الحركة الإسلامية من الاكتساح إلى المشاركة المحدودة   
الخميس 11/8/1431 هـ - الموافق 22/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:29 (مكة المكرمة)، 15:29 (غرينتش)
خالد الطراولي


إشكالية تميز الحركة الإسلامية
نجاح الحركة الإصلاحية
المنهجية المجتمعاتية المتأنية
نحو منهجية المشاركة المحدودة
ضوابط ومستلزمات المشهد الجديد
من هنا نبدأ

لا يختلف اثنان في أن العلاقة التي جمعت الحركات الإسلامية الإصلاحية بأنظمتها كانت متوترة ومتأزمة طيلة عقود، ورغم أن بعضها سُمح له بالوجود والتفاعل، فإن التوجس والريبة والجفاء كان محورها وإطارها الغالب، وواجهت الأغلبية الصدّ والنبذ، وطالت المعاناة والمواجهات في بعضها كل الأصعدة، وكانت النتائج مأساوية للجميع، فالحركات نالها البأس والبأساء، وتعطل مشروعها أو تهمش أو استبعد، والأنظمة لم يهنأ لها بال، وأضاعت الوقت والمال في تجفيف منابع هذا الخصم العنيد، والبحث عن سبل تحجيمه أو عزله أو تهميشه، وقاست الجماهير وترنّح ولاؤها بين هذا وذاك، وهي ترى أن تنمية مجتمعاتها قد فشلت، وأن أحلام الرفاه والسؤدد قد اندثرت.

هذه الدورة من المواجهات والتهميش والعزلة والجفاء التي ميزت هذه العلاقة، ساهم فيها الطرفان بنسب متفاوتة، فمن رفض للآخر وعدائه وإقصائه أو استئصاله، خوفا على الكرسي واستئثارا به لفرده أو لعائلته، إلى محاولة الاكتساح الكلي و"تقطيب" الصراع، والهزيمة بالضربة القاضية بالنسبة للطرف الآخر.. فكانت دورة جفاء ومآسٍ وآلام وغلو وعدم تفهم وإقصاء وتهميش ومواجهات.

ورغم أن الأدوار تختلف والنسب تتباين، فإن الكلّ ساهم -بوعي أو بغير وعي- في هذه الحالة المميتة للجميع.

"
ليست الحركة الإسلامية الإصلاحية طرفا عاديا كبقية الأطراف السياسية داخل مجتمعاتها، وهذا التميّز جعلها مطال كل منافسيها، حكومات ومعارضة, ولقد أكسب هذا التميّز الحركة منازل وجماهيرية تحسد عليها
"
إشكالية تميز الحركة الإسلامية

ليست الحركة الإسلامية الإصلاحية طرفا عاديا كبقية الأطراف السياسية داخل مجتمعاتها، وهذا التميّز جعلها مطال كل منافسيها، حكومات ومعارضة. ولقد أكسب هذا التميّز الحركة منازل وجماهيرية تحسد عليها، وأبرزها كمشروع حكم بديل، يتمتع بإضافات وإمكانيات وتصورات وأطروحات تختلف عن تنظيرات وتنزيلات غيرها، اختلافا يكاد يكون جوهريا في بعض محطاته الاقتصادية والاجتماعية.

كانت مرجعية الشعب وهويته وتراثه ومقدسه وتاريخه والومضات المثيرة من حضارته، تتلهف على اللحاف الإسلامي والمنطلق الإسلامي والبعد الإسلامي، وكان الاستناد إلى هذا المعطى في تشكيل خطاب سياسي وبرنامج معارضة وحكم، يمثل في حد ذاته توجها ذكيا وبديهيا أعطى لنفسه كل سبل النجاح، فالسياسي المحنّك يسعى بكل حزم إلى تجميع كل الوسائل المتاحة لإنجاح مشروعه ولا عيب.

كانت الحركة الإسلامية في الموعد وانطلقت من هذه المرجعية المهمشة، وهذه الهوية المعطوبة، وهذا البعد الغائب، وهذا التاريخ المعتدى عليه، انطلقت من هذه "الإسلامية" المطرودة والمقهورة والمبعدة، وبنت خطابها وسعت إلى تنزيله، وكان النجاح الجماهيري في الموعد.. وبرغم أننا نرى أن هذا المنطلق السياسي كان عاملا إضافيا في نجاح المشروع وأحد منطلقاته، فإن الإخلاص لخدمة رسالة دعوة وهداية، والسعي إلى إسلامية الدولة والمجتمع، انطلاقا من تصور شامل للإسلام لا يلغي البعد السياسي، ولا يقصر الدين على إطاره الخاص، كان كل هذا ولا شك الدافع الأساسي لتكون المشروع ونجاحه.

نجاح الحركة الإصلاحية
كان هذا التميز إذن ضربة لازب ومحنّك ساعد الحركة الإسلامية الإصلاحية في نجاحها، غير أنه كان في الوقت نفسه سبب نكبتها، ومجلبة لمحطات من المواجهة والاستعداء والإقصاء والتهميش من الأنظمة القائمة، وحتى من المعارضة المنافسة.

كانت مرحلة من الجفاء والأوجاع والبأس والآلام، وقاست الحركة الإسلامية ودفعت في بعضها ضريبة الوجود غالية جدا في شبابها ونسائها وشيوخها ومنظريها وطاقاتها.

واستُعملت ضد الكثير منها كل الوسائل المتاحة لتهميشها أو إقصائها واستبعاد دورها، من سن قوانين مضيّقة كقوانين منع الحجاب، وسياسات ممنهجة كما اصطلح على تسميتها سياسات تجفيف المنابع، وبرامج مدروسة، في مجالات التعليم والثقافة والإعلام.. ولم تكن المعارضة "المدنية" في بعض البقاع غائبة عن هذه "المسرحية" إذ كانت في البعض منها شاهد زور، وفي البعض الآخر المشاهد الشامت أو المتفرج الغائب، وقلّ منها من ساند! وكان المبرر الغالب لهذا الرفض والاستبعاد هو عدم قبول السلطات والمعارضة بدمج السياسة في الدين، أو تكوين الأحزاب على أسس دينية أو طائفية. ودخل المشروع الإسلامي الإصلاحي في العديد من البقاع في نفق مظلم يعرف أوله ولا تتلمس أطرافه ولا تعلم نهايته.

لقد فقهت الأنظمة الحاكمة أن التدافع السياسي السلمي مع الحركات الإسلامية الإصلاحية مضيعة للوقت، لأن كل عوامل النجاح للتمكين وخاصة جماهيرية البرامج والمشاريع المطروحة، قد رفعته هذه الحركات ولا سبيل إلى تركها وحيدة على الساحة، وكان العزل والنبذ والصدام..

كان مشروع الحركة الإسلامية ولا يزال مشروع حكم، فهل وصل هذا المشروع إلى طريق مسدود، نتيجة كل هذه العوامل المانعة والرافضة لقبوله كطرف سياسي (عادي) في ظل لعبة ديمقراطية غير مغشوشة؟

"
الدور السياسي المنوط بالحركة الإسلامية الإصلاحية هو التخلي عن الحكم المباشر، ونبذ نظرية الاكتساح، وأنها الممثل الوحيد والشرعي للإسلام والمسلمين، والسعي في المقابل إلى أن تكون حركة لوبي مؤثر وموجه في المجتمع
"
المنهجية المجتمعاتية المتأنية

إننا لنزعم أن مرحلة البحث المباشر عن الحكم قد استنفدت أغراضها، وأن مرحلة أخرى أقل فتكا وجدبا وانهيارا، وأكثر واقعية وفاعلية، تبدو ممكنة الحصول. فإذا كانت المرحلة الأولى قد تأسست على المنهجية السلطانية الكاسحة والتي أطنبت في هيمنة السياسي وتهميش الأبعاد الأخرى وأثبتت فشلها، فإننا نرى أن المرحلة الجديدة تحفها المنهجية المجتمعاتية المتأنية، ومن حركة دولة وسلطة، إلى حركة إنسان ومجتمع، ومن إنسان الدولة، المقصد والنهاية، إلى دولة الإنسان الوسيلة والهدف، ومن الحكم إلى التحكيم.

إن الدور السياسي الذي نطرحه للحركة الإسلامية الإصلاحية هو التخلي عن الحكم المباشر، ونبذ نظرية الاكتساح، وأنها الممثل الوحيد والشرعي للإسلام والمسلمين، والسعي في المقابل إلى أن تكون حركة "لوبي" مؤثر وموجه في المجتمع ضمن إطار حزبي ووجود سياسي ضيق، لا استعراض فيه لعضلات، ولا تنابز فيه بألقاب التخوين والتكفير، يكون أساسه الوجود القانوني والمشاركة في البرلمان مع سقوف محددة وملزمة لكل الأطراف.

إن سياسة السقوف المرتفعة والتعجيزية، أو منهجيات كل شيء أو لا شيء، والتي رافقت العديد من مطالب الحركة الإسلامية ومنهجياتها، قد أثبتت فشلها لعدم واقعيتها، واستخفافها أو عدم وعيها أو غفلتها،عن كنه ورصد واقع منتصب على رمال متحركة.

فليست الحركة الإسلامية روبنسون كريزوي في جزيرته النائية، ولا نجما طارقا في السماء، بل هي قطعة من فسيفساء متشعبة، وجزء من إطار متعدد تموج فيه المصالح والمبادئ بين داخل منافس أو معاد، وخارج متربص وواع.

وليس البحث عن المصلحية ومناشدة الواقعية في التنظير والتنزيل مناقضا للمبدئية والتحصن بالثوابت، وكم كان رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم مبدئيا في قراراته وأقواله وأفعاله، ولم يتعارض مع سعيه الدؤوب لخدمة الإسلام والمسلمين ورعاية مصالحهم والمحافظة عليها. وليست مراسلته الحكام والملوك وعقده المعاهدات والاتفاقيات، وتنزيله لدستور المدينة، إلا ومضات ساطعة في هذه المنهجية التي لم تتنكر يوما للمبادئ والأصول، من دون الإخلال بالمصلحة العليا للمشروع، وبعيدا عن انتهازية المواقف والمناهج.

لكم أرادت الحركة الإسلامية الإصلاحية أن تكون المهدي المنتظر الذي سيملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا، في ساعة من نهار، في مدة 7 سنوات كما تقول بعض الروايات. أرادت الحركة أن تكون فاعلة وغير متواكلة ورفضت انتظار المهدي، وهو من إيجابياتها، لكنها في المقابل تسرعت في قطف الثمرة وعظّمت مشروعها ووسعت مسؤولياتها وصلاحياتها، وحجّمت مدة التفاعل والعمل، وكأنها أخذت منهجية المهدي الشاملة والعامة وتمثلت مشواره، رغم أن هذا الرجل الصالح يبقى مدعوما بالغيب توقيتا ومدة ومنهجا ونتائج، ولعله يبقى خارج السنن المتعارف عليها والملزمة لأي عمل تغييري بشري.

نحو منهجية المشاركة المحدودة
لا سبيل للخروج من هذا النفق المظلم، إلا بفقه جديد ومنهجية بديلة تتجاوز الحسابات الضيقة واللحظية، والسقوف التعجيزية، والمعالجات الأمنية، والاستعراضات المزيفة والمغشوشة، والقطبية الهالكة، والإقصاءات الحالقة، وأحادية التمثيل، وواحدية الرؤى والتصورات.

ويعتمد مشروع هذه الرؤية من ناحية، على جانب حقوقي يتمثل في التزام الحركة الإسلامية بالعفو عما سلف، وعدم الدخول في مطالب ومحاسبات لأطراف أو أفراد أو نظام، في مقابل إطلاق مساجينها السياسيين وعودة مغتربيها والبناء على بياض.

ومن ناحية ثانية وفي الجانب السياسي يقع تحرير العمل السياسي الإسلامي وإعطاؤه قانونية الوجود والحراك، وفي المقابل تعني المصالحة السياسية للحركة الإسلامية أن تقبل بعدم تسييس المساجد وتركها بيتا كريما بعيدا عن تدافع السياسة والسياسيين، وتبني منهجية المشاركة السياسية المحدودة عبر تمثيلية سياسية محددة كأن لا يتجاوز عدد نوابهم في المجلس وممثليهم في الهيئات البلدية، ثلث الأعضاء.

"
الانطلاق من المرجعية الإسلامية لا يعطي التيار الإسلامي أي حق أو احتكار للحديث عن الإسلام الذي يبقى الجامع لكل أفراد الشعب
"
ولا يدخل التيار الإسلامي الإصلاحي الانتخابات الرئاسية، لكنه يمكن أن يساعد أو يدعم أطرافا مترشحة أخرى. كما يلتزم بالاحترام الكامل لقانون اللعبة الديمقراطية ومؤسساتها وما تفرزه الانتخابات الشفافة من تغييرات، والابتعاد عن منطق التكفير، واعتبار الاختلاف بين الفرق والأحزاب على قاعدة الخطأ والصواب، حيث لا يملك أحد هذا الحق الإلهي في القضاء في مصير الناس والحكم على معتقداتهم وتصوراتهم ونياتهم.

كما أن الانطلاق من المرجعية الإسلامية لا يعطي التيار الإسلامي أي حق وأي احتكار للحديث عن الإسلام، الذي يبقى الجامع لكل أفراد الشعب. فالطرح الإسلامي رؤية اجتهادية ككل الرؤى لا عصمة فيها لفرد ولا قدسية لفكر، تميزها مرجعيتها الإسلامية وقراءتها لتاريخها وحاضرها. كما يمكن للتيار الإسلامي أن يكون متعدد الألوان والأطر، ولا احتكار لهذه الصفة لأحد.

ضوابط ومستلزمات المشهد الجديد
لن تكون لهذه الآلية جدوى ملموسة كبيرة ودائمة إذا لم يطرح مشروعها على مستوى الأمة، لأنه ينطلق من فرضية تكوين عقلية العفو والتجاوز والبناء لدى الفرد والمجموعة، حكاما ومحكومين، وتغليب مصلحة الأمة على مصلحة الجماعة والفرد. لذا وجب إحداث مسار أممي سليم لتنزيل المشروع، وإعطائه بعدا مؤسساتيا حتى يصبح مبدأ ثابتا لا رجعة فيه ولا تردد. وفي هذا السياق فإن الطرفين -سلطات ومعارضة إسلامية- مطلوب منهما السعي إلى إنجاح هذا المسار عبر ضمان الإطار الحامل للمشروع وهو كالتالي:

- فعلى الحركات الإسلامية في مرحلة أولى، الدعوة إلى اجتماع عالمي لكل مكوناتها الإصلاحية التي تنبذ العنف في عملها السياسي، وفي مؤتمر عام تحت إشراف مجموعة من علماء الأمة المعروفين بمصداقيتهم وعلمهم واستقلاليتهم، تنتج عنه قرارات ملزمة لكل أعضائه، يتم من خلاله إصدار إعلان تاريخي لرفض نظرية الاكتساح، وتبني منهجية المشاركة المحدودة، وطي صفحات الماضي الثقيل واستشراف جماعي ووفاقي للمستقبل. أما المرحلة الثانية فتقوم كل حركة بتنزيل هذا القرار الملزم حسب ظروف بلدها والشروط الموضوعية الخاصة بها.

- أما الأنظمة القائمة فعليها السعي إلى توطيد مناخ ديمقراطي سليم، شفاف ومتعدد، عبر سنّ مجموعة من القوانين التي تضفي على هذا المسعى مزيدا من المصداقية والدوافع الملزمة، مما يعطيها طابعا رسميا ودائما. فمأسسة مشروع الوفاق والوئام شرط أساسي لنجاحه ودوامه، حيث يحمل كل طرف تبعاته القانونية، في ظل لعبة ديمقراطية هادفة ومحايدة.

"
المواجهة بين الحركات الإسلامية والأنظمة قوسين في تاريخ أمة، لا ينبغي تضخيمها ولا ينبغي استصغارها أيضا، فقد ضيعت ولا تزال وقتا مهمًّا وطاقة منشودة لاستنهاض أمة من كبوتها الحضارية
"

من هنا نبدأ
لقد مر على المجتمعات الإسلامية حين من الدهر شاهدت فيه عراكا سياسيا وحشيا بين أطراف منها، كان على حساب تنميتها وازدهارها، خسرت فيه العديد من طاقاتها الشابة والمتعلمة، وأضاعت خلاله أزمنة غالية من إمكانيات التحضر والتمدن، وشابت مسارها حيرة وتذبذب وعجز وإحباط، وفي البعض منها موت وفناء.
استنفد الحاكم فيه وقته وطاقته في المحافظة على كرسيه في مواجهة دامية ومطولة، وعجزت الحركات الإسلامية عن الوصول إلى مبتغاها، وسقط في الطريق آلاف من أفرادها بين سجين ومنفي وشهيد، ولم يحقق المشروع أسلمة الدولة ولا أسلمة المجتمع، في بعده الشامل والكامل رغم بعض النجاحات النسبية هنا وهناك.

كانت هذه المواجهة قوسين في تاريخ أمة، لا ينبغي تضخيمها ولكن لا ينبغي استصغارها أيضا، فقد ضيّعت ولا تزال وقتا مهمًّا وطاقة منشودة لاستنهاض أمة من كبوتها الحضارية التي طال ليلها، في حين أن فجر الآخرين قد أذن مؤذنه من بعيد. لقد حان الوقت -إن لم يكن قد تأخر- للعودة إلى رحاب التعامل الحضاري واستبدال منهجيات المواجهة والصدام. ولن تكون هذه المنهجية مستديمة وفعالة، إذا لم يحملها إطار من الديمقراطية غير المغشوشة والتعددية الشفافة، حتى تقلع سفينتنا بعدما تعطلت، وبعدما أقلعت سفن الآخر وتميزت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة