الخرطوم وجوبا بعد هجليج.. أفق الحل   
الثلاثاء 10/6/1433 هـ - الموافق 1/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:04 (مكة المكرمة)، 12:04 (غرينتش)
ياسر محجوب الحسين

 

شخصية سلفاكير
إسرائيل.. أخطر تداعيات الانفصال
أفق الحل

بعد الحروب العنيفة والهمجية التي دارت في أوروبا والتي كانت آخرها الحرب العالمية الثانية، ذاقت أوروبا طعم الاستقرار وانطلقت عجلة التنمية والتعمير. الاستقرار السياسي كان القاعدة الأساسية التي ارتكزت عليها النهضة الحالية. التراضي على نهج سلمي لحل النزاعات سواء كان داخل الدولة الواحدة أو بين الدول كان سلوكا حضاريا قام عليه الاستقرار السياسي.

أفريقيا ما زالت ترزح تحت نير الحروب والاضطراب السياسي. السودان وجنوب السودان نموذج ماثل للدول الأفريقية التي تنهك مواردها في حروب لا طائل منها. الحرب المتطاولة بين الجانبين لها أسبابها ومسبباتها الداخلية والخارجية.

أما معركة هجليج وهي الأحدث والأعنف والأكثر تأثيرا على مستقبل علاقات البلدين فقد تركزت بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي متمثلا في حقول النفط ومكامنه، ورسوم تصديره، فضلا عن مناطق الرعي على الحدود وتنقل القبائل الرعوية من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال خاصة منطقة أبيي التي عرضت جوبا على الخرطوم مقايضتها بهجليج قبل أن يستردها الجيش السوداني.

قلنا إن هجليج كانت محطة فارقة في علاقة الطرفين إما سلام بعدها وإما حرب لا تبقي ولا تذر. لقد كانت حرب الأيام العشرة درساً بليغاً لكلا الطرفين، وكانت لها تداعيات كبيرة داخل الدولتين. وبحساب الربح والخسارة مع يقيننا أن كلا الطرفين خاسران في نهاية المطاف بيد أنه يمكن أن نشير إلى أن الخرطوم ربما حصدت بعض الأرباح رغم الخسائر المادية المهولة في البنية التحتية للنفط، فقد وحد احتلال هجليج كافة قطاعات الشعب السوداني وكان موقف المعارضة منسجما وربما لأول مرة مع الموقف الحكومي لكن كان في المقابل غضب عارم عم الأوساط الشعبية في الخرطوم ودعوات تطالب بإقالة وزير الدفاع الذي يحتفظ بعلاقة (خاصة) مع الرئيس عمر البشير.

كيف عجزت وزارة الدفاع السودانية عن رصد تحركات (11) ألفا من قوات الجيش الشعبي في الوقت الذي أعلن أن رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت صراحة أنه سوف يحتل هجليج

التساؤل المرير كيف عجزت وزارة الدفاع عن رصد تحركات (11) ألفا من قوات الجيش الشعبي بيد أن رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت أعلن صراحة أنه سوف يحتل هجليج؟ كانت الحكومة السودانية التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بسبب خروج نفط الجنوب تنتظر فرصة ذهبية لأن يترك الشعب المشكلة الاقتصادية جانباً ومن ثمّ تتنفس الحكومة الصعداء وتسترد أنفاسها وتكسب بعض الوقت يمكنها من ترتيب نفسها.

ولأن الإعلام السوداني ما زال مؤثرا في الجنوب -الذي يتخذ من اللغة العربية لغة تواصل يومية- فقد استطاعت الخرطوم إحداث أثر نفسي موجع في شعب الجنوب، الأمر الذي أضعف الروح المعنوية، بل إن جدلا واسعاً انتظم مختلف القطاعات بشأن تعاطي جوبا مع الخرطوم والمغامرة غير المحسوبة باحتلال هجليج، كما تصاعدت احتجاجات قبيلة النوير وهي القبيلة التي خسرت عددا كبيرا من قتلى معركة هجليج الذين بلغ عددهم نحو ألف قتيل وفق ما أعلنه الجيش السوداني، وهدد اللواء بافن مانتويل من قبيلة النوير بإسقاط نظام جوبا قائلاً: (حكومة الجنوب قامت بخيانة النوير واستخدمتهم كدروع بشرية في احتلال هجليج فيما هرب الدينكا للجنوب، قاطعاً بأنه لا مساومة في بترول ولاية الوحدة الذي يمثل نصيب النوير فيه 90%).

الخرطوم كسبت كذلك موقفا دوليا مساندا ربما لأول مرة في تاريخ نظام عمر البشير الذي استولى على السلطة في العام 1989م، ورغم تأييد الولايات المتحدة الكامل والمعلن لدولة جنوب السودان إلا أنها اضطرت على ما يبدو لإدانة احتلال هجليج، فالجيش الشعبي قد ارتكب مخالفة صريحة باحتلاله لأراضي دولة أخرى وسبق ذلك إعلان صريح من سلفاكير بأنه سوف يحتل هجليج. يشار إلى أنه سبق أن قبل الطرفان طوعا واختيارا التحكيم بشأن هجليج وأبيي، وقد حكمت محكمة العدل الدولية بلاهاي بتبعية هجليج لجمهورية السودان بينما تركت مصير أبيي لاستفتاء لمواطني المنطقة لم يتم حتى الآن.

شخصية سلفاكير
أعتقد أن شخصية سلفاكير واحدة من نقاط ضعف حكومة جوبا. في أكثر من مناسبة ردد الرجل قبل الانفصال بأنهم مع خيار الوحدة وأنه شخصيا رجل وحدوي، وفيما بعد كان سلفاكير شخصية جديدة، متوترة وغاضبة وقال في آخر زيارة له للولايات المتحدة بُعيد الانفصال: (إن أبناء الجنوب سوف يصوتون بأغلبية (ساحقة) لصالح الانفصال الذي يعني (الاستقلال).

وسلفاكير يعتبر قائدا (طارئا) وجد نفسه في صدارة الأحداث دون سابق إنذار بسبب الغياب المفاجئ لقائد الحركة الشعبية السابق العقيد جون قرنق. بعض قادة الحركة يعتبرون أنفسهم الأكثر دراية بلعبة السياسة من سلفاكير الذي كان في أغلب الأوقات في أدغال غابات الجنوب لا يتعاطى السياسة إطلاقا بينما كان قرنق في المقابل منفتح على عالم السياسة بالإضافة إلى قبضته العسكرية ولذا يجزمون أن قرنق كان يتمتع بخبرة سياسية مرفودة بقدرة على المناورة بينما لم تترك الغابة وأدغالها لسلفاكير أي فرصة ليكتسب أي خبرة سياسية.

وهناك من يفسر مواقف سلفاكير من الانفصال، بأنها (طموح) شخصي، وأنه يظن أو زيّن له بأن فرصة (تاريخية) أمامه ليعلن دولة جديدة، وليظهر بمظهر (البطل) الذي حقق (الاستقلال) لشعبه. وهو الوحيد الباقي على قيد الحياة من مؤسسي الحركة التاريخيين وعددهم (14) شخصاً قتل معظمهم في ظروف غامضة أو فى الاقتتال الداخلي بين أجنحة الحركة مثل وليم نون، وكاربينو كوانين بول. سلفاكير ربما نظر إلى شانانا غوسماو الذي تسبب بدعم أميركي صريح في فصل تيمور الشرقية عن جسدها الجغرافي والسياسي والحضاري وهو إندونيسيا في مايو/أيار من العام 2002م.

إسرائيل.. أخطر تداعيات الانفصال
أخطر ما في الانفصال أن الحركة الشعبية عملت على رهن دولة الجنوب لمصالح اللوبي الصهيوني واليمين المتشدد الأميركي وخضعوا للإغراءات لفصل جنوب السودان. المنظور الإستراتيجي للأمن القومي الإسرائيلي يرتكز على أن سودانا ضعيفا ومجزأً وهشا أفضل من سودان قوي وموحد وفاعل، ولذا لا يجب أن يسمح لهذا البلد أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي ولا بد من العمل على إضعافه وانتزاع المبادرة من حكومة الإنقاذ لبناء دولة قوية موحدة. السودان كان محط اهتمام اليهود منذ أكثر من مائة عام، ولكنه تركز بشكل أكبر على الجنوب، حيث الأرضية المهيأة لتحقيق أطماعهم في السيطرة على منابع النيل والإيفاء بوعد إسرائيل الكبرى.

كل الزعماء الصهاينة من بن غوريون وحتى أولمرت تبنوا خطا إستراتيجيا واحدا في التعامل مع السودان يقوم على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب ثم دارفور

التاريخ يحدثنا أن السودان كان من بين الدول المرشحة لتوطين اليهود قبل فلسطين، فقد كتب اليهودي "واربورت"، الخبير بشؤون الفلاشا عام 1900م، اقتراحاً إلى اللورد "كرومر" في القاهرة بذلك، وقدّم يهودي آخر هو "أبراهام جلانت" نفس الاقتراح عام 1907م إلى رئيس المنظمة الإقليمية اليهودية. كل الزعماء الصهاينة من بن غوريون وليفي أشكول وغولدا مائير وإسحاق رابين ومناحم بيغين وشامير وشارون وأولمرت تبنوا خطا إستراتيجيا واحدا في التعامل مع السودان يقوم على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب ثم دارفور.

في كتاب وثائقي صدر عام 2002 عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب للعميد موشي فرجي التابع للمخابرات الإسرائيلية بعنوان (إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان)، يوضح الكاتب أن "بن غوريون" أسس الانطلاقة لفرضية رئيسية أقام عليها الإسرائيليون تعاونهم ودعمهم غير المحدود للأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي، وأصدر بن غوريون أوامره إلى أجهزة الأمن للاتصال بزعامات الأقليات في العراق والسودان وإقامة علاقات مختلفة معها. العميد فرجى يؤكد أيضا أن دور إسرائيل بعد انفصال الجنوب وتحويل جيشه إلى جيش نظامي سيكون رئيسيا وكبيرا، ويكاد يكون تكوينه وتدريبه وإعداده صناعة كاملة من قبل الإسرائيليين.

أول زيارة خارجية للرئيس سلفاكير بعد الانفصال كانت إلى إسرائيل، وفي تلك الزيارة قال سلفاكير بحضور الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز: (لقد وقفتم إلى جانبنا طوال الوقت، ولولا الدعم الذي قدمتموه لنا لما قامت لنا قائمة). كلام سلفاكير كان تعليقا على قول بيريز إن علاقة بلاده بقادة انفصال الجنوب بدأت أثناء حكومة ليفي أشكول في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان بيريز نائبا لوزير الدفاع.

يشار إلى أن إسرائيل تركز في علاقتها بجنوب السودان على التعاون العسكري والمخابراتي فقبل أن يكتمل افتتاح سفارة إسرائيلية في جوبا افتتح مكتب للمخابرات الإسرائيلية هناك. انفصال جنوب السودان في إستراتيجية إسرائيل يحطم حقيقة أن السودان جسر لمرور الثقافة العربية إلى أفريقيا وبالتالي تتشكل وحدة بين الكيانين لا تكون في صالح إسرائيل.

وقد كان من أكثر الأشياء مدعاة للقلق بالنسبة لإسرائيل هو قيام تضامن عربي أفريقي يؤدي إلى جبهة سياسية واحدة، تزيد من حالة العزلة التي تعاني منها إسرائيل، ولذلك جعلت إسرائيل، من أهدافها المهمة في القارة الأفريقية إضعاف علاقات الأقطار الأفريقية بالعالم العربي. وتعطي بعض الأرقام صورة عن أهمية الترابط الجغرافي إذ إن أكثر من نصف العرب يعيشون في أفريقيا (حوالي 60%)، و25% من الأفارقة هم عرب، وأكثر اللغات التي يتحدث بها أهل أفريقيا هي اللغة العربية.

أفق الحل
ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هجليج ستكون نقطة فارقة ومحطة لصالح قطار السلام، ما بدر من الطرفين كنتيجة سريعة للمعركة، فقد وافقت جوبا سريعاً على التفاوض وقامت بتسليم الخرطوم (13) أسيرا عبر مصر، كما أعلنت جوبا قبول ترشيح سفير الخرطوم بعد ثلاثة أشهر من تقديمها طلبها إلى جوبا، وقد اعتبرت الخرطوم تأخر الموافقة رفضا حسب الأعراف الدبلوماسية.

الخرطوم لا ترغب في حرب مع الدولة الوليدة رغم تفوقها العسكري وتمتع جيشها بخبرة قتالية, فضلا عن أن انفصال الجنوب كان مهرا غاليا لاستدامة سلام مع الجنوب ظل عزيزاً لأكثر من خمسين عاما

في المقابل أعلنت الخرطوم قبولا خجولا للتفاوض، والأهم موافقة الخرطوم وعدم ممانعتها في نشر قوات دولية على الحدود وهذا يعتبر تنازلا مهما حيث كانت ترفض بشكل قاطع هذا الأمر. ومن المؤكد أن الخرطوم لا ترغب في حرب مع الدولة الوليدة رغم تفوقها العسكري وتمتع جيشها بخبرة قتالية وتنظيمية وتدريبية طويلة منذ إنشائه في العام 1925 وشاركت وحدات منه في الحرب العالمية الثانية، فضلا عن أن انفصال الجنوب كان مهرا غاليا لاستدامة سلام مع الجنوب ظل عزيزاً لأكثر من خمسين عاما، ومعلوم أن الحدود بين البلدين تبلغ (1800) كيلومتر وهي أطول حدود طبيعية بين دولتين أفريقيتين، كما أن هناك حوالي (8) ملايين من سكان السودان البالغ عدهم (30) مليونا هم يعيشون في مناطق التماس يتأثرون اقتصاديا واجتماعيا وبشكل مباشر بحالة الحرب بين البلدين.

الهدف الإستراتيجي لاتفاقية السلام كان وقف الحرب واستدامة السلام. المعادلة السياسية الجديدة والملحة تقول في أحد شقيها إن الشمال لديه مصلحة في تأكيد إستراتيجية حسن الجوار التي من خلالها حول كل الجوار المعادي إلى دول صديقة وحليفة، ولا بد أن تدخل دولة الجنوب في إطار هذه الإستراتيجية. صحيح أن الخرطوم رفعت عاليا سقف شروطها لبدء الحوار، لكن في اعتقادي أن ذلك يدخل في إطار التكتيك واستثمار النصر الذي تحقق لها في هجليج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة