والاقتصادي، أطلب منكم الاستجابة بشكل سيادي وفخور، حسبما يلزمنا تاريخ الشعب اليوناني. وأمام الاستبداد والتقشف القاسي، سنرد بالديمقراطية، على نحو متريث وحاسم. ستقدم اليونان، مهد الديمقراطية، ردا ديمقراطيا مدويا لأوروبا والعالم. أنا ملتزم شخصيا باحترام نتيجة الخيار الديمقراطي، أيا كانت. وأنا واثق تماما من أن خياركم سيحترم تاريخ بلدنا، وسيقدم رسالة كرامة إلى العالم".

ما بعد الرفض
الجدير ذكره أن هذا الموقف لم يكن معزولا، بل وجد دعما من قوى اجتماعية داخل البلدان الأوروبية ذاتها، لاسيما في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بل ومن مفكرين اقتصاديين، منهم جوزيف ستيغليتز وبول كروغمان، تمنوا على اليونانيين التصويت بـ"لا" للشروط الأوروبية.

السابقة اليونانية ستشجع دولا أخرى على خوض ذات المغامرة من أجل تصحيح الاختلال بين القوى الاقتصادية وإيجاد نظام توزيع أكثر عدالة على المستوى القاري، كما أن هذه السابقة قد تدفع البيوتات المالية الدولية إلى تخفيف ضغوطها التي تؤدي لخنق الاقتصادات النامية بدل أن تساعد على نموها
وبحسب ما قال ستيغليتز، وهو كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001، في مقابلة مع مجلة تايم، فإن "60% من الشباب اليونانيين عاطلون عن العمل"، مقترحا "محو الديون اليونانية.. ودفع الأموال إلى أثينا لتمكينها من تعزيز اقتصادها".

أما بول كروغمان الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008، فقد أكد في مقال نشره في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن "الاقتصاد اليوناني انهار بشكل رئيسي بسبب التدابير التقشفية المفروضة على البلاد". وأوضح أن زيادة التقشف لن تؤدي إلا إلى طريق مسدود في البلاد التي "لم تكن قط ضعيفة كهذا"، مضيفا أن "الحكومة اليونانية يجب أن تكون على استعداد للخروج من اليورو إذا لزم الأمر".

طبعا لم تنته القصة بمجرد رفض اليونانيين الشروط المطروحة عليهم، إذ إن الوضع مفتوح على احتمالات عديدة، بيد أن المبادرة باتت بيد الدول الأوروبية الكبرى، لا سيما ألمانيا، التي باتت في موضع حرج، بين خيارين، إما اتخاذ إجراءات تدفع اليونان لوقف التعامل باليورو وصك عملة جديدة، وربما الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو خيار محفوف بمخاطر تفكك الاتحاد، وهو ما لا تريده ألمانيا. وإما دعوة الحكومة اليونانية إلى مباحثات جديدة لإيجاد تسوية مناسبة بشأن قصة الديون والفوائد على الديون، وربما يكون هذا هو الخيار الأصوب والأكثر احتمالا.

وعلى الأقل فإن ردود الفعل على نتيجة الاستفتاء جاءت ترجح هذا الاحتمال، إذ ثمة ما يفيد بأن الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية "اتفقا" على وجوب "احترام تصويت" اليونانيين، كما أكدت المفوضية الأوروبية من جهتها أنها "تحترم نتيجة" الاستفتاء.

لكن القصة لا تتوقف على مجرد مفاوضات، فاليونان بحاجة لإجراءات جذرية لمعالجة الخلل في اقتصاداتها، ولاسيما في ضعف قطاعات الإنتاج فيها، وضمنه اعتمادها الكبير على القطاع السياحي. ولا بد أن الأمر يحتاج خطوات أساسية منها وضع حد للفساد الذي أربك البلد واستنزف إمكانياته، وإيجاد نظام ضريبي أكثر عدالة، وخلق مناخ جاذب للاستثمارات، لأنه من دون هذه الإجراءات ستبقى اليونان تعاني الأزمة الاقتصادية، ومن ضعف اقتصادها بالقياس لاقتصادات دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وعلى الصعيد الأوروبي فإن السابقة اليونانية ستشجع دولا أخرى على خوض ذات المغامرة من أجل تصحيح الاختلال بين القوى الاقتصادية وإيجاد نظام توزيع أكثر عدالة على المستوى القاري، كما أن هذه السابقة قد تدفع البيوتات المالية الدولية إلى تخفيف ضغوطها التي تؤدي لخنق الاقتصادات النامية بدل أن تساعد على نموها. وبالتأكيد فإن هذه السابقة ستكون لها انعكاساتها خارج أوروبا أيضا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة