أسئلة العلاقة بين العشائر والمقاومة وبين الاحتلال   
الخميس 1428/9/2 هـ - الموافق 13/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

خلال الشهور الأخيرة برزت مؤشرات عديدة على شكل ما من أشكال التعاون بين عدد من فصائل المقاومة الإسلامية (المقاومة معظمها إسلامية) وبين قوات الاحتلال في سياقات متعددة، من بينها صد هجمات على مناطق العرب السنة ينفذها مسلحون من فصائل شيعية (تحديدا جيش المهدي)، والأهم التصدي لبعض المجموعات المحسوبة على خط تنظيم القاعدة، أو المنتسبة -بتعبير أدق- إلى ما يعرف بدولة العراق الإسلامية التي أعلنها التنظيم منذ نحو عام.

"
من الثابت أن مواقف القاعدة واستهدافها للعديد من زعماء العشائر ورموز العمل السياسي قد ساهم مساهمة فاعلة في تصعيد التوتر. ومن الثابت أيضا أن سيف الاحتلال وذهبه قد لعبا دورا مهما، إضافة إلى قناعات سياسية لدى بعض الأطراف
"
قبل ذلك كانت مؤشرات أكثر وضوحا قد توفرت على تعاون بين عدد من زعماء العشائر وبين الاحتلال في سياقات متعددة، من بينها البعد الأمني في مطاردة مجموعات القاعدة، وقبل ذلك إبعاد أبنائها عن مسار المقاومة والتعاون مع المحتلين في تثبيت الأمن في مناطق معينة على رأسها محافظة الأنبار.

وقد عرفت هذه الظاهرة بظاهرة مجالس الإنقاذ أو مجالس المحافظات التي بدأت بمجلس إنقاذ الأنبار، وجاءت تبعا لها قصة تسليح العشائر التي تمت بالاتفاق بين الأميركيين من جهة وبين نفس العشائر وبعض القوى والأحزاب العربية السنية المشاركة في العملية السياسية.

وبينما كانت أنباء التعاون بين قوى المقاومة والأميركيين قد تواترت خلال الأسابيع وربما الشهور الأخيرة، وقبلها كما أشرنا تعاون العشائر، جاءت زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش المفاجئة إلى العراق لتكشف الأهمية البالغة التي يوليها الأميركيون لهذا التحول، إذ ذهب بوش إلى أن بالإمكان البدء في خفض عدد القوات الأميركية في العراق في حال استمرار النجاح في الأنبار وامتداده إلى مناطق أخرى.

ثمة أبعاد أمنية وسياسية تطرح في سياق تبرير ذلك، مع العلم أن المعنيين أو المتهمين من بين قوى المقاومة بتعبير أدق، ما يزالون يتلعثمون عند الحديث في هذا الشأن، وإن بدا بعضهم أقل حياء من البعض الآخر.

أما في حال زعماء العشائر فيبدو الأمر مختلفا، إذ يجهر بعضهم بموقفه بكل قوة، لاسيما ما عرف بمجلس إنقاذ الأنبار بقيادة عبد الستار أبو ريشة.

في البعد الأمني يتحدث البعض عن مواجهة مجموعات ترتكب جرائم ضد مناطق العرب السنة على خلفية طائفية، وربما ثأرية انتقامية في بعض الأحيان، أما الأهم فيتمثل في مواجهة مجموعات أخرى تسعى إلى فرض قناعاتها الدينية والاجتماعية والسياسية على الآخرين، متجاهلة الاحتياجات الطبيعية للناس، ومعها الخلافات الطبيعية بين فصائل المقاومة، حتى تلك التي تلتقي على نفس الأسس الفكرية. والمقصود هنا كما يعرف الجميع هي تلك المجموعات المحسوبة على دولة العراق الإسلامية.

هنا تتعدد الروايات وتكثر الاتهامات، لكن الثابت أن مواقف القاعدة واستهدافها للعديد من زعماء العشائر ورموز العمل السياسي -وهم أيضا من أبناء العشائر- قد ساهم مساهمة فاعلة في تصعيد التوتر وصولا إلى التحولات المشار إليها. والثابت أيضا أن سيف الاحتلال وذهبه قد لعبا دورا مهما، إضافة إلى قناعات سياسية سنشير إليها لاحقا.

لو تخطينا قليلا مسألة العشائر، ونتحدث هنا عن بعض العشائر، بل أجزاء منها في واقع الحال، إذ إن انتساب هذا الفريق أو ذاك إلى العشيرة الفلانية لا يعني أن جميع العشيرة قد أجمعت على الموقف، لأن مقاتلي الفصائل -بما في ذلك القاعدة- هم من أبناء العشائر أيضا، وإن قيل إن بعضهم "أجانب" جاؤوا من خارج العراق.

لو تخطينا قليلا هذه المسألة وبحثنا في أسباب الفرقة بين فصائل المقاومة، فسنجد -إضافة إلى البعد الفكري- عوامل كثيرة تؤدي إلى ذلك في البلد الواحد، ليس في العراق فحسب، بل في معظم التجارب المشابهة.

بعض تلك العوامل سياسي وبعضها قبلي وبعضها حزبي وبعضها شخصي، وبعضها ذو صلة بالأطراف الخارجية الداعمة التي تختلف من حيث أهداف الدعم وأشكاله، وكلها تجعل الوحدة الشاملة أمرا بالغ الصعوبة.

وإذا كانت الوحدة شبه مستحيلة في أجواء العمل السلمي، فإنها في أجواء العمل العسكري أكثر صعوبة بسبب سرية القيادات وطبيعة حراكها وصعوبة التواصل بينها، وقد رأينا كيف أن توضيح المواقف بين الفصائل قد تم في أكثر الأحيان عبر الرسائل الصوتية والبيانات.

تابعنا مثل هذا التشرذم في الساحة الفلسطينية، كما تابعناه في الساحة الأفغانية أيام الجهاد ضد السوفيات، ثم ازداد شراسة بعد رحيلهم، كما توفر في تجارب أخرى كثيرة، وفي كثير من الأحيان بين فصائل من نفس اللون الفكري!

نشير إلى ذلك كله كي نقول إنه لا يمكن تبرير مواقف الذين يسيرون في ركب القوات الأميركية في مواجهة مقاتلين مسلمين أيا كان الموقف من سلوكهم وبرنامجهم، كما لا يمكن قبول مواقف الذين يريدون فرض خياراتهم الفكرية والسياسة والجهادية على الآخرين، أيا كان مستوى إخلاصهم ومن ثم مساهمتهم في المقاومة والجهاد.

الأصل أن يصوّب هؤلاء وهؤلاء بنادقهم إلى العدو، ويكفّوا تبعا لذلك عن مواجهة بعضهم بعضا، فضلا عن التورط في جرائم ضد الأبرياء تسيء إلى المقاومة وتمنح أعداءها فرصة تشويه صورتها في وعي جماهير الأمة.

وهذه جرائم لا يمكن تبريرها، لا من الزاوية الشرعية ولا من الزاوية السياسية، ولا تسأل بعد ذلك عن واجب الوقت ممثلا في ضرورة التنسيق بين فصائل المقاومة على برنامج الحد الأدنى.

"
التنظير القائل بأن الخطر الإيراني أو الخطر الشيعي أكثر أهمية من الخطر الأميركي هو أس الشرور كلها، ومن يتبناه لن يستغرب منه أن يلقي كامل بيضه في سلة الاحتلال ويواجه تبعا لذلك أعداءه الآخرين
"
لا شك أن البعد الفكري وما يتعلق به من تنظير سياسي يستند إلى رؤية معروفة في الفكر الإسلامي هو الأكثر أهمية في تفسير سلوك قادة دولة العراق الإسلامية، لكن فرض هؤلاء لخياراتهم على مناطق العرب السنة لا يمكن أن يكون مقبولا بحال، فضلا عن مطاردتهم للآخرين، سواء المقاومين أو العاملين في الميدان السياسي ممن لا ينبغي لأحد أن ينكر أن أكثرهم مجتهدون في خدمة شعبهم وقضيتهم.

نقول ذلك لأنه من المستحيل إقناع الآخرين بالأحلام الكبيرة التي يطرحها قادة تلك الدولة في ضوء الوضع المعقد داخل العراق وفي محيطه السياسي، فضلا عن الوضع الدولي، إضافة إلى أن الواقع على الأرض واقع مقاومة لا واقع دولة لا يعرف الآخرون كيف يتواصلون مع قادتها الذين لا يأمنون بدورهم على أنفسهم.

لكن ذلك لا يبرر في المقابل مواقف الآخرين التي تذهب باتجاه استهداف عناصر محسوبة على دولة العراق الإسلامية، اللهم إلا إذا تم ذلك في سياق الدفاع عن النفس. أما في حال عرض هؤلاء الحوار والمصالحة فالأصل هو الاستجابة، لأن الرد هنا لا ينبغي أن يأخذ البعد الثأري على النحو القبلي المعروف.

وهنا لا بد من التذكير بأن الصدامات داخل ميدان المقاومة لا يمكن إلا أن تؤدي إلى ضجر الناس وانفضاضهم من حول المقاومة، ما يفقدها حاضنتها الشعبية الضرورية لاستمرارها.

على أن البعد السياسي لما يجري هو الأكثر خطورة، أعني ما يتعلق بسلوك الطرف المتمثل في المتعاونين مع الاحتلال من العشائر وقوى المقاومة، الذين يغريهم البعض بجدوى ما يفعل على أكثر من صعيد.

الصعيد الأول هو المتمثل في الكف عن المراهنة على مسار المقاومة والتعويل بدلا من ذلك على العلاقة الجيدة مع الاحتلال.

ويذهب هذا الفريق إلى مقاربة سياسية تقول إن الأميركيين اكتشفوا أن مراهنتهم على تعاون القوى الشيعية قد أفرزت وضعا شاذا، إذ سيطرت القوى المذكورة على كل شيء (لاسيما الأمن والجيش) من دون أن تمنح ولاءها للأميركيين، إذ بقيت على ولائها لإيران ودفعت العرب السنة إلى مسار المقاومة واستنزاف قوات الاحتلال.

من هنا يرى هؤلاء أن الدخول في حلف مع الاحتلال سيوفر لهم وضعا مختلفا إلى حد كبير، إذ قد يدفع مسؤولي الاحتلال إلى إعادة النظر في تركيبة الجيش وقوى الأمن من جهة، كما قد يدفعهم إلى إعادة النظر في التركيبة السياسية لما بعد الاحتلال برمتها.

ثمة بالطبع رُشا كثيرة يمكن للاحتلال أن يدفعها للعرب السنة مقابل تعاونهم، وقد بدأت معالم تلك الرشا في الظهور خلال الأسابيع الأخيرة، مثل الإفراج عن بعض المعتقلين والوعد بالإفراج عن آخرين، إلى جانب إعادة النظر في قانون اجتثاث البعث، والحديث عن إعادة النظر في تركيبة الجيش والأجهزة الأمنية واستهداف عناصر طائفية داخلها، فضلا عما كشفه عبد الستار أبو ريشة إثر لقائه مع جورج بوش من وعد بشأن تعويض المتضررين في مناطق الأنبار والإفراج عن بعض المعتقلين. وكان لافتا أن يصفه بوش بأنه بطل.

هنا ينبغي القول إن التنظير القائل بأن الخطر الإيراني أو الخطر الشيعي أكثر أهمية من الخطر الأميركي (هناك مقاربة مقابلة عند أكثر القوى الشيعية ترى العرب السنة هم الأعداء لا الأميركان)، هذا التنظير هو أس الشرور كلها، ومن يتبناه لن يستغرب منه أن يلقي كامل بيضه في سلة الاحتلال ويواجه تبعا لذلك أعداءه الآخرين.

نقول ذلك لأن ما يفعله هؤلاء سيثبّت أقدام المحتلين في العراق، تماما كما فعل تعاون أولئك بعد الاحتلال مباشرة، ولا شك أن تراجع المقاومة قد يفضي إلى نجاح مشروع الاحتلال، الأمر الذي يهدد الواقع العربي المحيط الذي جاء الغزو من أجل إعادة تشكيله على أسس جديدة تطال حتى الهوية.

أما الأكثر إثارة فهو قناعة أصحاب تلك النظرية بأن عليهم أن يفعلوا ما يفعلون كي يشجعوا واشنطن على ضرب طهران، وكأن قرار هذه الأخيرة في هذا الشأن يرتهن بمثل هذا التعاون، وهو الذي يخضع لحسابات إسرائيلية ما زالت تحكم سلوك المحافظين الجدد منذ سبع سنوات، من دون أن ينفي ذلك أهمية الوضع الأمني في العراق بالنسبة للقيادة الأميركية التي تعلم أن الانتقام الإيراني من قواتها هناك هو نقطة ضعفها في المعركة.

"
الذين يركزون بوصلتهم على مقاومة المحتلين بهدف طردهم هم وحدهم الذين يدافعون بحق عن العراق ووحدته وهويته، ولهم وحدهم حق تصدر المشهد بعد رحيله. أما المتعاونون فليس لهم سوى الخسران والندم، حتى لو كانوا من أهل السابقة
"
هي مغامرة من دون شك، ليس فقط على صعيد مصير البلد برمته أو مصير المنطقة فحسب، بل قبل ذلك -وهو الأهم- مغامرة بمصير الفئة التي احتضنت المقاومة ودفعت أثمانا باهظة من أجل استمرارها، إذ ماذا لو بدأت المقاومة الشيعية على خلفية ضرب إيران، أو على خلفية الشعور بالانقلاب الأميركي على الشيعة؟

هذا الاحتمال ليس بعيدا كما يرى كثيرون، بل هو احتمال طبيعي ومتوقع، لاسيما إذا ما ثبت المسار الانقلابي على الشيعة. والمقاومة التي نعنيها هنا ستتجاوز المقاومة المسلحة إلى شكل من المقاومة السلمية الشاملة مثل العصيان المدني بأمر من المراجع.

مثل هذه المقاومة بشقيها قد تنجح في إرهاق المحتلين، وصولا إلى طردهم بعد عجزهم عن تحمل الخسائر، وعندها ماذا سيكون حال المتعاونين معهم بعد ذلك؟ هل سيقولون إنهم كانوا أول من أطلق المقاومة؟ وما قيمة ذلك في ضوء معادلة أن الأعمال بخواتيمها؟

قد يبدو هذا الحديث شكلا من أشكال الحشد الطائفي وتكريس الانقسام، لكن الأمر ليس كذلك، لأن أي تعاون مع الاحتلال من الطرفين الشيعي والسني هو عمل ضد العراق ووحدته واستقلاله، والأصل هو التوحد على طرد الاحتلال، إلى جانب التوحد على هوية العراق العربية الإسلامية ورفض المحاصة الطائفية.

الذين يركزون بوصلتهم على مقاومة المحتلين بهدف طردهم هم وحدهم الذين يدافعون بحق عن العراق ووحدته وهويته، ولهم وحدهم حق تصدر المشهد بعد رحيله. أما المتعاونون فليس لهم سوى الخسران والندم، حتى لو كانوا من أهل السابقة قبل أن ينقضوا غزلهم بأيديهم.

هنا لا بد أن نختم بالحديث عن تطورين مهمين يبشران بقدرة العرب السنة أو بعض قواهم على الإبقاء على بوصلة صحيحة في التعامل مع الأحداث.

أولهما تلك الرسالة التي وجهتها هيئة علماء المسلمين إلى قوى المقاومة، والتي تقف في خلفيتها التطورات التي ركزنا عليها في هذا المقال ممثلة في تعاون بعض العشائر وقوى المقاومة مع الاحتلال. وثانيهما ذلك الإعلان عن تشكيل جبهة الجهاد والتحرير من عدد من فصائل المقاومة على رأسها كتائب ثورة العشرين وجيش الراشدين الذي جاء -كما يبدو- استجابة لنداء الهيئة الذي لم يخل بدوره من نصيحة غير مباشرة للقاعدة بالتعامل بواقعية مع الوضع العراقي.

من المؤمل بالطبع أن يكون ذلك مقدمة لوعي أكبر بحقيقة ما يجري وتقدير أدق للموقف، لأن التقدير الخاطئ قد يكون مكلفا إلى حد كبير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة