مصر ومشاهد النهاية السبعة   
السبت 1426/5/26 هـ - الموافق 2/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:14 (مكة المكرمة)، 10:14 (غرينتش)


راشد الغنوشي

 

كما أن للساعة أماراتها الصغرى والكبرى وكذا لكل كائن حي فإن أنظمة الحكم تمر بمراحل الولادة وبلوغ الأشد أي القوة ثم يعتريها الضعف والهرم وتأخذ طريقها الى الفناء سائر كل الكائنات الحية. الثابت اليوم أن النظام العربي قد استهلك مراحل الشباب والكهولة ويعيش أطوارا مختلفة من الهرم والشيخوخة، تبلغ حد الاحتضار. ونزعم أن النظام المصري في طليعتها، وهي شيخوخة قد طالت بالقياس إلى نظائر لها مع أنها أقل منه سوء إلا أنها قد أتت عليها دورة الفناء، وذلك لأسباب خارجية مساعدة، في حين أنه كان للعامل الخارجي أثر معيق للتحول في هذه المنطقة.

"
الثابت اليوم أن النظام العربي قد استهلك مراحل الشباب والكهولة ويعيش أطوارا مختلفة من الهرم والشيخوخة تبلغ حد الاحتضار
"

وليس الأمر عائدا إلى تخلف شعوبها وضعف مطالب وقوى التغيير فيها رغم خطيئة تفرقها، فقد دفعت أثمانا باهظة للتغيير الديمقراطي ولا تزال، لم تدفع عشر معشارها أنظمة في مناطق أخرى مثل أوروبا الشرقية حيث سقطت أنظمة من خلال مسيرات سلمية احتفالية لم ترق فيها قطرة دم ولا صاحبتها حملات اعتقالات وحمامات تعذيب وتنكيل.

والسبب يعود إلى المجهر الدولي الذي وضعوا تحته وشبح التهديد بمحكمة لاهاي أسوة بزملائهم الصرب، بينما شعوبنا ظلت تطحن طحنا من قبل أنظمة عاتية تتلقى من النظام الدولي دعما غير محدود.

هناك مؤشرات على وجود سياسات جديدة لدى المتغلبين أن دعم هذه الأنظمة لم يعد يمثل مصلحة لهم بقدر ما هي عبء ومزرعة لتفريخ الإرهاب وأن التخويف بالأصوليين لم يعد ينطلي، من ذلك تصريحات لوزيرة الخارجية الأميركية من أن بلادها أخطأت إذ ضحت بالديمقراطية لصالح الاستقرار فلا هذه تحققت ولا تلك، مما يعد تشجيعا لقوى التغيير.

وبالخصوص بعد وصول الحملات الصليبية التي أعقبت تفجيرات نيويورك إلى مأزق حاد في العراق وأفغانستان ما فرض إعادة النظر في منطلقاتها، وهو ما أوقع الانظمة في حالة هلع. ومنها نظام القاهرة حجر الزاوية في النظام العربي والذي استهلك ما تبقى من شرعية الثورة ووسع من دائرة المهمشين وفتت الطبقة الوسطى، وأفرغ الاحزاب بدء بالحزب "الحاكم" والمعارضة الرسمية، ومؤسسات الدولة من السياسة ومن كل إسهام في القرار، وحتى القضاء تمت الاستعاضة عنه بالقضاء الاستثنائي وأطلقت يد البوليس في الأموال والأعراض والأبدان.

ضمن هذه الأوضاع المحلية بالغة التأزم والرياح الدولية المشجعة التقطت النخبة المصرية اللحظة التارخية وأخذت تصنع في إبداع عجيب مشاهد النهاية لنظام مبارك ومن ورائه النظام العربي.

"
نجاح حركة الشعب المصري بقيادة حركة كفاية والإخوان في انتزاع حق التظاهر في الساحات العامة هو أعظم إنجاز وتطور حصل في المنطقة منذ نصف قرن مما يجعله أبرز مشهد من مشاهد النهاية
"
المشهد الاول: حركة الشارع المتواصلة أو مسيرات الاحتجاج: وهي تمثل مشهدا جديدا في مجمل النظام العربي عدا الاستثناء اللبناني.

المسيرات السلمية تعبير معترف به في النظام الديمقراطي ولا يمثل تهديدا له باعتباره نظاما منتخبا بينما في الأنظمة الدكتاتورية هذا التعبير محظور وترى فيه السلطة تحديا لها وخطرا مهددا لوجودها تخشاه أن يطلق مارد الجماهير وغضبها الدفين، بما يعرّض المخاطرين به لأقصى العقاب ولاستباحتهم وحتى لتصويب الرصاص الى صدورهم.

إن نجاح حركة الشعب المصري بقيادة حركة كفاية والإخوان في انتزاع حق التظاهر في الساحات العامة هو أعظم إنجاز وتطور حصل في المنطقة منذ نصف قرن بما يجعله أبرز مشهد من مشاهد النهاية. هناك قانون واضح في أدبيات التغيير الشعبي من ملك الشارع واستمر لمرحلة كافية ملك السلطة.

الجديد في هذه المسيرات المصرية كثير:
أ- إنها لا تتعلق بمطلب جزئي بل بإصلاح كامل للدولة، وشعار كفاية بالغ الدلالة على ذلك فلأول مرة في العالم العربي تتجرأ نخبة متعددة المشارب على الخروج إلى الشارع لتقول بملء الفم لحكامها كفاية. نحن لا نريدكم.

ب- تواصل هذه المسيرات وامتدادها وتصريح القائمين عليها من أنها نهج متواصل لن يقف إلا بتحقيق مطالب الشعب في إصلاح الحكم ووضع حد لحكم البوليس حكم الطوارئ، وإلغاء كل القوانين المقيدة للحريات, ورفض التجديد والتوريث.

ج- طابعها الوطني المتعالي على الأحزاب إن في الرموز التي تتقدم التحركات أو في الشعارات المرفوعة حتى شعارات الإخوان المعروفة: الإسلام هو الحل وتطبيق الشريعة ورفع المصاحف قد اختفت من مسيراتهم لصالح نفس الشعارات التي يرفعها الجميع، وهو المشهد الذي ميز كل مشاهد نهايات الأنظمة الاستبدادية من أوروبا الشرقية إلى جورجيا وأوكرانيا ..الخ.

د- إن مستوى القمع بالقياس إلى ما كان معهودا من هذا النظام ورهطه في مواجهة المسيرات الشعبية يعتبر غير معتاد رغم سقوط بعض الشهداء واعتقال المئات من الإخوان وما حصل من بلطجة، ويثير سؤالا لماذا يتم تحدي سلطة بوليسية بالاستهداف المباشر لرموزها ومطالبتها بالرحيل ثم تملك المحافظة على جزء من أعصابها فلا تطلق العنان لهوسها في الانتقام؟ ذلك جزء من المشهد الدولي الجديد (إلى حد ما).

"
نزول حركة الإخوان المسلمين إلى الشارع حاملة نفس الشعارات الإصلاحية التغييرية، أعطى لمشروع كفاية النخبوي عمقا جماهيريا حقيقيا لما يعلمه الجميع من امتداد هؤلاء وتجذرهم في المجتمع المصري
"
المشهد الثاني: نزول حركة "الإخوان المسلمين" إلى الشارع حاملة نفس الشعارات الإصلاحية التغييرية، أعطى مشروع "كفاية" النخبوي عمقا جماهريا حقيقيا لما يعلمه الجميع من امتداد هؤلاء وتجذرهم في المجتمع المصري وبالخصوص في قطاعات الشباب والطبقة الوسطى مثل المحامين والأطباء والمهندسين والجامعيين والصحفيين ورجال الأعمال الصغار.

يعتبر دخول الإخوان بالتصميم الذي أكده مرشدهم مرات أنه لا تراجع عن مطالب التغيير مهما بلغت التضحيات وأنه ليس للإخوان مطالب خاصة بهم غير المطالب الوطنية، والتهديد بمسيرة مليونية يعتبر أكبر مفاجأة في الساحة الوطنية المصرية والعربية وذلك بسبب ما عرفت به هذه الحركة من التزام شديد بالتريث والصبر في منهجها السياسي، وكذا سعيها المتواصل لتجنب الاشتباك مع السلطة وقبولها بأسلوب التدرج وإيثار أساليب التربية والتثقيف وتقديم الخدمات الاجتماعية.

 فإن تضع حركة من هذا القبيل -عركتها المحن خلال ثلاثة أرباع قرن من عمرها- كل ثقلها في ساحة التغيير عبر حركة الشارع -دون أن ينال من تصميمها اعتقال 2500 من كوادرها وقيادييها- فذلك مشهد آخر من مشاهد النهاية، إذ ما يبدو سبيل للتغيير الديمقراطي دون مشاركة فعالة للإسلاميين مع بقية القوى الوطنية الأخرى.

المشهد الثالث: إن من مؤشرات أن هذه الحركة الشعبية الواسعة جاءت في وقتها المناسب أنها استمرت وزادت ولم تنقص حتى أنها أعطت للمشاركين فيها معنى للكرامة والعزة وملأتهم نخوة وطنية ودينية ولا تزال تجتذب إليها كل يوم المزيد.

فتتابع انضمام قطاعات حيوية في المجتمع المدني إلى قوى التغيير. "أطباء من أجل التغيير"، "شباب من أجل التغيير"، "جامعيون من أجل التغيير"، "نساء من أجل التغيير" ... إلخ مما له دلالة قاطعة على عمق ما حدس به مؤرخ كبير وقاض في قمة هرم القضاء المصري وفقيه ضليع هو الاستاذ طارق البشري إذ دعا شعبه منذ زهاء سنة إلى العصيان المدني.

ودعوة بهذه الخطورة تصدر عن رجل سبعيني بمواصفاته المذكورة واضح أنه قد وزنها بميزان الذهب وأنها تنزلت في الظروف المحلية والدولية المناسبة بعد أن نفض الشعب يده من سلطته وتهلهل ما بقي من العقد وأدركت حتى القوى الدولية التي كانت لوقت قليل سنده، أن لا فائدة ترجى منه بقدر ما هو عبء عليها، شأنها دائما مع أمثاله.

المشهد الرابع: تمرد القضاة، وهم يمثلون أشرف مؤسسة عربية قضائية ظلت على امتداد العهود صامدة في وجه التوظيف السلطوي مهما بلغ عتوا، ما اضطر السياسيين في مواجهة إصرارهم على احترام المنصب الرفيع الذي يتبوؤونه إلى اللجوء إلى القضاء الاستثنائي، وذلك خلافا لبقية بلاد العرب إلا من رحم ربك.

لقد وقف ممثلو جمعية القضاة في شموخ يليق بمقامهم يعلنون أنهم لن يشرفوا على الانتخابات التي ستنظمها السلطة ما لم تضمن استقلالهم وما لم يشرفوا على العملية الانتخابية من أولها إلى آخرها. فهنيئا لمصر بقضاتها.

"
الأسلوب الذي تصرفت به السلطة يوم الاستفتاء الوطني كان حقا مشهدا من مشاهد النهاية، لما أفصحت عنه السلطة من حالة انفلات أعصاب
"

المشهد الخامس: سلوك السلطة يوم الاستفتاء الوطني الذي تواطأت قوى التغيير على تسميته بيوم الحزن الوطني. لقد كان حقا مشهدا من مشاهد النهاية، بما أفصحت عنه السلطة من حالة انفلات أعصاب.

ففي مواجهة حركة معارضة منظمة مؤطرة ترفع شعارات واضحة وبينما آلة الإعلام الرهيبة تضع مصر تحت المجهر تملّك أقدم حزب مفلس بطريقة جنونية على تجنيد فئات تم استجلابها من العالم السفلي بإغراءات مالية وأطلقت في النخبة المتظاهرة وفي كل من ساقه قدره إلى تلك الساحة وذلك بإشراف ضباط الأمن وقادة الحزب.

 لم يميزوا بين ذكر وأنثى بل صبوا نقمتهم على العنصر الأيسر منالا والأكثر إغراء العنصر النسائي: صحفيات ومحاميات واستاذات ضربا وهتكا وتمزيقا للثياب على الملأ وتحت أضواء عدسات التلفزية، بما أشعل نيران الغضب والسخط لدى الجميع وعزز من تماسك قوى المعارضة ونفضها اليد من كل أمل في إصلاح سلطة من هذا القبيل.

المشهد السادس: نقلة نوعية في الخطاب السياسي المعارض لا يتجه بالنقد إلى هذا الوزير أو ذاك -كما كان المعتاد- وإنما يواجه الحقيقة السافرة أننا إزاء نظام فردي إلى درجة الحلولية، ذي سلطات مطلقة تستدعي صورة الفرعون في الخيال المصري. ولذلك تنامى في الخطاب الإعلامي المعارض استخدام مثل هذا المصطلح ونقد عائلة الرئيس وتصرف في المال العام واستخدام أساليب السخرية والتنكيت.

"
نقطة الضعف في هذه المشاهد المهيبة حتى تكون نهاية للاستبداد وليست إعادة إنتاج له، أن المشروع البديل ما يزال ينقصه الضبط
"

المشهد السابع: انعقاد مؤتمر وطني ديمقراطي ضم شخصيات من وزن ثقيل رؤساء وزارات ووزراء وسفراء سابقين وعلماء وكتابا وصحفيين، من أجل الاتفاق على صورة النظام البديل وربما التهيؤ لملء الفراغ.

وقد يندرج في هذا المشهد انضمام شخصية من وزن حسنين هيكل من خلال الخطاب الذي أسفر عنه في قناة الجزيرة. كما يمثل إعلان الإخوان عن التحضير لائتلاف واسع ضمن استكمال مشاهد النهاية.

الخلاصة: المرجح أن يمضي هذا المسار إلى مآلاته إما باتفاق المعارضة على ترتيبات المرحلة الانتقالية، أو أن تغلب على النظام شهوة الحكم، فيغامر باستخدام العصا الغليظة، للإجهاز على هذه الحركة الشعبية الواسعة، وما الظن به أن يقدم على ذلك لأنه سيعجل بنهايته واستلام الجيش للسلطة.

غير أن نقطة الضعف في هذه المشاهد المهيبة حتى تكون نهاية للاستبداد وليست إعادة إنتاجه أن المشروع البديل ما يزال ينقصه الضبط. وفي كل الأحوال فإن الحدث المصري يمثل بداية عصر عربي جديد ونقلة في تعامل الشعوب مع حكامها فهل ستقرأ هذه الرسالة على الوجه الصحيح؟
___________________
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة