حرب سوريا في العراق   
الخميس 14/4/1435 هـ - الموافق 13/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
كريستوفر ر. هِل



إن كل من يشك في الارتباط الوثيق بين الحربين في العراق وسوريا ما عليه إلا أن ينظر إلى الدور الذي يلعبه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التابع لتنظيم القاعدة، والذي يتدفق مقاتلوه عبر الحدود السورية إلى محافظة الأنبار في العراق.

وإذا لم يتم التعامل مع هذا الأمر بكل عناية فإن التطورات في العراق وسوريا قد تفضي إلى تحويل خريطة الشرق الأوسط، والحضّ على المزيد من الصراعات في السنوات المقبلة.

إن ما يحدث في الأنبار ليس أقل من كفاح من أجل وجود العراق في حدوده الحالية، وبقدر ما يشعر المسلمون السُّنّة في العراق بالخشية والقلق على مستقبلهم، فإن الأغلبية الشيعية التي تشرف الآن على الاقتراح غير المختبر لإقامة دولة عربية بقيادة حكومة شيعية، لديهم أيضا من الأسباب ما يدعوهم إلى الخشية والقلق.

الواقع أنه حتى المصابين بجنون الشك والعظمة لديهم أعداء، ففي حين كان من الواجب على رئيس الوزراء نوري المالكي أن يكرس المزيد من الجهد للتفاوض وبحث الحلول الوسط مع الطائفة السُّنّية بدلا من تضييق الخناق على قادتها وأنشطتها، فإنه رغم هذا يواجه مهمة شاقة تتمثل في توطيد الدولة العراقية التي يقودها الشيعة في غياب أي حليف طبيعي لها في بقية العالم العربي.

في حين كان الواجب على المالكي تكريس المزيد من الجهد لإيجاد حلول وسط مع السُنة بدلا من تضييق الخناق عليهم، فإنه رغم هذا يواجه مهمة شاقة تتمثل في توطيد الدولة العراقية في غياب أي حليف طبيعي لها عربيا

والواقع أن الطائفة السُّنّية التي تناضل الآن ضد تنظيم القاعدة من جانب والدولة الشيعية من الجانب الآخر، لم تبد أي اهتمام بمساعدة المالكي في توطيد النظام السياسي الجديد في العراق.

تتلخص إستراتيجية تنظيم القاعدة في العراق في التعامل بقسوة مع أولئك الذين يعتبرونه تنظيما سُنّيا متعاونا مع الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة في بغداد، ثم التعامل مع الحكومة ذاتها، وهي إستراتيجية وحشية ولكن يبدو أنها فعّالة.

وقد بدأت بالفعل نقاط التفتيش الشرطية والعسكرية تبدو وكأنها معابر حدودية، حيث تعمل في الأساس على قطع الأنبار التي يهيمن عليها السنّة عن بقية العراق.

وفي حين يجري تعزيز تلك الحواجز الداخلية، فإن عبور الحدود الفعلية مع الأجزاء التي يهيمن عليها السنّة في سوريا يصبح أكثر سهولة يوما بعد يوم.

لا شك أن الناخبين العراقيين بوسعهم أن يجدوا قائدا أفضل من المالكي لتوجيه البلاد عبر هذه الأوقات العصيبة، ولعلهم يفعلون مع اقتراب الانتخابات العامة في الثلاثين من أبريل/نيسان.

ولكنه ليس من الواضح على الإطلاق أن السُنّة العراقيين على استعداد لتقبل أي قيادة شيعية، فربما يمقتون المالكي، ولكن طائفتهم لم تعرب قط عن استعدادها لدعم قائد شيعي آخر يمثل القوة السياسية الشيعية بقدر من المصداقية.

وبالنسبة لغير المطلعين، فإن الجهود التي بُذِلَت عام 2010 لتوحيد السُنّة تحت راية تحالف الحركة الوطنية العراقية (عراقية) مع "الشيعة العلمانية" في القيادة، بدت وكأنها خطوة واعدة نحو سياسات ما بعد الطائفية، ولكن لم ينخدع بهذا من العراقيين سوى قِلة قليلة.

فلم يفكر قادة تحالف "عراقية" الشيعة قط في إدارة حملات انتخابية في جنوب العراق، حيث يعيش أغلب الشيعة، وباستثناء قِلة من المثقفين المنتمين إلى الشيعة العلمانية في بغداد، فإن تحالف عراقية لم ينجح قط في اكتساب دعم شيعي كبير.

بل على العكس من ذلك، استقبل العديد من الشيعة تحالف عراقية باعتباره جهدا مكشوفا لدحر مكاسب الشيعة واستعادة الحكم السُنّي. والسُنّة في نهاية المطاف ليسوا أكثر علمانية من الشيعة، ولكنهم ببساطة لديهم مصلحة في تقليص أهمية الهوية الطائفية التي تحكم عليهم بوضع الأقلية.

كثيرا ما يوصف الصراع الدموي في سوريا باعتباره حربا إيرانية، ومحاولة للإبقاء على الأغلبية السُنّية في سوريا تحت السيطرة وبناء القوة والمهابة في مختلف أنحاء بلاد الشام.

وعلى نحو مماثل، يندد العراقيون السُنّة بالنفوذ الإيراني على الحكومة العراقية، والذي أصبح الآن أعظم من أي وقت مضى في القرون الأخيرة.

ولكن الشيعة في العراق هم عراقيون وعرب أولا ثم شيعة ثانيا، وليس من المستغرب أنهم يريدون إقامة علاقة أفضل مع إيران مقارنة بعلاقة صدّام حسين بها.

والواقع أن الأمر برمته كان متوقعا، فقد تبدي الولايات المتحدة وغيرها الغضب إزاء العلاقات الوثيقة بين العراق وإيران، ولكن وقت التفكير في مثل هذا الأمر كان قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.

ونظرا لقوة الشيعة العراقيين وتركزهم الإقليمي، فيتعين على السُنّة والمجتمعات الكردية وأي حكومة عراقية ناجحة أن تعمل على إيجاد السبل لحكم البلاد من خلال التوافق بين كل الطوائف، وهذه مهمة المالكي، وسوف تكون مهمة رئيس الوزراء المقبل أيضا.

ولكنه في ظل المناخ الحالي، من الصعوبة بمكان أن نتصور أن تعيين وزير سُنّي إضافي من شأنه أن يوقف تلك الموجة من التفجيرات الانتحارية التي ينفذها تنظيم القاعدة، وهي الجماعة التي لا يُعرَف عنها التفاوض على صفقات لتقاسم السلطة.

في غياب مصر حاولت تركيا الاضطلاع بدور نشط ولكن جهودها لم تكن تستقبل دوما استقبالا حسنا بين العرب، ولا تبدو السعودية راغبة في التوسط بين الشيعة والسُنّة أو حتى بين الحركات السُنّية المتنافسة

ومن غير المرجح أن تنجح سوريا أو العراق في حل مشاكلها بمفردها، فقد خلف رحيل القوات العسكرية الأميركية من العراق -خاصة تلك القوات التي ساعدت في تهدئة الأوضاع في الأنبار- مواجهة تحديات ثقيلة دائما. ولكن الولايات المتحدة لابد أن تشارك سياسيا بقوة في دعم الحكومة المركزية، وأن تحصر انتقاداتها للمالكي في القنوات الخاصة، وإنها لعلامة إيجابية أن يستمر نائب الرئيس جو بايدن في التواصل مع المالكي.

يحتاج العراق وسوريا -رغم هذا- إلى مساعدات خارجية أكثر من تلك التي يتلقاها البلدان، وكان الدبلوماسيون المصريون يلعبون الدور الأكثر أهمية في المنطقة في كثير من الأحيان، ولكن مصر الآن مشغولة بهمومها في الداخل وسوف تظل كذلك لسنوات قادمة.

وقد حاولت تركيا الاضطلاع بدور نشط ولكن جهودها لم تكن تستقبل دوما استقبالا حسنا بين العرب. ومن ناحية أخرى، لا يبدو أن المملكة العربية السعودية راغبة في التوسط بين الشيعة والسُنّة أو حتى بين الحركات السُنّية المتنافسة.

الواقع أن عملية جنيف بشأن سوريا هي النهج الصحيح، وينبغي للولايات المتحدة بشكل خاص أن تضع نصب عينيها أن النجاح في التوصل إلى ترتيب لتقاسم السلطة في سوريا قد يكون الوسيلة الأفضل لخلق الحيز اللازم للسماح للحكومة المركزية في العراق بتقديم الإشارات المناسبة للسُنّة بعد طول انتظار.

ومن المرجح أن يؤدي التقدم نحو نظام سياسي مستقل في أي من الدولتين إلى تقدم مماثل في الأخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة