هل يشكل البرلمان المنتظر تحديا للرئيس المصري؟   
الأربعاء 2/8/1436 هـ - الموافق 20/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:11 (مكة المكرمة)، 12:11 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


مخالب برلمانية
كوابح دستورية
تفاهم محتمل

تموج الأوساط السياسية والدوائر الإعلامية المصرية بدعوات عديدة لإرجاء الانتخابات البرلمانية المرتقبة في مصر لأجل غير مسمى، على خلفية مخاوف من إمكانية عرقلة البرلمان الجديد عمل رئيس الجمهورية بجريرة الصلاحيات والسلطات غير المسبوقة التي خوّلها الدستور لمجلس النواب.

يأتي ذلك في الوقت الذي يرى كثيرون أن مصر خلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة هي أحوج ما تكون لسلطة تنفيذية قوية تقود عملية العبور بالبلاد من الثورة إلى الدولة.

مخالب برلمانية
على غير المعتاد أو المتعارف عليه في الدساتير المصرية السابقة، منح الدستور المعمول به حاليا والمعتمد في العام 2014، مجلس النواب سلطات واسعة جعلت منه شريكا أساسيا لرئيس الدولة في إدارة كافة شؤون البلاد. وذلك على النحو التالي:

- أعطى الدستور للبرلمان حق إقرار تشكيل الحكومة من عدمه. فوفقا للمادة 146 يكلف رئيس الجمهورية رئيسَ مجلس الوزراء بتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإن لم تحصل على ثقة البرلمان خلال ثلاثين يوما، كلف رئيس الجمهورية رئيسا آخر لمجلس الوزراء من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب.

على غير المعتاد أو المتعارف عليه في الدساتير المصرية السابقة، منح الدستور المعمول به حاليا والمعتمد في العام 2014، مجلس النواب سلطات واسعة جعلت منه شريكا أساسيا لرئيس الدولة في إدارة كافة شؤون البلاد، وذلك عبر العديد من مواده

- عزز الدستور من الاختصاص الرقابي للبرلمان من خلال ما نصت عليه المادة 101، حيث يباشر مجلس النواب الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية عبر أساليب الرقابة التي أقرها الدستور والمتمثلة في: الاستجواب، وطلب مناقشة موضوع عام، وتقديم طلبات الإحاطة أو البيانات العاجلة، وتشكيل اللجان الخاصة أو تكليف إحدى لجان مجلس النواب بتقصي الحقائق في موضوع عام أو فحص نشاط إحدى الجهات الإدارية أو الهيئات العامة أو المشروعات العامة، ويقرر المجلس ما يراه مناسبا في هذا الشأن.

ووفقا للمادة 131 من الدستور، فإن لمجلس النواب أن يقرر سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، أو أحد نوابه، أو أحد الوزراء أو نوابهم. على أن يكون ذلك عقب استجواب برلماني وبناء على اقتراح عُشر أعضاء مجلس النواب على الأقل.

- وبينما تشترط المادة 142 من الدستور لقبول الترشيح للرئاسة أن يحصل المترشح على تزكية عشرين عضوا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون، كبّل الدستور غالبية صلاحيات رئيس الجمهورية ورهنها بموافقة مجلس النواب، فبينما نصت المادة 147 على أن "لرئيس الجمهورية حق إعفاء الحكومة من أداء عملها، اشترطت موافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، كما رهنت حق رئيس الجمهورية في إجراء تعديل وزاري بالتشاور مع رئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للحاضرين وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس".

تشريعيا تنص المادة 226 من الدستور على أنه يحق لرئيس الجمهورية، أو لخمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، مع ذكر المواد المطلوب تعديلها وأسباب التعديل في الطلب، وعلى مجلس النواب مناقشة الطلب خلال ثلاثين يوما من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول الطلب كليا أو جزئيا بأغلبية أعضائه، وإذا رفض الطلب، لا يجوز طلب تعديل ذات المواد قبل حلول دورة الانعقاد التالي، وفي حال الموافقة تناقش نصوص المواد بعد ستين يوما من تاريخ الموافقة، ثم تطرح للاستفتاء عليها.

وفي حين نصت المادة 151 على أن "يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، نصت المادة 152 على ضرورة حصول رئيس الجمهورية على موافقة مجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه، قبل أن يعلن الحرب أو يرسل القوات المسلحة في مهام قتالية إلى خارج حدود الدولة، فإذا كان مجلس النواب غير قائم يجب أخذ رأى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني.

كذلك رهنت المادة 154 من الدستور إعلان رئيس الجمهورية حالة الطوارئ بضرورة عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية، ليقرر ما يراه بشأنه. وأبقى الدستور تحديد مصير الموازنة العامة للدولة بيد البرلمان، فوفقا للمادة 124 يعرض مشروع الموازنة على مجلس النواب قبل تسعين يوما على الأقل من بدء السنة المالية، ويتم التصويت عليه بابا بابا، ولا تكون نافذة إلا بموافقته عليها.

لم تخل الصلاحيات الواسعة التي خولها الدستور للبرلمان من وجود كوابح تلجم تلك الصلاحيات استنادا إلى مبدأ التوازن بين سلطات الرئيس وصلاحيات مجلس النواب، بحيث يمتلك كلاهما أدوات دستورية تحميه من تغول الطرف الآخر

كما يجب وفقا للمادة 125 من الدستور عرض الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة على مجلس النواب خلال مدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية، ويعرض معه التقرير السنوي للجهاز المركزي للمحاسبات وملاحظات على الحساب الختامي، الذي يتم التصويت عليه بابا بابا ويصدر بقانون.

وعلاوة على حق مجلس النواب في مراجعة كافة التشريعات التي يصدرها رئيس الدولة، بات له مطلق الحق في رفضها إن شاء، بل أصبح للمجلس حق عزل رئيس الجمهورية شخصيا.

كوابح دستورية
لم تخل الصلاحيات الواسعة التي خولها الدستور للبرلمان من وجود كوابح تلجم تلك الصلاحيات استنادا إلى مبدأ التوازن بين سلطات الرئيس وصلاحيات مجلس النواب، بحيث يمتلك كلاهما أدوات دستورية تحميه من تغول الطرف الآخر.

فإذا كان الدستور قد منح رئيس الجمهورية حق حل مجلس النواب، أو أعطى ذلك الأخير حق سحب الثقة من الأول، فإن المشرع الدستوري قد ألزمهما معا في النهاية باللجوء إلى الناخب لتفعيل ذلك الحق من خلال استخدام آلية الاستفتاء الشعبي على القرار المتخذ بهذا الصدد كي يعي الطرفان حجم وخطورة الخطوة التي سيقدمان عليها، لأنه قد يكون فيها تهديد لمستقبلهما السياسي، وبذلك قصد المشرع الدستوري إحداث حالة من الاستقرار السياسي والتشريعي.

فبينما أقر الدستور بحق مجلس النواب في توجيه اتهامات للرئيس بانتهاك الدستور أو الخيانة العظمى أو أية جناية أخرى، وذلك بطلب من أغلبية النواب، وبموافقة ثلثيهم، كما منح البرلمان حق إقالة الرئيس عبر سحب الثقة منه ليقدم استقالته للمجلس توطئة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بطلب مسبب من أغلبية نواب البرلمان وموافقة ثلثيهم، اشترط المشرع أن يعرض الأمر على الاستفتاء الشعبي، الذي يعقبه حل البرلمان إذا ما رفض الشعب إقالة الرئيس.

- منح المشرع الدستوري لرئيس الدولة صلاحيات يمكن أن تلجم البرلمان وتكبح جماح أي شطط سياسي من جانبه. فمن جهة، أعطى الدستور للرئيس حق حل مجلس النواب، إذ نصت المادة 137 على أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة، وبقرار مسبب، وبعد استفتاء الشعب، ولا يجوز حل المجلس لذات السبب الذي حل من أجله المجلس السابق".

ويصدر رئيس الجمهورية قرارا بوقف جلسات المجلس، وإجراء الاستفتاء على الحل خلال عشرين يوما على الأكثر، فإذا وافق المشاركون في الاستفتاء بأغلبية الأصوات الصحيحة، أصدر رئيس الجمهورية قرار الحل، ودعا إلى انتخابات جديدة خلال ثلاثين يوما على الأكثر من تاريخ صدور القرار.

لن يتسنى لمجلس النواب الاضطلاع بكل هذه الصلاحيات الممنوحة له من دون حد أدنى معقول من التناغم أو التوافق بين غالبية نوابه، وهو ما قد لا يتأتى حاليا بسبب أجواء الاستقطاب السياسي وحالة الموزاييك السياسي التي يتسم بها البرلمان الجديد

ومن جهة أخرى منح الدستور للرئيس حق تعيين 5% من نواب البرلمان، وهذا الأمر يعادل 23 نائبا على الأقل، فضلا عن حق الرئيس في دعوة البرلمان لاجتماع عادي وغير عادي, وفي الشأن التشريعي، يحق لرئيس الدولة اقتراح القوانين، وإصدار قرارات لها قوة القانون عند الضرورة، وفي غيبة مجلس النواب، على أن تعرض عليه عند انعقاده لإقرارها أو رفضها مع إقرار المجلس بقاء أثرها إن شاء، فإذا لم تعرض زال أثرها.

كما يحق لرئيس الدولة الاعتراض على إصدار القوانين خلال 30 يوما من إقرارها، وإذا لم يرد الرئيس القانون للبرلمان خلال هذه المدة اعتبر ذلك إصدارا له، وإذا اعترض عليه ورده وأقره المجلس بنسبة الثلثين صدر رغما عنه. وهذا الوضع يشبه ما كان قائما في دستوري 1971 و2012.

وإضافة إلى ما ذكر آنفا، تبرز بهذا الصدد معطيات ثلاثة مهمة: أولها أنه لن يتسنى لمجلس النواب الاضطلاع بكل هذه الصلاحيات الممنوحة له من دون حد أدنى معقول من التناغم أو التوافق بين غالبية نوابه، وهو ما قد لا يتأتى حاليا بسبب أجواء الاستقطاب السياسي وحالة الموزاييك السياسي التي يتسم بها البرلمان الجديد.

وثانيتها أن الثقافة والإرث السياسيين لدى المصريين قد جبلا على تمحور النظام السياسي حول شخص الزعيم أو القائد السياسي، الذي يجسده رأس السلطة التنفيذية، فرعونا كان أو ملكا أو سلطانا أو حتى رئيسا منتخبا.

ورغم أن الدستور الحالي قد خوّل البرلمان صلاحيات غير مسبوقة في مواجهة رئيس الدولة المنتخب، فإن تطبيق النصوص الدستورية المتعلقة بهذه الصلاحيات البرلمانية الجديدة وتفعيلها على أرض الواقع قد لا يتأتى بين عشية وضحاها وربما يستغرق حينا من الدهر، خصوصا مع وجود رئيس يحظى بشعبية واسعة في مواجهة برلمان منقسم ومتشرذم ولا يخلو من رموز أنظمة سياسية يمقتها غالبية المصريين، إذ اندلعت من أجل الإطاحة بأحدهما ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، في حين تفجرت بغية إسقاط الآخر موجة ثورية تصحيحية في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013.

لذا لم يكن مستغربا أن ينادي مراقبون وحزبيون مصريون باستثناء البرلمان الحالي من الانتخاب والاكتفاء بتشكيل مجلس النواب المنتظر عبر آلية تعيين يراعى خلالها التنوع والتوازن والحرص على مساندة الرئيس بدلا من تكبيل يديه، على أن تبدأ الانتخابات من الدورة البرلمانية المقبلة بعد خمس سنوات عسى أن تكون البلاد في حينها مهيأة لهذا الأمر الجلل.

أما ثالثتها فتتجلى في أن السياسة في مصر توشك على الاحتضار هذه الأيام بفعل انحسار الحيز المخصص لها داخل المجال العام لمصلحة اتساع مساحة المحتوى الترفيهي الذي لم يتورع عن الانزلاق في براثن الابتذال، أو بجريرة سأم ويأس غالبية المصريين من جدوى الاهتمام بالسياسة وشؤون السلطة والحكم بعدما أخفق جميعها في الارتقاء بأحوالهم، ومن ثم طفقوا يهرعون إلى الانغماس مجددا في غمار الحياة اليومية وأحوال المعيشة الصعبة أملا في غد أفضل طال انتظاره.

تفاهم محتمل

ليس مستغربا أن ينادي مراقبون وحزبيون مصريون باستثناء البرلمان الحالي من الانتخاب والاكتفاء بتشكيل مجلس النواب المنتظر عبر آلية تعيين يراعى خلالها التنوع والتوازن والحرص على مساندة الرئيس بدلا من تكبيل يديه

من رحم المخاوف المتنامية بشأن احتمالات عرقلة البرلمان الجديد عملَ الرئيس، تبرز اتجاهات شتى يتوقع أن تمضي فيها العلاقة بين الرئيس ومجلس النواب المنتظر.

فعلى سبيل المثال، إذا تكتل البرلمان بشتى أطيافه ضد الأجندة التشريعية للرئيس، ربما يلجأ كل طرف إلى الدستور، حيث يقوم الرئيس بتهديد البرلمان بالحل ظانا تحقق حالة الضرورة التي نص عليها الدستور، وحينئذ يشرع الرئيس في إجراء استفتاء شعبي لحل البرلمان. وفي ذات الوقت يقوم البرلمان بسحب الثقة من الرئيس والدعوة لعقد انتخابات رئاسية مبكرة، خاصة وأن البرلمان سيوجه إليه تهمة انتهاك الدستور مما قد يدخل البلاد في دوامة جديدة من حالة الفوضى السياسية مرة أخرى، حيث يحاول كل طرف حشد أنصاره في مواجهة الطرف الآخر، وهنا تكمن الخطورة في اللجوء إلى شرعية الميدان مرة ثانية.

بيد أنه من غير المستبعد أن تتسم العلاقة بين الرئيس ومجلس النواب المنتظر بالتعاون والتفاهم حول أمور عدة كالأجندة التشريعية والخطة والموازنة العامة للدولة وأيضا السياسة الخارجية.

لكن هذا السيناريو يستوجب توفر واحدا من أمرين: فإما أن يتعاطى الجانبان مع بعضهما بعضا بمسؤولية ووطنية انطلاقا من خصوصية المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، توخيا لإنجاح التجربة وإخراج البلاد من عثرتها، وإما أن تكون الأغلبية في البرلمان تضم خليطا من الأحزاب المساندة والداعمة للرئيس، بالإضافة إلى المستقلين الذين ينتمون إلى التيارات القومية المدنية والليبرالية.

وفي حالة حدوث ذلك سيتسنى للرئيس تمرير حكومته من البرلمان دون الرجوع إلى الحزب أو الائتلاف الحائز على أغلبيته من المرة الأولى، وهو ما سيحرص الرئيس عليه في أول اختبار لشكل العلاقة بينه وبين البرلمان.

غير أن لهذا السيناريو الأخير مثالب شتى من بينها قدرة الرئيس على تمرير ما يشاء من قوانين وقرارات دون تعويق من قبل البرلمان، الأمر الذي من شأنه أن يحول دون تأدية الأخير مهامَه الأساسية ممثلة في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية بالكفاءة المطلوبة أو المتوقعة لبرلمان جاء بعد ثورتين شعبيتين، مما قد يرتد بالبلاد إلى عهود هيمنة وتغول السلطة التنفيذية على التشريعية، إلى الحد الذي يقوض عملية الانتقال الديمقراطي القلقة والمستعصية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة