سوريا وحديث الإفك الأميركي   
الأربعاء 9/5/1429 هـ - الموافق 14/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:34 (مكة المكرمة)، 6:34 (غرينتش)


عبد الله الحسن

- المفاجأة
- روايات متضاربة
- الشكوك
- وظيفة الرسالة

الإدارة الأميركية المتحللة من صدق القول والمندرجة في عبثية الفعل ضد كل ما هو عربي وإسلامي.. انزلقت إلى خانة انتحار الحكمة السياسية بصورة بدت معاكسة لحكمة التاريخ الإنساني، كما عبر عنها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي بأن "الهدف النهائي لانهيار الإمبراطوريات هو انتحار الحكمة السياسية" ليصبح "انتحار الحكمة السياسية هو المقدمة لانهيار الإمبراطوريات".

ولعل أبرز مظاهر ذلك هذا الكم من سيل الأكاذيب المنثالة من أقطاب إدارة بوش حول العراق، حيث أحصى لها مركز السلامة الوطني الذي يضم مجموعة بحث تركز على أخلاقيات الإدارة في السياسية العامة 935 تصريحًا كاذبًا.

وهذا ما دفع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت إلى القول إن الولايات المتحدة فقدت كل ما لديها من رأسمال سياسي متراكم, منذ اليوم الأول لوصول بوش لأنه "قدم الامتثال للأيدولوجيا على حساب المهنية, وسمح للأكاذيب بالتنكر في لبوس الحقيقة".

ويبدو اليوم أننا أمام موضوع جديد للأكاذيب الأميركية يسترجع المثل العراقي هو سوريا، ولا غرو في ذلك فقد جعل الرئيس بوش من سوريا في بداية فترة حكمه الثانية "المحور الأول والأهم في المرحلة الثانية من الحرب العالمية التي تشنها إدارته على الإرهاب".

"
سوريا ليست في حاجة إلى السلاح النووي, لأنها قادرة في الحاضر والمستقبل المنظور على امتلاك قوة رادعة بديلة أقل كلفة وأكثر فاعلية من السلاح النووي
"
المفاجأة

وفي هذا السياق جاء القرار الأميركي بنشر تفاصيل الغارة الإسرائيلية على شمال سوريا في 6 سبتمبر/أيلول 2007 أمام لجنة خاصة في الكونغرس يوم 24/4/2008، والمفاجئ في القرار الأميركي هو إثارة قضية وجود أنشطة نووية سورية, وأن المنشأة التي دمرت كورية شمالية وأنها لإنتاج البلوتونيوم.

وجه المفاجأة في القرار الأميركي يكمن في أمرين, ربما لا تكون سوريا في وضعها الراهن قادرة على توفيرهما, وهما التمويل الواسع والحماية الأمنية الردعية.

فعلى الصعيد المالي والاقتصادي لا تبدو موارد سوريا وقدراتها الاقتصادية في وضع يمكنها من توفير التمويل الواسع واللازم للصناعة النووية ذات التكلفة العالية.

أما على الصعيد الأمني فإن ضيق مساحة سوريا النسبي ووقوعها على تماس جغرافي مباشر مع عدوين يشكلان وحدة عضوية، وهما متفوقان عليها عسكريا وتكنولوجيا, إسرائيل في الغرب (فلسطين) والاحتلال الأميركي في الشرق (العراق) يجعل توزيع منشأتها النووية على مواقع عدة, وتوفير الحماية الرادعة لها مسألتين بالغتي التعقيد ومحدودتي الفعالية، لاسيما أنّ المنشأة النووية المزعومة في دير الزور تقع على مسافة ربع ساعة فقط من واحدة من أهم القواعد العسكرية الجوية الأميركية في الشرق الأوسط وهي المعروفة باسم قاعدة الأسد في الأنبار، وعلى مسافة ساعات فقط من إيران التي تئن تحت وطأة حصار أميركي ودولي يستهدف وقف برنامجها النووي السلمي.. وبمساعدة من كوريا الشمالية التي تقف على حافة المجاعة منذ سنوات.

إضافة إلى ذلك فإن الصور التي عرضتها المخابرات الأميركية على أنها قرائن دامغة لا تدل أبدا كما يقول الخبراء في هذا الشأن على أنها لمفاعل نووي.

المحللون المحايدون يقولون ردا على هذه الإثارة الأميركية إن سوريا ليست في حاجة إلى السلاح النووي, لأنها قادرة في الحاضر والمستقبل المنظور على امتلاك قوة رادعة بديلة, أقل تكلفة وأكثر فاعلية من السلاح النووي.

ويؤكدون أن هذه القوة الرادعة متاحة في الوقت الحاضر وقابلة للتطوير والتوسيع والتزخيم, إنها المقاومة بنوعيها الشعبي وشبه النظامي, خصوصا أن الأمثولات المستمدة من تجارب الأمم وحروبها تجزم بأن الأهم في ميزان القوى في الصراعات الكبرى هو ميزان الإرادات.

ثم إن الأسلحة النووية لم تعصم أصحابها, حتى من الدول العظمى مثل الاتحاد السوفياتي السابق من الانهيار ولا هي أنقذت أميركا ذاتها من الهزيمة في فيتنام كما لم تسعفها في الخروج من المأزق العراقي, ولا هي أسعفت إسرائيل من التقهقر أمام المقاومة الإسلامية في لبنان ولم تجدها نفعًا في كسر الإرادة الفلسطينية ولا في تغييب الوعي الفلسطيني والعربي.

"
المعرفة الإسرائيلية بحقيقة الهدف الذي تعرض للقصف كانت ملتبسة حتى بالنسبة للمعلقين الإسرائيليين من أصحاب الحظوة في العلاقة مع أجهزة الاستخبارات
"
روايات متضاربة
شهدت الفترة التالية للغارة الإسرائيلية على منشأة دير الزور روايات متضاربة ينفي بعضها بعضا وكلها إسرائيلية أو أميركية المصدر حيث تدرجت من رواية قصف شحنة سلاح خاصة بحزب الله إلى قصف موقع إيراني, قبل أن تستقر على قصف منشأة نووية قيد الإنشاء, إلى قصف منشأة كانت على وشك أن تحول سوريا إلى قوة نووية! تمامًا كما في الرواية الأميركية ضد العراق التي تدرجت من ذريعة إلى أخرى لتبرير الحرب.

صحيفة واشنطن بوست كانت أول من أشار إلى وجود مشروع نووي في شمال شرق سوريا يقوم على استخراج اليورانيوم من الفوسفات, بعد ذلك جاء جون بولتون ليؤكد تقرير الصحيفة فقال باحتمال أن يكون الهجوم "الجوي الإسرائيلي ذا صلة بتهريب كوريا الشمالية لجزء من منظومتها النووية إلى سوريا".

وانساقت وراء ذلك وسائل الإعلام الأميركية نقلا عن المصادر الإسرائيلية فذكرت "أنها علمت باحتمال قيام كوريا الشمالية ببيع جزء من معداتها النووية إلى كل من سوريا وإيران بعدما قررت التخلي عن مشروعها النووي".

وحتى لا يبرز السؤال في وجه هذه الأكاذيب لماذا الآن؟ بادر مسؤولون أميركيون إلى التبرع براوية ملحقة تقول إنهم "كانوا قد حذروا قبل ثمانية عشر شهرا من الغارة، ومن تعاون نووي بين كوريا الشمالية وسوريا"!

الرد على حديث الإفك الأميركي جاء من كوريا الجنوبية التي استبعدت أن تسلك كوريا الشمالية هذا السلوك ثم جاء النفي من كوريا الشمالية ذاتها.

الشكوك
إضافة إلى هذا النفي فإن ثمة أسئلة برزت في وجه هذه الرواية الأميركية من قبيل: كيف استطاعت البحرية الأميركية في السابق أن تعترض العديد من شحنات الأسلحة الكورية الشمالية إلى سوريا في عرض البحر وكيف فاتتها شحنة المعدات النووية؟

وفوق هذا ما هي وظيفة الأقمار الصناعية الإسرائيلية التي تحلق في الفضاء فوق المنطقة العربية والإسلامية كل تسعين دقيقة, وتلتقط الصور الدقيقة, حتى إن المصادر الصهيونية تقول إن قمر عاموس وقمر أفق 7 يستطيعان تمييز الأجسام التي يبلغ طولها سبعين سنتمترا، فكيف فاتها إذا التحديد الدقيق لنوع الهدف الذي طالته الغارة الجوية ليلة السادس من 6 من سبتمبر/أيلول، علماً بأنّ إسرائيل تدعي أن 80% من مصادر معلوماتها تعود إلى الأقمار الصناعية، و20% فقط تحصل عليها بواسطة العملاء؟

المعرفة الإسرائيلية بحقيقة الهدف الذي تعرض للقصف كانت ملتبسة حتى بالنسبة للمعلقين الإسرائيليين من أصحاب الحظوة في العلاقة مع أجهزة الاستخبارات.

ومثالا على ذلك قال المعلق رون بن يشاي على موقع صحيفة يدعوت أحرونوت الإلكتروني بعد ساعات من الغارة "يحدث أحيانًا في نطاق الجهود الاستخبارية: طرف يرى شيئًا وهو لا يعرف بالضبط ما رآه وباتجاه ماذا أطلق النار؟ وحينها يطلق بالون اختبار بواسطة الإعلام من أجل أن يتيح له الرد إكمال التفاصيل الناقصة".

وعلى ما يبدو فإن هذا بالضبط هو السبب وراء قول الناطق بلسان الجيش: "نحن غير معتادين على الرد على أنباء من هذا النوع"، في ضوء ذلك هل يكون أحد أهداف إثارة الإدارة الأميركية قضية وجود منشآت نووية في سوريا التوصل إلى معرفة ما الذي تم قصفه بالفعل، لاسيما أن كاتب التحقيقات الأميركي الشهير سيمون هيرش قال إن الروايات السورية والإسرائيلية المتعددة بتعدد الرواة قد أضفت على ما جرى في 6/9/2007 المزيد من الغموض, ولم يستطع تحديد الأدلة لا من الطرف الإسرائيلي ولا حتى الأميركي، في ظل هذه الشكوك كيف تكون سوريا على مسافة أشهر من إنتاج قنبلة أو قنبلتين نوويتين هكذا فجأة؟

"
العلاقات السورية الأميركية مع إثارة ملف البرنامج النووي قد وصلت إلى النقطة الحرجة, وربما الأخيرة في مسار العلاقات الثنائية التي سادتها في السنوات الخمس الأخيرة توترات وتجاذبات كثيرة على أكثر من جبهة
"
وظيفة الرسالة
الرئيس بوش أوضح أن الغاية من كشف ما أسماه المنشأة النووية السورية توجيه رسالة سياسية إلى كوريا الشمالية وإيران والعالم, بأن أميركا معنية بالحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط ولن تسمح أبدًا بزعزعة هذا الاستقرار!

جون بولتون المندوب السابق في الأمم المتحدة أكد كما أكد بوش أن المقصود بالرسالة هي كوريا الشمالية التي تخزن بعض الوقود النووي في سوريا حتى تتغلب على مناقشات اللجنة السداسية الخاصة بمشروعها النووي.

لكن معظم المحللين قرؤوا الأمر بصورة مختلفة, وقالوا إن الطرف الأساسي المقصود بالرسالة هو سوريا, وأن العلاقات السورية الأميركية مع إثارة ملف البرنامج النووي قد وصلت النقطة الحرجة, وربما الأخيرة في مسار العلاقات الثنائية, التي سادتها خلال السنوات الخمس الأخيرة توترات وتجاذبات كثيرة على أكثر من جبهة, هدفها إنهاء دور سوريا الإقليمي وهو المطلب الذي حمله كولن باول إلى دمشق في مايو/أيار 2003، لكن بدايته الفعلية كانت مع صدور القرار 1559.

تجدر الإشارة إلى أن سوريا قد استطاعت في الفترة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق واحتلاله أن تصبح رقمًا فاعلاً في عدد من المعادلات والتوازنات الجديدة التي استقرت في المنطقة في مرحلة ما بعد كامب ديفد والثورة الإسلامية في إيران.

وفي الآونة الأخيرة استطاعت سوريا أن تعيد الإمساك بمفاصل الصراع الإقليمي في المنطقة، وحسبنا هنا أن نشير إلى ما أظهره الرئيس بشار الأسد في لقائه مع المثقفين القوميين في دمشق خلال ندوة "تجديد الفكر القومي" من 15 إلى 17 أبريل/نيسان من تركيز غير مسبوق على تفوق المقاومة العراقية, حيث أعرب عن تقديره لتطورها الكمي والنوعي مقارنة بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

وهذا بالطبع يثير حفيظة الإدارة الأميركية التي عبرت عن ذلك في التقرير الأخير الصادر عن وزارة الخارجية حول الإرهاب وجاء فيه "أن سوريا هي مصدر90% من الهجمات الإرهابية في العراق".

والسؤال ماذا بعد هذه النقطة الحرجة من العلاقات الأميركية السورية؟ والجواب عليه أن ثمة سيناريوهين لا مزيد عليهما هما أن العلاقات قد تؤول إلى تكرار السيناريو العراقي, أو تكتفي بالسيناريو الإيراني. في روايته "العمى" يقول الكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل في الأدب جوزيه سارموغا "إنه عدم يحاول تنظيم عدم" وهذا حال السياسة الأميركية المفتقدة للحكمة.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة