تعثر تشكيل الحكومة العراقية.. احتمالات مفتوحة   
الثلاثاء 1431/8/29 هـ - الموافق 10/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:00 (مكة المكرمة)، 14:00 (غرينتش)
خالد المعيني

 

- العراق والفصل السابع

- تنافس الأجداد وصراع الأحفاد
- العراق والاحتمالات المفتوحة

قد يدفع استمرار تعثر تشكيل الحكومة العراقية مع مرور خمسة أشهر على ظهور نتائج الانتخابات، الولايات المتحدة المأزومة بتوقيت انسحابها إلى اللجوء إلى "المجتمع الدولي" المتمثل في الحكومة العالمية المصغرة (مجلس الأمن)، لاتخاذ خطوات طبقا للقرارات الدولية السابقة بشأن العراق.

وقد تلجأ الولايات المتحدة إلى ذلك محاولة لتغطية عجزها وفشلها الذريع سياسيا وأمنيا واقتصاديا في العراق، وكذلك لخيبة أملها في طبقة السياسيين العراقيين الذين تعهدوا بإدارة الصفحة السياسية من الاحتلال والتخفيف عن كاهل الأميركيين الذين تكبدوا خسائر باهظة في الأرواح والأموال.

ولكن المشكلة هي عجز هذه الطبقة، رغم تعاقب أربع حكومات مسندة بالدعم الأميركي المباشر، عن الإيفاء بأي التزامات وعن الارتقاء بمستوى المسؤولية وتصرفهم على أساس أنهم لا يزالون في حقبة المعارضة، وينظرون إلى العراق كغنيمة حرب.

العراق والفصل السابع
إن القرارات الدولية ما تزال سارية المفعول لكون العراق لا يزال تحت ولاية مجلس الأمن ويخضع للفصل السابع الذي يحد من سيادته، وهناك بعض المبررات التي قد تدفع مجلس الأمن إلى هذا الخيار.

أولا: استحقاقات الانسحاب الأميركي، إذ تحاول الولايات المتحدة المتورطة في العراق وأفغانستان كما أعلنت مرارا الالتزام بتوقيت خطة الانسحاب التي أعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما في 27 فبراير/شباط 2009، ووعد فيها الشعب الأميركي بتقليص كلفة وجود القوات الباهظة في العراق، وإسدال الستار على حماقة سلفه بغزو العراق.

لذلك تحاول الإدارة الأميركية التسريع أيا كان الثمن في تشكيل الحكومة بشرط أن تكون حكومة موالية أو حليفة حسب المصطلح الدبلوماسي الأميركي، تؤمن ظهر أميركا بعد الانسحاب، لأن مصالحها الإستراتيجية في العراق وحجم التوتر في المنطقة لا يسمح بغير ذلك.

"
أي مماطلة في تشكيل الحكومة تعدها الولايات المتحدة عملا عدائيا مقصودا وموجها ضدها يهدف إلى تأخير التزاماتها بالانسحاب
"
لذا فإن أي مماطلة في تشكيل الحكومة تعدها الولايات المتحدة عملا عدائيا مقصودا وموجها ضدها يهدف إلى تأخير التزاماتها بالانسحاب.

ثانيا: المماطلة والمراهنة الإيرانية، إذ تعي إيران جيدا عمق المأزق الأميركي واستحقاقات الانسحاب الأميركي، وترى أن أي تعطيل لتشكيل الحكومة من جهة وتمكن مليشياتها المرتبطة بفيلق القدس من إثارة العنف الطائفي وإعادة أجواء عام 2006، أمور تصب مباشرة في المصلحة الإيرانية.

وهي تريد من خلال ذلك تحسين شروط تفاوضها من جديد مع الإدارة الأميركية، سواء فيما يخص ملفها النووي والحصار الاقتصادي أو على الأقل الإقرار لها بالنفوذ في مشروعها القومي من زاخو حتى مضيق هرمز (الإقرار بأن الخليج العربي والشعوب المطلة عليه بحيرة إيرانية).

رابعا: يشير القرار الدولي رقم 1546 الصادر في الثامن من يونيو/حزيران 2004، وفي نص المادة العاشرة منه على ما يلي (يقرر أن تكون للقوات متعددة الجنسية سلطة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ الأمن والاستقرار في العراق).

هذه الصلاحيات مطلقة كما يبدو للقوات الأميركية (القوات متعددة الجنسية) في اتخاذ ما تراه مناسبا دون الرجوع إلى أحد، وما عدا ذلك تفاصيل (حكومة، اتفاقية، عملية سياسية، سيادة ...).

خامسا: في عام 2007، وفي ظل حكومة المالكي المنتخبة هيأت الولايات المتحدة لنفسها خط رجعة أو ما يطلق عليه آنذاك الخطة (ب)، نتيجة لتدهور وضع قواتها التي كانت على وشك الانهيار وإعلان الهزيمة عامي 2006 و2007 عندما كانت المقاومة تشن 1200 عملية عسكرية يوميا ضد قواتها (كما يشير إلى ذلك "تقرير بيكر هاملتون")، فاستصدرت قرارا من مجلس الأمن رقمه 1770 في 10 أغسطس/آب 2007 خولتها فيه الأمم المتحدة التدخل لمعالجة ملفات تعد سيادية مثل المصالحة الوطنية وإعادة النظر في الدستور وكذلك الإشراف على عمل المفوضية، لأنها كانت ترغب حينها إذا ما تدهورت الأوضاع في أن تترك العراق للأمم المتحدة.

فهل ستلجأ الولايات المتحدة إلى منقذها في حل مشاكلها العالمية المستعصية مجلس الأمن بعد أن وصلت العملية السياسية في العراق إلى شفير الهاوية.

"
صراعات الأجداد على رئاسة المرجعية وما تدره من ثروات طائلة وسلطة وجاه عظيم هي التي تلقي اليوم بظلالها على المشهد السياسي العراقي
"
تنافس الأجداد وصراع الأحفاد

لم تعد الصراعات بين الجهات السياسية تحت السيطرة الإيرانية، أو المرجعيات التقليدية فالخلافات الحادة بين حلفاء الأمس بالتأكيد ليست من أجل تباين في الرؤية السياسية والبرامج الاقتصادية، لأن الجميع بات يعرف بأن هذه الأحزاب الطائفية قد خذلت جماهيرها منذ سبع سنوات بعد أن جاءت إلى الحكم باسم مظلوميتهم واتخذتهم جسرا إلى السلطة والحكم. الخلاف الحالي الشديد بين أقطاب التحالف الطائفي (الحكيم والصدر والمالكي) الذي يحول دون الاتفاق على تشكيل الحكومة تضرب أصوات الشعب العراقي الذي انتخبهم على قاعدة أفضل السيئين.

وهذا الخلاف يعود إلى صراعات تاريخية معروفة لدى الوسط العلمي في النجف تمتد إلى قرون، وسبق أن ذهب ضحية تلك الصراعات الكثير من المرجعيات، وآخرها عبد المجيد الخوئي الذي جاء لاستعادة إرث مرجعية جده معتمدا على تعاونه مع القوات الأميركية عام 2003.

إن صراعات الأجداد هذه على رئاسة المرجعية وما تدره من ثروات طائلة وسلطة وجاه عظيم يمثله ولاء الملايين من الناس البسطاء، هي التي تلقي اليوم بظلالها على المشهد السياسي العراقي.

فمقتدى الصدر رغم خطوطه الحمر على ترشيح رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي لولاية ثانية لا يرضى في نفس الوقت أن يكون بديل المالكي في سدة الحكم مرشح الحكيم، لا سيما بعد أن فشل الأخير في الانتخابات، وذلك خوفا من أن تتيح هذه الفرصة للحكيم التقاط أنفاسه واستعادة شعبيته بفضل الثروة والسلطة التي ستؤمنها رئاسة الحكومة، مما يساعد الحكيم في السيطرة على الشارع الجنوبي.

والمعادلة نفسها تنطبق على الدعوة والحكيم والصدر، وهو صراع يمتد قرونا على من يمثل المرجعية، وبالتالي لدى هذه الأطراف اليوم قابلية للتحالف مع الشيطان من أجل عدم خسارة مرجعيتهم وصراعهم التاريخي، إنه نوع من الثأر خاصة وأن معظم قادة هذه التيارات أنصاف متعلمين وولاؤهم مهزوز.

"
الاحتمال الأسوأ الذي قد يفرح كل الأطراف المعادية للعراق هو الانهيار الأمني وانفلات العنف الطائفي ودفع الجميع باتجاه مشروع تقسيم العراق كما ورد في كثير من التقارير الأميركية
"
العراق والاحتمالات المفتوحة

يمكن حصر ثلاثة احتمالات أمام المشهد العراقي، فالاحتمال الأول لجوء مجلس الأمن وفق الإملاءات الأميركية إلى فرض استحقاق القائمة العراقية الذي تم الالتفاف عليه إيرانيا.

الاحتمال الثاني لجوء مجلس الأمن طبقا للقرار 1770 إلى إعادة الانتخابات خلال المدة التي لا يزال العراق فيها تحت الفصل السابع، مع وجود القوات الأميركية خاصة وأن أهم بنود الاتفاقية الأمنية الموقعة بين الحكومة العراقية والحكومة الأميركية تشير إلى تعهد الأخيرة بحماية "النظام الديمقراطية في العراق".

الاحتمال الثالث هو أن تلجأ إدارة الاحتلال (قوات متعددة الجنسية) طبقا للقرار 1546 إلى فرض حكومة طوارئ على غرار مجلس الحكم، يغلب عليه الطابع العسكري لمدة سنة (فترة بقاء القوات الأميركية في العراق) للتهيئة للانتخابات وإجراء مصالحة شكلية بالاعتماد على سمسرة الجامعة العربية وكذلك محاولة تعديل الدستور والاستعانة بعد ذلك بقوات حفظ سلام دولية بقيادة أميركية لفرض الأمر الواقع كما حصل في كوسوفو.

أما الاحتمال الأسوأ الذي قد يفرح كل الأطراف المعادية للعراق -عدا الشعب العراقي المقهور وقواه الوطنية- فهو الانهيار الأمني وانفلات العنف الطائفي ودفع الجميع باتجاه حل طالما تم تأجيله يرضي إسرائيل وإيران وأميركا "بايدن" وبعض الدول العربية التي تجد مصلحة في تقسيم العراق.

وتتناغم هذه الرغبات الخارجية مع رضا أطراف محلية هي أصلا تسعى إلى مثل هذا المشروع منذ أن تواطأت في محطات ما قبل الاحتلال مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والمجلس الأعلى والأحزاب العنصرية ذات النزعة الانفصالية في شمال العراق وشيوخ وتجار الدولار في المنطقة الغربية.

ذلك هو مشروع تقسيم العراق كما ورد في كثير من التقارير الأميركية، وكما أسس له في الدستور العراقي المفخخ الذي يمثل وصفة جاهزة للتفتيت والتقسيم وتحويل العراق إلى كيانات هزيلة متناحرة على السلطة والثروة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة