حرب العراق بين نموذجي مخيم جنين وأفغانستان   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

في يوم واحد (26/3/2003) نشرت الصحف خبرين يستحقان الانتباه، يقول الأول إن ضباطاً كباراً في الجيش الأميركي قاموا بجولة في مدينة ومخيم جنين بعد إعلان حظر التجول فيهما، وذلك بمرافقة عدد من الضباط الإسرائيليين. وقال شهود عيان إن الإسرائيليين كانوا يشرحون لنظرائهم الأميركيين كيف قامت القوات الإسرائيلية باقتحام المخيم رغم المقاومة العنيفة التي لقيتها من الشبان الفلسطينيين، في حين كان الأميركيون يسجلون الملاحظات ويلتقطون الصور.

الخبر الثاني يقول إن القوات الأميركية العاملة في أفغانستان قد أطلقت عملية جديدة باسم "الضربة الباسلة" لمطاردة 100 مسلح في منطقة قندهار. وتأتي هذه العملية بعد سلسلة من العمليات المشابهة بعناوين مختلفة لم تحقق المطلوب، حيث تتواصل عمليات المقاومة ضد القوات الأميركية.

ولكن ما علاقة ذلك كله بالحرب الأميركية على العراق؟ وهل يعني أن ثمة سيناريوهات قابلة للتكرار؟ وهل ثمة فرصة لانتصار عراقي؟ وما ثمن الانتصار الأميركي في حال حدوثه؟

قوة عسكرية هائلة

إذا كان العراق في العام 1991 لم يستطع الصمود أمام القوة الأميركية، فهل يمكنه بعتاده المتقادم أن يفعل ذلك بعد 12 عاماً من التطور التكنولوجي للجانب الأميركي؟

لا حاجة هنا إلى تكرار أحاديث ميزان القوى بين الجانب الأميركي البريطاني والجانب العراقي، فالفارق بين القوتين يبدو "رهيباً"، وإذا كان العراق في العام 1991 لم يستطع الصمود أمام القوة الأميركية، فهل يمكنه بعتاده المتقادم أن يفعل ذلك بعد إضافة 12 عاماً من التطور التكنولوجي للجانب الأميركي؟

بداية لابد من القول إن الحرب ليست قوة عسكرية فقط بل هي قوة سياسية وأخلاقية ورأي عام وتحالفات وإرادة مقاتلين في مواجهة منسوب الإرادة لدى الطرف الآخر. والحال أن كل هذه العوامل كانت في العام 1991 تقف في صالح الولايات المتحدة بشكل كامل، في حين لم تكن كذلك بالنسبة للطرف العراقي الذي وقف شبه معزول أمام تحالف رهيب ضم معظم دول العالم، سواءً بشكل مباشر أم غير مباشر.

في تلك الحرب كانت القوة العراقية شبه عاجزة لأن إرادة القتال لم تكن فاعلة، ذلك أنه لم يكن أحد في الداخل مقتنعاً بالمعركة ولا بجدواها كما لم يكن مقتنعاً قبل ذلك بغزو الكويت. وإذا أضيف إلى ذلك ما كان الداخل العراقي قد خرج به من جراح نتيجة حربه مع إيران، فسندرك كم كان الموقف صعباً وجاهزاً للتراجع ومن ثم الاستسلام، وهو ما كان بالفعل.

ميزان القوى الشامل

في المعركة الحالية تبدو صورة ميزان القوى مختلفة تماماً عما كانت عليه في العام 1991. وإذا كان الميزان العسكري مختلاً تماماً لصالح الطرف الأميركي البريطاني، فإن الجوانب الأخرى تبدو عكس ذلك إذ يظهر التفوق العراقي فيها شاملاً.

تبدأ القصة من الجانب السياسي، فعلى هذا الصعيد يظهر التفوق العراقي والتراجع الأميركي من خلال عجز الطرف الأخير عن الحصول على شرعية دولية مساندة للحرب فضلاً عن الشرعية الشعبية، وقد تبدى ذلك واضحاً من خلال مسار الأحداث خلال الشهور الأخيرة. ليس ذلك فحسب، بل أضيف إليه العجز عن الحصول على شرعية شعبية داخلية لها فضلاً عن الخارجية، إذ ازدحمت شوارع المدن الأميركية والبريطانية والعالمية بالمتظاهرين المناهضين للحرب ولا تزال على نحو لم يحدث خلال التاريخ كله، لا سيما خلال يوم. ولا شك أن لذلك تأثيرا كبيرا على مسار الحرب ومعنويات الجنود.

وبات شعار "لا حرب من أجل النفط" شارة على رؤوس الناس في العالم أجمع، في حين أصبحت الولايات المتحدة هي الدولة الأخطر على العالم حسب استطلاعات رأي دولية، وكذلك شأن رئيسها الذي غدا الرجل الأخطر على السلام العالمي.

هذه الأبعاد دفعت إلى تغيير شعارات الحرب بقصد الحصول على الحد الأدنى من الشرعية السياسية والأخلاقية، فعندما عجزت إدارة الصقور في الولايات المتحدة عن ترويج مقولة نزع أسلحة الدمار الشامل لجأت إلى شعار "تحرير الإنسان العراقي من الدكتاتورية"، وروّجت أنها ذاهبة إلى بلد ينتظرها أهله بشوق وشغف، وسيلقون الورود على جنودها ما أن يهلوا عليهم فاتحين محررين.

على الجانب العراقي كان الظلم في حقه واضحاً أيما وضوح، ووقفت الأمة العربية والإسلامية إلى جانبه على نحو واضح باستثناء الكويت. وكان العالم كذلك، وإن بدت قدرته على تحدي الولايات المتحدة محدودة. أما على صعيد الداخل العراقي، فإن الموقف بدا أفضل بكثير مما كان عليه في العام 1991، فالمعركة هنا واضحة والتعاون مع فرق التفتيش كان جيداً. أما الأهم فإن العلاقة مع الشارع لم تكن متوترة وانطلقت المشاعر الدينية والبرامج الدينية وكذلك النشاطات في الوسطين السني والشيعي من دون قيود كبيرة، كما يشهد على ذلك الناشطون الإسلاميون. بل إن تشجيعاً رسمياً على التدين بدا واضحاً في أوساط الحكومة وحزب البعث، وتجلى ذلك في الخطاب الرسمي قبل الحرب وبعدها.

والحال أن انتفاضة الأقصى الفلسطينية وثقافة الاستشهاد التي واكبتها ودعم العراق الرسمي لهذه الثقافة، كل ذلك ترك آثاره على الداخل العراقي الذي ازداد حسه الإيماني والجهادي أيضاً ومعه العداء للولايات المتحدة. وجاءت موجة الاستهداف للإسلام بعد 11 سبتمبر/ أيلول لتعمق هذه الظاهرة، لا سيما عندما بدا واضحاً أن مطاردة العراق إنما هي حلقة ضمن تلك الموجة من المفترض أن تسهل عبورها إلى المنطقة المتهمة بتفريخ فكر "الإرهاب" والجهاد والاستشهاد.

من هنا يمكن القول إن حلقة الرفض للنظام قد أخذت في التراجع، لا سيما عندما بدا الطرف الآخر معادياً للإسلام المسلمين وساعياً لمزيد من إذلالهم، وليس لتحرير الإنسان العراقي أو نشر الديمقراطية. ولا شك أن لذلك كله تأثيرا حاسما على مشاعر العراقيين وإرادتهم مواجهة العدوان الأميركي البريطاني.

مفاجآت الجنوب والشمال


معلومات الأميركان المستقاة من أركان المعارضة العراقية تقول إن الجنوب الشيعي سيخرج مهللاً للغزاة. والحال أن شيئاً من ذلك ربما كان صحيحاً، بيد أن معلومات المعارضة تبدو قديمة
ازداد الوضع الأميركي سوءا بالتحولات المفاجئة في الجنوب والشمال. ففي الجنوب كانت معلومات الأميركان المستقاة من أركان المعارضة العراقية تقول إن الجنوب الشيعي سيخرج مهللاً للغزاة, وإنه في انتظارهم على أحر من الجمر. والحال أن شيئاً من ذلك ربما كان صحيحاً، بيد أن معلومات المعارضة تبدو قديمة أو مضللة، ذلك أن تجربة انتفاضة عام 1991 وما خلفته من دماء وأشلاء والموقف الأميركي منها لا يمكنها تشجيع الشيعة على التمرد بسهولة، فضلاً عن أن جيلاً جديداً من الشبان قد نشأ بعد عام 1991 لم يدخل في عراك مع النظام كما كان الحال في السابق، فضلاً عن أن العلاقة خلال السنوات الأخيرة لم تشهد أي لون من الاضطرابات، في حين كانت الكراهية للولايات المتحدة في ذروتها لأسباب معروفة.

أما الأهم من ذلك فهو ما يمكن توقعه بالتحليل أكثر من المعلومات، إذ من الواضح أن تدخلاً سورياً مدعوماً من قيادة حزب الله ممثلة في الشيخ حسن نصر الله، ومدعومة أيضاً من مراجع الشيعة في الداخل العراقي وربما في الخارج أيضاً، قد أفضت إلى مقاربة أخرى في التعامل مع الموقف الجديد تساند خيار الحياد في المعركة، ذلك أن انحياز العالم الإسلامي المحسوم للعراق في هذه المعركة سيعني غضباً عارماً على أبنائه الشيعة إذا ما تحالفوا مع العدوان أو ساندوه. وهنا يبدو أن خيار الحياد قد دعم من طرف إيران وعقلاء المذهب في الداخل والخارج، مما حوّل أحاديث استقبال الغزاة إلى هباء.

المعادلة التركية كانت مهمة أيضاً، فقد رفض البرلمان دخول القوات الأميركية أراضي تركيا، وهو ما شكل مفاجأة أخرى لما يمكن أن تتركه تلك الخطوة من آثار على مجمل الفعل العسكري في الشمال بتناقضات الأكراد مع تركيا ومخاوف هذه الأخيرة مما يمكن أن تحمله التطورات الجديدة، وإرادتها الحفاظ على مصالحها المهددة بنشوء دولة للأكراد.

استحقاقات ميزان القوى على المعركة


فرضت المعطيات المؤثرة في المعركة على الغزاة أن يأخذوا في الاعتبار تجنب سقوط المدنيين أو استهداف البنى التحتية تمهيداً لاستسلام المدنيين
قد يرى البعض أن ذلك كله لن يؤثر كثيراً على المسار العسكري للمعركة نظراً لذلك التفوق الحاسم للطرف الأميركي البريطاني، بيد أن ذلك ليس صحيحاً بحال من الأحوال. ذلك أن الجوانب الأخرى لميزان القوى قد فرضت على قوة "التحالف" شروطاً تكبل فعلهم على الأرض، ولو كان الأمر كما كان عليه عام 1991 لكان بالإمكان إنهاء الأمر على نحو سريع، بل إن بإمكان القوة العسكرية المتوافرة للتحالف أن تسوي العراق بالأرض في غضون أيام، وهو ما ينطبق على النموذج الأفغاني الذي تحولت فيه قوة النار الجوية إلى عنصر حاسم في المعركة مما دفع حركة طالبان إلى ما يشبه الاستسلام.

لقد فرضت المعطيات المؤثرة في المعركة على الغزاة أن يأخذوا في الاعتبار تجنب سقوط المدنيين أو استهداف البنى التحتية التي تقدم الخدمات للناس، كما حفزتهم على بدء الهجوم البري من الجنوب على أمل سقوطه من دون مقاومة تمهيداً لاستسلام ما تبقى. وهنا كانت المفاجأة، فقد صمد العراقيون على نحو رائع وتوالت الأخطاء والخسائر الأميركية البريطانية، وارتبك الغزاة على نحو غير متوقع وهم الذين كانوا يعولون على معركة سهلة وسريعة ونظيفة في آن معاً.

نموذج مخيم جنين

يعيدنا هذا إلى قصة مخيم جنين، فقد ثبت من خلال معركة أم قصر أن نموذج مخيم جنين يمكن أن يتكرر في المدن العراقية الأخرى، لا سيما تلك المزدحمة بالسكان على غرار مخيم جنين، ولعل ذلك هو ما دفع الأميركان إلى زيارة المخيم ليستفيدوا من خبرات الإسرائيليين. وهنا يبدو من الجدير التوقف عند قصة المخيم، ذلك أن من غير العسير على الإسرائيليين أن يعلنوا أنهم تفوقوا على المقاومين في المخيم وأنهم أخضعوه من دون سقوط الكثير من القتلى الذين لم يتجاوزوا مائة خلال 11 يوماً.

بيد أن الجانب الآخر من الصورة يبدو مهماً إلى حد كبير، فإذا كان الإسرائيليون ينظرون إلى ما جرى بوصفه تفوقاً لهم، فإن الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي، بل والعالم أجمع قد رأى فيه معركة بطولية رائعة ستذكرها كتب التاريخ، حيث تفوق عشرات من المقاتلين على جيش بأكمله وكبدوه خسائر لا تتعدى خسائرهم من زاوية من حملوا السلاح وليس المدنيين الذين سقطوا في البيوت والشوارع. وإذا أضفنا إلى ذلك أن لجنة تقصي الحقائق الدولية قد وجدت في ممارسات الجيش الإسرائيلي جرائم حرب، فإن الموقف يغدو مثيراً إذا ما أريد لمعارك المدن العراقية أن تسير على خطى معركة مخيم جنين.

إفشال المعركة

أما تطبيق النموذج الأفغاني بالقصف الهائل عبر الجو فسيعني سقوط عدد هائل من المدنيين، وسيعني أن المعركة ستكون فاشلة وستثير الرأي العام العربي والدولي، فضلاً عن الرأي العام المحلي في بريطانيا والولايات المتحدة، وهو ما ينطبق على نحو أقل على نموذج مخيم جنين. وهنا يمكن القول إن إمكانية إفشال المعركة عبر دفع القوى الدولية إلى التحرك لوقفها تبدو واردة إلى حد كبير، أما في حال الاستمرار وتجاهل ذلك كله فإن من المتوقع أن تكون النتيجة هي خسائر فادحة في صفوف المدنيين فضلاً عن الجيش، وبذلك تكون الولايات المتحدة دخلت العراق على أشلاء أبنائه من جنود ومدنيين، مما يعني تراكم ثارات لا حدود لها.

تداعيات المعركة


إذا سقط مائة قتيل في مخيم تعداده خمسة آلاف نسمة ومساحته كيلومتر مربع واحد، فإن معنى ذلك أن حصة بغداد وحدها من الضحايا ستصل مائة ألف
إن تكرار نموذج مخيم جنين أو حتى النموذج الأفغاني ستكون له تداعياته المهمة على الوضع بعد انتهاء المعركة وإنهاء النظام العراقي، ذلك أن كلتا الحالتين ستعنيان سقوط عدد كبير من المدنيين والعسكريين. ولنأخذ مقارنة بسيطة، فإذا سقط مائة قتيل في مخيم تعداده خمسة آلاف نسمة ومساحته كيلومتر مربع واحد، فإن معنى ذلك أن حصة بغداد وحدها من الضحايا ستصل مائة ألف. وبالطبع فإن ما سيترتب على ذلك هو النظر إلى القوات الأميركية كقوات احتلال للناس معها ثارات كثيرة.

وإذا تذكرنا أننا بإزاء شعب مسلح وحالة إسلامية رافضة وعداء واضح للولايات المتحدة، فإن ذلك كله سيعني أن المعركة ضد القوات الأميركية ستبدأ سريعاً، وأسرع مما حصل في أفغانستان، بل وعلى نحو أكثر فاعلية من زاوية الدعم الخارجي من قوى الرفض العربية والإسلامية والوضع العربي الخائف من استهدافه تالياً والدولي المناهض للمخطط الأميركي.

الغزاة إذن في مأزق، سواءً طبقوا نموذج مخيم جنين وصاغوا للعراقيين ملحمة بطولية وصمود مع عدد كبير من الشهداء، أم طبقوا النموذج الأفغاني، فهذه الأرض لن تكون لهم أبداً.. لا هي ولا ما حولها.
ــــــــــــــــ
* كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة