عن الرؤوس والخبز والتفاح   
السبت 1432/2/18 هـ - الموافق 22/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 9:56 (مكة المكرمة)، 6:56 (غرينتش)
توجان فيصل


في مسرحية "كاسك يا وطن", يخرج علينا دريد لحام في شخصية حاكم يلبس طرطورا, ليدلي بخطبة نمطية من خطابات الحكام العرب. ولكن الشعب يثور ويسقط ذلك الحاكم، ويجتمع أمام دار الحكومة بانتظار الحاكم الجديد, فيخرج عليه دريد لحام ذاته, ولكن واضعا على رأسه سطلا (جردل), ليلقي خطبة أخرى عصماء باسم العهد الجديد!!

وهذا بالضبط ما حدث في تونس حين تولى الوزير الأول رئاسة الحكومة بعد الثورة, حتى وإن استقال من حزبه.

ومثله يحدث في الأردن, فإن لم ترحل هذه الحكومة ويؤتى بحكومة من شخصيات مجمع على نزاهتها وكفاءتها ووطنيتها -بدءا بمعناها البدهي- وهو التحامها بجموع المواطنين، فإن إعادة تدوير أي ممن جُرّبوا في مناصب تنفيذية, أو حتى في مواقع رقابية وتشريعية، أعطت ثقة لأي من الحكومات السابقة, هو تلبيس طَواقٍ على طريقة غوار الطوشة.

"
الشارع التونسي الذي اجترح ثورته بما أدهش العالم قادر على فرض شروطه, تماما كما فرض لهجته العامية خلال أسابيع خمسة لا أكثر, متطلبا رئيسا لكل من يريد النجاح في امتحان الوطنية والكرامة الإنسانية
"
فالطواقي على الرؤوس المجربة تلك لا تعود حتى طواقي, لأن الطاقية من الرأس وليس العكس, وإلا لما سقط زين العابدين بن علي وفرّ بطريقة جعلت البعض يقول إنه غطّى رأسه بملاية "حريمي" كي لا يُعرف, ولا سقط قبله شاهنشاه إيران وهو يلبس تاج فارس، وفي المقابل ما كان يمكن أن يصبح مجرد "الباكباشي" جمال عبد الناصر زعيم الأمة الخالد في تاريخها ووجدانها.

الشارع التونسي الذي اجترح ثورته بما أدهش العالم, قادر على فرض شروطه, تماما كما فرض لهجته العامية خلال أسابيع خمسة لا أكثر, متطلبا رئيسا لكل من يريد النجاح في امتحان الوطنية والكرامة الإنسانية. ولهذا فحديثي هنا ليس عنه, بل عن الشعب الأردني الذي أسقط -لحينه- كل من تقاعس عن الدعوة لإسقاط الحكومة.

فلم تُجدِ محاولة من أسموا أنفسهم "تنسيقية أحزاب المعارضة" -ومن بينهم الإخوان المسلمين- مضافا إليهم مجالس النقابات المهنية, في إفشال مسيرة "الغضب الأردني" التي انطلقت من عدد من مساجد المملكة في يوم الجمعة الثاني من العام الجديد, ومحاولة تفتيت هذا الإجماع الشعبي بالدعوة إلى اعتصام يوم الأحد الذي يليه أمام مجلس النواب.

فمقاطعة أغلب قواعد تلك الأحزاب والنقابات لذلك الاعتصام جعل حضوره لا يتجاوز الألف, مقابل ما قدر بخمسة آلاف انطلقوا في مظاهرة يوم الغضب الأردني من الجامع الحسيني في عمان وحده.

يضاف إلى هذا أن المعتصمين أمام مجلس النواب استخلصوا من أولئك الأمناء العامين والنقباء دعوة لإسقاط الحكومة ومجلس النواب, مما يجعل إعلان تلك الأحزاب والنقابات نيتهم التظاهر الجمعة التالية انطلاقا من ذات الجامع الحسيني في وسط عمان مع من سبقوهم إلى تلك الانطلاقة, "عودة الابن الضال" (أو الآباء الضالين) للجسم الشعبي الأوسع, قافزين من سفينة الحكومة التي بدل أن تقوى بما حملته من أسلاب, باتت تغرق بها.

وسوء حظ حكومتنا التي دأبت على إرضاء أميركا بحيث لم يعد لوزير خارجيتها قول سوى التأكيد على ما تقوله هيلاري كلينتون, بما أحال تصريحاته إلى كليشيهات لا تصنع خبرا, أن السيدة كلينتون حملت رسالة أميركية شديدة اللهجة لحلفائها في المنطقة في زيارتها الأخيرة لدول الخليج. مفاد الرسالة أن أميركا لن تقبل تأجيل الإصلاح السياسي, ليس لعيون الشعوب العربية, بل لحقيقة أن غياب الديمقراطية والحريات هو أهم ما يقوي التطرف، وهو قول صحيح وباتت تعاني منه الشعوب ذاتها مضافا إلى ما تعانيه من الأنظمة القمعية.

والإنذار الأميركي جاء قبل تبيّن نتائج انتفاضة الشعب التونسي المدنية العلمانية والتي وضعت العداء الشعبي للغرب ضمن إطار تواطئه مع القمع والفساد أكثر منه خلافا عقائديا بين ديانتين، مما عمدت الصهيونية العالمية إلى تكريسه لتبرير وجودها على أرض فلسطين في إطار توراتي.

وتلك الانتفاضة وعت أوروبا مدلولاتها كما وعت مخاطر تحولها إلى حالة تطرف إن أفشلت أهدافها. وما قالته السيدة كلينتون وأكثر منه كرّره الأوروبيون, بالصيغة التي قيلت لبن علي عبر أبراج المراقبة في مطاراتهم دون السماح له بالهبوط. ومفاد الرسالة أن أي نظام لا يعود حليفا للغرب لحظة ينقلب غلى عبء سياسي عليه.

وليس لدى الغرب ما يخشاه من الغضب الشعبي الأردني الأخير, كما تجلى في مسيرات شعبية عفوية جامعة لكل مكونات الطيف الأردني, رفع فيها العلم الأردني وحده, وغاب عنها تحديدا العلم الأخضر للإسلاميين, كما أعلام الأحزاب الأخرى.. في حين أثار رفعُ الإخوان المسلمون أعلامهم بكثافة في اعتصامهم أمام مجلس النواب, وتغييب العلم الأردني تماما, استياء كافة الأردنيين.

وفصل الإخوان أنفسهم عن أكبر حراكين شعبيين يؤرخ بهما الأردنيون لانتفاضتهم لأجل الخبز والديمقراطية, وهما انتفاضة نيسان عام 89 ومظاهرات الغضب الشعبي الأخيرة, وعادوا إلى حدود حجمهم الحقيقي في الشارع, ولكن كجماعة أكثر عزلة لا تستطيع تمثيل الشارع المسلم أو حتى "الإسلامي" منه.

فحجم الإخوان تراجع منذ العام 89, بحيث لم تؤثر مقاطعتهم لانتخابات المجلس الثالث عشر. والأهم أن عودتهم إلى المجلسين الـ14 والـ15 لم تحدث أي فارق, بل إن أداءهم تراجع مع تراجع سوية تلك المجالس, بما يؤكد أنهم ظلوا يسيرون خلف المعارضة الحقيقية داخل المجلس وخارجه بمسافة ملحوظة, ولم يقودوها يوما. ولكن زعم تلك القيادة كان يرفد دوما بالتلويح الرسمي بهم كفزاعة إسلامية لمنع أي دعم خارجي للدمقرطة .

"
كما أن المعارضة لا تختصر في تيار واحد بل باتت تنتظم كامل الشعب تقربيا, فإن الحكومة أيضا لا تختصر بشخص سمير الرفاعي, بل هي تعني سلسلة الحكومات التي تعاقبت في العقد المنصرم
"
وكما أن المعارضة بدليل مجمل تجليات "الغضب الأردني" مؤخرا, لا تختصر بتيار واحد بل باتت تنتظم كامل الشعب تقربيا, فإن "الحكومة" أيضا لا تختصر بشخص سمير الرفاعي, بل هي تعني سلسلة الحكومات التي تعاقبت في العقد المنصرم, موصولة بأسوأ جزء من العهد السابق, والذي استلزم انتفاضة شعبية في نيسان عام 1989.

فحقيقة, الرئيس الحالي غير موجود لحد بعيد فيما يهم الشعب, ولكنه حتما موجود فيما يهمه هو شخصيا, ومن هنا التسمية الشعبية لهذه الحكومة بحكومة "دبي كابيتال". وشخصنة الموقع حد احتكار كل سلطات الدولة والتصرف بثرواتها وصل، في العقد الأخير حد قوننة ذلك الاحتكار وإطلاق يد الحكومات بقوانين مؤقتة غير دستورية تصدرها ذات الحكومات بالمئات, مما أضر بهيبة القوانين التي هي مصدر هيبة الدولة وليس القمع الفج, وحتى بهيبة القضاء الذي طبقها رغم تعارضها مع الدستور.

وغياب رئيس الحكومة باعتبار عدم تأهله بالكفاءة اللازمة للموقع, ولّد قناعة عند غالبية الأردنيين بأن والده زيد الرفاعي هو من يدير المشهد, وهو ما يؤكده عدد من المقربين من دوائر صنع القرار. وعموما, في عصر فورة الاتصالات حيث الأحداث تجري كلها حية وعلى الهواء, يصعب أن يكون هناك رجل قوي كفء ولا تثبت قوته بما يدحض من أقوال أو ظنون.

وحتى لو قفزنا عما يتواتر عبر معرفة أو اطلاع شخصي أو تقييم شخصي قد تكون معايير المقيّم فيها عالية, نجد أن هناك إجراءات تثبت -على الأقل- حاجة رئيس الحكومة لعدة روافع. فالرئيس لزمه في تشكيل حكومته الأولى نائبان توليا إدارة ملفين رئيسين: الملف الاقتصادي, والتعامل مع العشائر الأردنية في كافة شؤون الدولة عبر وزير الداخلية، في فترة توترت فها علاقة العشائر بالدولة على نحو غير مسبوق.

وانتهت الحكومة الأولى وقد وتّر الرئيس علاقاته بنائبيه بشكل لافت. وفي حكومته الثانية, جيء له بثلاثة نواب, أحدهم يعتبر تكرارا لإعطاء الدور العشائري لوزير الداخلية, ولم يساعد الحكومة قوله للأحزاب والنقابات إن المسيرات لا جدوى منها, لكونها وسيلة مشروعة دوليا ولها جدوى كبرى في حل الأزمات سلميا.. وثانيهم كان قد عين نائبا للرئيس في حكومة الشريف زيد بن شاكر لبلاغته تحديدا.. ولكن اللافت هنا أن ثالثهم اعتُمد ناطقا باسم الحكومة, "اختار" مكتب الرئيس في مبنى رئاسة الوزراء مكتبا رسميا دائما له، مما يؤكد أن الرئيس لا يتواجد بتاتا في مبنى الرئاسة خارج اجتماعات مجلس الوزراء.

معروف منذ قرابة العام, أن الرئيس انتقل وحده إلى مكتب في مبنى مجاور كان قد استؤجر كسكن لرئيس وزراء تصادف أن بيته ليس بالفخامة الدارجة لبيوت الرؤساء. والرئيس الحالي "لا يسكن" ذلك المبنى, أي أنه لا مجال لأن يصوّر الأمر وكأنه لضرورات عمل يصل الليل بالنهار, مع أن العمل -بعيدا عن طاقم الحكومة والرئاسة وملفاتها- غير ممكن.

أي أن الرئيس غائب جسديا أيضا عن الرئاسة, وهو ما يعزز مقولة أن والده هو من يدير المشهد. وهذا يفاقم المعضلة ويسمح بتنامي نفوذ الحواشي, وليس فقط الحاشية. ومنه نفوذ نائب الرئيس الذي يجلس في مكتب الرئيس وينطق باسم الحكومة, وهو أقل قبولا من الرئيس ذاته.

وتصريحاته الأخيرة دلت على تسطيح فكري قبل أن يكون لغويا وبلاغيا، فهو صرح بأن ما يحدث في الأردن "هامشي" مقارنة بالاضطرابات الحاصلة في تونس , ويقارن ما يحدث بالبلدين بالفارق بين"التفاح والبرتقال"!!!

فإضافة إلى غياب أي فارق موضوعي بين التفاح والبرتقال, لكون أي مفاضلة بينهما تتعلق بالمتذوق, فإن الشعب الأردني الذي يطالب "بالخبز", واختج قبله لأشهر طويلة على عدم مقدرته على شراء البندورة، يجد حديث الناطق باسم الحكومة عن الفاكهة, كالحديث عن البسكوت في غياب الخبز !!

"
بلغ استهتار من يقال إنهم نواب الشعب بجوع الشعب, أن خرج نائب على الأحزاب والنقابات التي اعتصمت أمام مجلس النواب ببضعة أكياس خبز وسندوتشات, قائلا لهم: إذا كنتو جوعانين.. كلوا
"
وقبله بلغ استهتار من يقال إنهم نواب الشعب بجوع الشعب, أن خرج نائب على الأحزاب والنقابات التي اعتصمت أمام مجلس النواب, ببضعة أكياس خبز وسندوتشات , قائلا لهم : إذا كنتو جوعانين كلوا.

في حالة الحكومة الرفاعية, أي نقص في الكفاءة يعزز نظرية التوريث للحكومة بالمطلق, أي حتى لو لم تتوفر مقومات الكفاءة وليس فقط الاستحقاق ، وحين يكون الإرث المعني قد تطلب خلاص الشعب منه انتفاضة شعبية مؤلمة, فإن هذا يستفز الشارع "سياسيا" (والمطالب السياسية للمتظاهرين تسبق المعيشية), ويدفعه لنبش ممارسات أكثر من نصف قرن مضت.. ويفاقم من استفزازه "معيشيا" هذر الدعوة عن صنوف الفاكهة في حديث عن مظاهرة تطالب بالخبز أعادت هتافا "معيشيا" للآباء أو حتى الأجداد عمره نصف قرن, يقول "سنة سمير لا قمح ولا شعير", في إشارة إلى جد الرئيس الحالي, ولكنهم أضافوا هتافا يتضمن تقييما "سياسيا" لكفاءة الحفيد, يقول "ارحل ارحل يا سمير, الأردن عليك كبير".

أحد النواب قال مبررا إعطاءه الثقة للحكومة إن "الموت مع الجماعة رحمة". والآن ثبت أن أصوات الثقة تلك جلبت الموت السياسي للنواب, ولكن ليس مع الجماعة بمعنى "الأكثرية", بل مع مجموعة نادي الحكم التي ضاقت باطراد في العقد الأخير. وتضييقها هو ما جعل هذه الحكومة تعتقل منافسيها على صفقة المصفاة حسب قناعة الشارع, وليس مكافحة الفساد التي وعد رئيس الحكومة (على طريقة خطاب الحريات الأخير لبن علي) بمدّها لتطال مجموعة "موارد" الاستثمارية الحكومية التي أهدرت -بفساد صريح منذ بدايتها- ما تجاوز حتما مئات الملايين, لكون مديرها سبق أن صرح بأن استثمارات "موارد" في "المغرب" وحدها تبلغ ملياري دينار، وأن قروض "موارد" المتعثرة مضمونة من الحكومة بصورة غير دستورية.

ولكن ليس فقط "موارد" التي تورطت في فسادها أكثر من حكومة, ولكن هي كل ما تفتّق وألزم زعم المحاسبة عليه, بل هناك قائمة طويلة تراكم فسادا بعشرات ومئات الملايين لتصبح في مجموعها مليارات، منها فساد صفقات بيع الأصول من فوسفات وبوتاس وكهرباء, وصولا إلى بيع الميناء البحري الوحيد للبلد, وشركات الاتصال الخلوي, وأموال الضمان, وصفقة الماغنيزيا, وكامل ما قامت به سلطة إقليم العقبة منذ إنشاءها بما يشبه اقتطاع جنوب الأردن دولة داخل دولة لا تخضع لمحاسبة مجلس النواب.

وأيضا كل ما يجري لأراضي البحر الميت, النسخة المكبّرة عن أراضي العبدلي والموازية لأراضي وثروات إقليم العقبة, والذي قمة جبل جليده قضية الكازينو التي أرقامها تصل 1.5 مليار, ويقال إن من تجرأ عليها "وزير" لا أكثر ولم يحاسب إلى الآن، فإن صدقوا فتلك مصيبة وإن لم يصدُقوا فالمصيبة حتما أعظم.

وفي مواجهة كل هذا نجد حكومة تعكس حقيقتها أحداث آخر جلساتها، ففي محاولة من الحكومة لتحسين صورتها عرضت تعديل التشريعات بحيث يتم خفض امتيازات الوزراء فيما يتعلق بالتقاعد وربطه بمدة خدمة الوزير. فثار وزير الشؤون البرلمانية وهدد بمقاضاة الحكومة, واصطف معه وزراء آخرون يرون أنه ليس من "العدل" أن يحرموا من الامتيازات التي حصلت عليها وزيرة سابقة دخلت الوزارة لثلاثة أشهر فقط.

الوزير الذي انقلب على حكومته محام, ويعرف ما يكفي لأن يجعله يمتنع عن ذكر أخذ الحكومات لمحاكم، ولكنه الاقتتال على الغنائم يلهي عن المعركة الأكبر بما يؤشر على حتمية خسارتها!!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة