من "بح ثورة" إلى "العوض بسلامتكم"   
الخميس 7/9/1430 هـ - الموافق 27/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:37 (مكة المكرمة)، 9:37 (غرينتش)
زياد منى


"بح ثورة" قالها لي أحد ضباط الجيش الأردني الباسل في أحد معسكرات الاعتقال "في مدرسة المشاة قرب مدينة الزرقاء" التي أقامها لـ"شعبه" عام 1970 إبان أيلول الأسود، عندما سألته عن سبب توقف إذاعة "أردن الحسين" عن إرسال المارشات العسكرية وانتقالها إلى تلاوة آي الذكر الحكيم. فقط يوم خروجنا من المعتقل في اليوم الثاني، بإشراف لجنة الجامعة العربية أو ما سمي "العلم الأخضر" التي أنيط بها مهمة الإشراف على إطلاق سراح أسرى المقاومة الفلسطينية علمنا بخبر وفاة الزعيم جمال عبد الناصر.

مع أن كلمة ذلك الضابط المظفر، عكست حقدًا غير مسبوق على الزعيم العربي الراحل، وكراهية له ولكل ما مثّله من عزة وكبرياء وإباء، إلا أنها كانت فعلاً في صميم الحقيقة.

"
عندما انطلقت المقاومة الفلسطينية كان برنامجها "تحرير فلسطين" وعلى هذا الأساس تمكنت من استقطاب جواهر الشعب الفلسطيني للانخراط في الكفاح المسلح، وصارت بسبب ذلك حركة شعبية بكل ما في الكلمة من معنى
"
فمع أن حركة المقاومة الفلسطينية لم تخسر المعركة عسكريًا عند وقف إطلاق النار، حيث تمكنت من الاحتفاظ بكثير من مواقعها في العاصمة الأردنية، إضافة إلى كل شمالي البلاد حتى الحدود السورية، إلا أنها خسرت سياسيًا وبكل ما لتلك الهزيمة من تبعات.

نحن لسنا في صدد كتابة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية بعد مجازر أيلول في عام 1970 وأحراج جرش وعجلون في عام 1971، ولكننا نعد نفسنا أيضًا "شاهد على العصر" ولنا كلمة في رواية ما حصل حينها، نرى تداعياته المخزية في هذه الأيام، وقد تجلت بأكثر صورها مثارا للشفقة في مؤتمر فتح -بالأحرى ما تبقى منها- الذي عقد أخيرًا في مدينة بيت لحم الخاضعة، كبقية فلسطين، للاحتلال الصهيوني الذي يتحكم بكل دقائق الحياة فيها، وما كان من الممكن عقده لولا موافقة العدو بل وبمباركته. بل إن الاستنكار وصل ببعض المناضلين إلى التعجب من عدم دعوة بنيامين نتنياهو لحضور المؤتمر بصفته ضيف شرف وذلك تقديرًا له لأريحيته ودعمه الشخصي لانعقاده.

على أي، عندما انطلقت المقاومة الفلسطينية في عام 1965 -وهو تاريخ رسمي ليس غير- لم تكن كل فلسطين قد سقطت بعد للاغتصاب الصهيوني حيث كانت "الضفة الغربية" و"قطاع غزة" تابعتان لكل من الأردن ومصر تباعًا، وكان برنامجها "تحرير فلسطين" وعلى هذا الأساس تمكنت من استقطاب جواهر الشعب الفلسطيني للانخراط في الكفاح المسلح، وصارت بسبب ذلك حركة شعبية بكل ما في الكلمة من معنى حيث كانت صفة "فدائي" تحمل وعن حق معاني نكران الذات والتضحية والتواضع والطهارة.

لكن بعد هزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية في عام 1970-1971، والتي تلت هزيمة عام 1967، نجد أن الحركة الوطنية الفلسطينية أصبحت في موقع ردة الفعل وفقدت زمام المبادرة بعدما تحول حلم كثر من قادتها إلى التحول لجزء من النظام الرسمي العربي، يستعين به على البقاء بدلاً من الاعتماد على الشعب. وتدريجيًا تم التخلي عن الشعارات ذات العلاقة.

تدريجيًا بدأت بعض القيادات الفلسطينية ذات التاريخ والحاضر المخزي في طرح مشروع دولة فلسطينية إلى جانب كيان العدو، أي الموافقة على اغتصاب فلسطين وقبول أي سلطة على ما قد يمكن الحصول عليه من أرض "ولو مزبلة في أريحا" وفق تعبير أحدهم. أما الجبهة الديمقراطية فقد تكفلت بتسويق ذلك البرنامج "الساداتي" وكل انحراف سياسي فلسطيني، في الأسواق الحمر، وفي مقدمة ذلك الاتحاد السوفياتي وبقية الدول الاشتراكية (سابقًا) تحت مختلف التصنيفات مثل: الواقعية والعقلانية وما إلى ذلك من التوصيفات التي تصدرها عقلية انهزامية انتهازية تضليلية.

هذا ما فعلته تلك القيادات، التي انتقلت منذ فترة قد طالت إلى موقع "الثورة المضادة" واختارها العدو لتبقى متحكمة بنا، بدلاً من مراجعة الذات والتحقيق في ما حصل وتطهير الصفوف.

بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 وانتقال كل من مصر وسوريا عمليًا إلى قبول حل سياسي مع إسرائيل على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242، تبنت الحركة الوطنية الفلسطينية التخلي عن مشروع تحرير فلسطين وتبني مشروع القبول بكيان ما إلى جانب كيان العدو أطلق عليه وقتها "البرنامج المرحلي" أو "برنامج النقاط العشر" الذي أقر تبني إقامة سلطة وطنية على أي شبر يتم تحريره من فلسطين المغتصبة. وبمرور الزمن صار ذلك البرنامج المرحلي برنامجًا إستراتيجيًا نعيش تداعياته جميعها منذ الخروج من الأردن، الموقع الطبيعي للمقاومة الفلسطينية.

ما نريد قوله عن ذلك البرنامج وما تلاه من برامج وترتيبات كانت جميعها نتاج هزائم سياسية وعسكرية وأخلاقية.. إلخ، وليست برامج "عقلانية واقعية" وما إلى ذلك من الصفات التي أطلقها عليه ثوار مرتدون تائبون.

"
يحق لنا جميعا الآن أن نحاسب القيادة الفلسطينية التي ورطت الشعب الفلسطيني في مسيرة سياسية عسكرية غاية في القسوة، كلفته ومعه من وقف من العرب وغير العرب مئات الآلاف من الشهداء والقتلى والمساجين والأسرى والجرحى والمعاقين
"
والآن نقول: يحق لنا جميعا أن نحاسب هذه القيادة التي ورطت الشعب الفلسطيني في مسيرة سياسية عسكرية غاية في القسوة، كلفته ومعه من وقف من العرب وغير العرب مئات الآلاف من الشهداء والقتلى والمساجين والأسرى والجرحى والمعاقين، على ارتدادها وقبولها بأقل بكثير مما كان لديه من وطنه قبل أن يبتلى بها.

لقد أعلنت القيادة الفلسطينية أنها انتصرت في معارك أيلول الأسود، ومن ثم في معارك أحراج جرش وعجلون، ومن بعد ذلك في لبنان. وحتى الطرد المهين للحركة الوطنية الفلسطينية من بيروت وخروجها منها بحماية قوات حلف الناتو تم تصويره على أنه انتصار عظيم. وكل هزيمة لحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية -وتاريخها المعاصر كله هزائم- حولتها القيادة إلى "انتصار" حيث يمكنها أن تزداد تشبثًا بمواقعها ويروى ظمأها الذي لا يروى إلى المقاعد والكراسي والامتيازات، حتى لو كان على تلال جماجم أبناء شعبنا وشهدائنا، وما يجري منذ أوسلو خير شاهد على هذه المأساة.

القاموس السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية لا يعرف مصطلح "هزيمة" لأن ذلك يتطلب بالضرورة محاسبة المسؤولين. ولأن المسؤولين هم في مواقع القيادة، فليس ثمة هزائم.

لعل أحد أفضل التعبيرات عن مكمن الغلط فينا يتجلى في ما يروى عن دراسة قامت بها إحدى مسؤولات مراكز الدراسات الفلسطينية في نهاية سبعينيات القرن الماضي حيث وصلت إلى نتيجة: "باختصار شديد، هذه الثورة ستهزم". قدمت استنتاجها هذا إلى القيادة الفلسطينية التي سألتها عن السبب، فقالت: تركيبتها الفلاحية!. جاءها الجواب المدوي، من دون أي تردد: استنتاجاتك غلط. أنا مش فلاح!!!

نحن في حاجة إلى دراسة ما حدث، وهذا من حق الأجيال الحالية والقادمة علينا. في الحقيقة ثمة أسباب كثيرة ساهمت بدرجات متفاوتة في هزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية، ولعل من ضمنها التركيبة الطبقية بعد الخروج من الأردن. كما أنه من غير الصحيح تجاهل التأثير السلبي الهائل للنظام السياسي الاقتصادي اللبناني بما يحويه، إلى يومنا هذا، من أمراض طائفية ومذهبية واستعراضية واستهلاكية تخريبية ملتفتة إلى متاع الدنيا في تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية من الداخل.

ومن المفيد هنا التذكير بحقيقة كانت سائدة في صفوف المقاومة الفلسطينية في الأردن، وهي الشك في أي عنصر يتوجه إلى لبنان في إجازة حيث كان ذلك يعد رجسا ورذالة وفق رأي غالبية المناضلين لأنه ليس ثمة ما يمكن العثور عليه هناك سوى اللهاث وراء المحرمات. تلك حقيقة يعرفها كل من يمكن وصفه بأنه من "الجيل الفتحاوي الثاني" مع أن ذلك الحكم لا يخلو من القسوة، لكنها قسوة على الذات تعكس مستوى الطهارة وقتها.

الآن لابد من التوضيح بأن كلامنا هذا يشير إلى طبيعة المجتمع اللبناني الخدماتي، وليس إلى الشعب اللبناني الكبير الذي لم يبخل إطلاقًا على القضية الفلسطينية، مع أن بعض قياداته الحزبية والمذهبية، كما زميلاتها العربية، استعملت القضية الفلسطينية لأهداف خاصة، وأن قيادات لبنانية أخرى رأت فيها –في حركة فتح تحديدًا- "جيش السنة" وهو ما دفعها إلى السكوت عن كل الجرائم التي كانت ترتكب باسم فلسطين، وأطلقت عليها مصطلح "تجاوزات".

لكن كلنا يعلم أن حب تلك القيادات لفلسطين تجمد على مداخل بيروت إبان الاجتياح عام 1982 عندما أعلنت أنها لن تقبل بتدمير بيروت "بيروت خط أحمر" ولكن لم يكن لديها مانع من أن يدمر العدو الصهيوني جنوبي لبنان، مرة بعد مرة، على رؤوس سكانه.

ونحن نقول هذا من دون نسيان ما ارتكبته الحركة الوطنية الفلسطينية من جرائم بحق مختلف أطياف الشعب اللبناني، وخصوصًا في الجنوب والبقاع، ولكن أيضًا في "الجبل" في عينطورة وترشيس والمتن و..., والقنطاري وعين المريسة والجية والدامور و..., وإذا كان لأي اعتذار "قيادي فلسطيني" أن يكون له معنى، فيجب أن يبدأ أولاً وقبل كل شيء بالاعتراف بكل تلك الجرائم المخزية التي ارتكبت باسم شعب فلسطين وقضيته وقادت إلى نفور حقيقي منه، وإن كنت أتمسك بمقولة "لا تلوموا الضحية".

على "القيادة المعتذرة" إن كانت حقًا صادقة، وهي بكل تأكيد ليست صادقة في أي كلمة تقولها، أن تعترف بكل تلك الجرائم التي ارتكبتها في لبنان وأن ترد الأموال المنهوبة إلى أصحابها وتعوضهم من حسابات اللصوص وقطاع الطرق والمجرمين الذين كدسوا الثروات وأموال قارون على حساب دماء شعبنا.

لكن من المهم تأكيد أن العامل الأساس الآخر الذي ساهم في تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية وتخريبها وإفسادها، هو أموال النفط الإفسادية والتكفيرية التي انهمرت فقط على القيادات المنصاعة لإملاءات حماة إسرائيل، وأسهمت إسهامًا كبيرًا في إفسادها وتحللها إلى أن أينعت رؤوسها وصارت جاهزة للاستسلام في أوسلو وما سبقها من تخليها عن حقوق شعبنا "غير القابلة للتصرف" فتلقفها مجرم الحرب رابين المقبور ووضع فلسطين على مذبح ما يسمى "الهيكل الثالث" الذي يعد العدو الصهيوني لبنائه على أنقاض المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، على مرأى ومسمع من حكام العرب والمسلمين، وموافقة أغلبيتهم الضمنية.

"
المطلوب هو تسجيل تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها لتستفيد منها الأجيال القادمة، وحتى يعرف الجيل الحالي من المناضلين العرب بمختلف أطيافهم أسباب هزيمتنا وما الذي أوصلنا إلى القاع الذي نجد أنفسنا فيه، وهو قاع لا قاع له
"
كلمة أخيرة الآن: من المؤسف أن كثرا من القيادات الوطنية الفلسطينية التي اختارت الابتعاد عن ساحة العمل الوطني بعدما لاحقتها القيادة الفلسطينية التي حسمت أمرها لصالح القبول باغتصاب فلسطين تحت مسميات تمويهية مخادعة عديدة مثل "حل الدولتين"، أو أنها أجبرت على إخلاء مواقعها في الحركة الوطنية، تفضل الصمت عما حصل.

ومن هذا المنبر أكرر دعوتي لتلك الشخصيات الفلسطينية إلى تسجيل تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها لتستفيد منها الأجيال القادمة، ولكن أيضًا حتى يعرف الجيل الحالي من المناضلين العرب بمختلف أطيافهم أسباب هزيمتنا وما الذي أوصلنا إلى القاع الذي نجد أنفسنا فيه، وهو قاع لا قاع له كما سجلت ذلك أكاديمية أميركية مناضلة متضامنة مع شعبنا وقضيتنا.

مقالنا هذا، ونعترف بأنه لا يخلو من القسوة على الذات، وليس متكاملاً بأي حال من الأحوال، ليس تأريخًا وإنما محاولة لفتح طريق وإطلاق نقاش حول التجربة الوطنية الفلسطينية التي توجها ذلك المؤتمر التعيس. والأنكى من هذا كله أنه انعقد تحت مقولة "ثورة حتى النصر" العائدة إلى "العهد البائد" بينما كان عليه رفع شعار: العوض بسلامتكم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة