هوية المقاومة في العراق.. بعثية أم إسلامية؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ ياسر الزعاترة

للمرة الثانية خلال شهرين "تنفرد" أسبوعية أردنية بعثية سورية بنشر وثيقة تقول إنها صادرة عن حزب البعث الاشتراكي العراقي تشكل منهاجا إستراتيجيا للمقاومة ضد الاحتلال الأميركي.

وفي الحالتين فقد احتفت بعض الأقلام اليسارية بالكلام المنشور الذي رأت فيه تأكيدا على أن المقاومة في العراق هي مقاومة بعثية، وليست إسلامية كما روج الكثيرون. كما رأت فيه أفقا أفضل للمقاومة بسبب أن المقاومة الإسلامية –حسب رأيهم- هي مقاومة طائفية لن تحظى بدعم أطياف الشعب العراقي الأخرى، فضلا عن مخاطر تكريسها لتجزئة البلد إلى ثلاثة أقسام.


لا أحد يقاوم تحت راية حزب البعث العربي الاشتراكي وإيمانا ببضاعته "الأيديولوجية"، بل إن صدام حسين نفسه لم يعد يقول بتلك البضاعة كما تؤكد رسائله خلال مرحلة ما قبل الاحتلال وبعده
ما ينبغي أن يقال ابتداء في الرد على هذه الحكاية هو أن وثيقة أو وثيقتين، أو حتى عشر وثائق "تنفرد" بنشرها صحيفة هامشية لا توزع أكثر من بضعة مئات من النسخ في دولة مجاورة للعراق لا يمكن أن تشكل دليلا على مسألة بهذه الأهمية، إذ لا يُستبعد أن تكون من صياغة رجل واحد أو بضعة رجال يحلمون باستعادة مجد تليد تهاوى بين عشية وضحاها.

مع ذلك فإن الأمانة تقتضي التفريق في هذه الآونة بين شخص اسمه صدام حسين قتل نجلاه بيد الأميركان، ويعلن من مخبأ له شعارات كبيرة تثير مشاعر بعض الناس، وبين شيء اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي.

فنحن في الحالة الأولى بإزاء رمز مكروه على نحو واسع، لكنه استعاد شيئا من رمزيته في أوساط بعض العرب السنة العراقيين، ليس حبا به وبعودته، ولكن نكاية بالأميركان الذين ينكلون بهم تبعا لوجود المقاومة في مناطقهم.

والحال أن ذلك يحدث لأن من طبع الناس التعلق بأشخاص. ولما كانت المقاومة بلا رموز معلنة حتى الآن، فإن صدام حسين قد غدا اسما مألوفا لا يثير الكثير من العدائية، بل بعض التعاطف لدى بعض الفئات، ونكرر بعض الفئات.

من الواضح أن هذه المعادلة ستبقى قائمة ما دامت المقاومة بلا رموز معلنة، وهو وضع قد يستمر لوقت لا يُعرف مداه. والحال أن سبب هذه الظاهرة إنما يعود لسيطرة قوات الاحتلال على طول البلاد وعرضها، إضافة إلى عدم إمكانية لجوء بعض رموز المقاومة إلى الخارج كمتحدثين باسمها كما هو حال قوى المقاومة الفلسطينية مثلاً قبل أوسلو.

بل إن عددا من العلماء والرموز والمشايخ الداعمين لخيار المقاومة في العراق قد أخذوا يتعرضون للاعتقال، مما يجعل إمكانية تكرار ذلك اللون المعلن من الدعم صعبا إلى حد كبير، حتى في شقه الكلامي.

لا شك أن هذه المعضلة تبدو مهمة إلى حد كبير، فالمقاومة بحاجة إلى اسم وشعار ورموز، وإذا كانت بعض الأسماء قد أخذت مكانها على نحو معقول مثل حركة المقاومة الإسلامية الوطنية (كتائب ثورة العشرين)، إلا أن ذلك يبقى ناقصا من دون رموز معلنة.

أما قصة "بعثية" المقاومة فهي من النوع الرديء الذي لا يقنع أحدا، حتى بوجود عناصر من النظام السابق يشاركون في المقاومة، والسبب أن النظام السابق لم يكن حزبا فقط، وإنما دولة ومؤسسات يعمل فيها بشر يتراوحون بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، ويندمجون على نحو ما في مؤسسة عمرها خمسة وثلاثون عاما.

الأكيد هو أن أحدا لا يقاوم تحت راية حزب البعث العربي الاشتراكي وإيمانا ببضاعته "الأيديولوجية"، بل إن صدام حسين نفسه لم يعد يقول بتلك البضاعة كما تؤكد رسائله خلال مرحلة ما قبل الاحتلال وبعده.

ولعل قراءة معمقة لجملة الرسائل المذكورة لا بد أن تعكس مدى التغير الذي أصاب الرجل خلال المرحلة الأخيرة، فهو يتحدث لغة أقرب إلى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن منها إلى خطاب البعث الاشتراكي، ويتحدث عن المجاهدين والجهاد موردا الآيات والأحاديث، وهو ما يبدو بعيدا عن اللغة القديمة أيام الحرب العراقية الإيرانية، أو أيام الحرب مع الكويت وما بعدها.


لا شك أن هناك حرجا واسعا لا يزال يصيب الشيعة في كل مكان من أسلوب تعامل رموزهم مع الاحتلال في العراق، سيما وهو يأتي بعد مجد كبير حققوه من خلال حزب الله في جنوب لبنان
بل إن الرسائل في مجملها تشير إلى إدراك من طرف الرجل لكون الذين يقاومون يتحركون على أسس جهادية أكثر منها وطنية، مع عدم استبعاد هذا البعد. ولا شك أن للرجل أدوات تواصل مع الواقع تتيح له إدراك حقيقة ما يجري على الأرض بعيدا عن الشائعات، اللهم إلا إذا كان من حوله لا يزالون من ذلك الصنف الذي يزوّر الحقائق.

المقاومة حسبما تشير المعلومات الواردة من العراق هي إسلامية في معظمها، أكانت ذات خلفية "إخوانية" أم سلفية، أم دينية عادية تتنفس هواء الجهاد والاستشهاد كما عبرت عنه الحالة الفلسطينية، سيما خلال السنوات الثلاث الماضية.

الأكيد هو أن شعبية حزب البعث في جميع الأوساط بالعراق تكاد تقترب من حدود الصفر، مما يجعل من المستحيل أن تكون المقاومة بعثية وإن كان لبعضها صلة بعناصر كانوا يعملون مع النظام السابق.

وتبعا لذلك من اليسير القول إن بعثية المقاومة تعني انفضاض الناس من حولها، بل والعمل ضدها، لأن الأكراد والشيعة لهم حساسيتهم المفرطة مع البعث، أما السنة فلهم ذات الموقف، وإن على نحو أقل حدة.

بالمقابل، فإن المحظور الذي يتحدث عنه أولئك بخصوص المقاومة السنية "الإسلامية" لا وجود له لعدة اعتبارات. فهي أولا تحظى بتأييد السنة، وهي ثانيا تثير حساسيات الشيعة وقواهم الإسلامية، ليس لجهة مناهضتها، بل لجهة مجاراتها مع الوقت خشية الاتهام بالعمالة للاحتلال، سيما وأن قوى إسلامية شيعية لها احترامها مثل حزب الله ستدفع في هذا الاتجاه بعد توفر الغطاء الإيراني.

الذي لا شك فيه هو أن حرجا واسعا لا زال يصيب الشيعة في كل مكان من أسلوب تعامل رموزهم مع الاحتلال في العراق، سيما وهو يأتي بعد مجد كبير حققوه من خلال حزب الله في جنوب لبنان.

والحال أن ذلك يحدث لسبب أساسي هو أن المقاومة السنية هي إسلامية الطابع، في ذات الوقت الذي تبدو فيه القوى الشيعية إسلامية أيضا، كما يبدو الشارع الشيعي فيه منحازا لمراجعه الدينية أكثر بكثير من رموزه السياسية.

إن الهوية الإسلامية للمقاومة السنية لن تترك ظلالا سيئة على الحالة الشيعية، بل ستكون لها آثارها الإيجابية، فهي إما أن تدفعهم نحو مجاراتها عسكريا، أو إلى تصعيد المقاومة السياسية خشية الاتهام بالتواطؤ مع الاحتلال، بما ينطوي عليه ذلك من خسارة للفضاء العربي والإسلامي في زمن ثورة الإعلام والفضائيات.

يبقى أن الأكراد، ورغم علاقتهم الخاصة مع الأميركان، فإن من المستبعد أن يقفوا موقفاً عدائيا من البعد الإسلامي للمقاومة مادام الأمر لا يطالهم في شيء، خلافا للمنطق البعثي الذي يريد فرض العروبة عليهم ومن دون البعد الإسلامي.


إسلامية المقاومة هي القادرة على توفير الفضاء الشعبي الواسع لها، خلافا لكونها بعثية، أما البعد الرسمي فلا يهمه سوى فاعليتها، وهو يدرك أن إسلاميتها هي الضمانة لفاعليتها
والحال أن اندماج جميع العرب السنة أو معظمهم في المقاومة كما هو متوقع سيجعل موقف الإسلاميين الأكراد وهم القوة الثالثة في الشمال صعبا، إذ أن من واجبهم في ضوء ذلك دعم إخوانهم، فضلا عن وجود مجموعات من بينهم تنسجم أصلا مع خيار المقاومة للأميركان مثل الجماعة الإسلامية وأنصار الإسلام.

إن إسلامية المقاومة هي واحدة من أهم ضمانات استمرارها في الداخل، ليس بسبب الفضاء العربي السني فقط، وإنما بسبب الفضاءات المذهبية والعرقية الأخرى، والأهم بسبب الواقعية والعقلانية التي يتسم بها من يقاومون، وكذلك من يتعاونون معهم ويقدمون لهم الدعم.

هناك أيضا، البعد العربي والإسلامي في الصراع، ذلك أن إسلامية المقاومة هي القادرة على توفير الفضاء الشعبي الواسع لها، خلافا لكونها بعثية، أما البعد الرسمي فلا يهمه سوى فاعليتها، وهو يدرك أن إسلاميتها هي الضمانة لفاعليتها.

على هذا الصعيد يمكن القول إن الشارع العربي والإسلامي يبدو في شوق عارم لانتصار على الولايات المتحدة، ولا شك أنه يجد فيما يجري في العراق فرصة سانحة لتحقيق ذلك الانتصار، ويتوقع تبعا لذلك أن تبدي الجماهير قابلية عالية للتواصل مع تلك المقاومة ومدها بكل أشكال الدعم المالي والتسليحي والبشري.

صحيح أن ذلك سيكون صعبا بوجود السدود المعروفة، أكان بسبب عدم القناعة، أم بسبب الخوف من سوط الولايات المتحدة، غير أن ذلك لن يحول بين المعنيين وابتكار طرائق للدعم. ولا شك أن الأنظمة التي تدرك أن ورطة واشنطن في العراق هي الضمانة لسلامتها ستكون سعيدة بما يجري إن لم تجد لها وسيلة ما للمساهمة.

لهذه المعطيات جميعا، فنحن لا نؤكد أن المقاومة العراقية هي إسلامية الطابع في معظمها فقط، بل نؤكد أيضا أن ذلك هو أحد أهم ضمانات قوتها وفاعليتها ونجاحها في دحر الأميركان أيضا. سيما وهي في العموم لا تقدم خطابا على نمط القاعدة، بل عاقلا ومتزنا على نمط حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله كما تأكد من خلال جملة من بياناتها.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة