المراهنة العراقية على أوروبا.. إلى أين؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: عبد النور بن عنتر*

-حسابات عراقية خاطئة وأخرى صائبة
-نحو إجماع آني في مجلس الأمن
-الرابطة "الأطلسية" تتفوق على "الأوروبية"
-فلسطين ليست بوابة بغداد
-مجلس الأمن وشرعنة "الدفاع عن النفس الوقائي"

الخلاف بين أوروبا وأميركا حيال العراق جعل هذا الأخير يحاول استغلاله, مراهناً على الدور الأوروبي لتفادي ضربة أميركية ورفع الحصار عنه. لكن رغم صواب بعض حساباته فإنه أساء فهم المقاربة الأوروبية, كما أهمل عامل الزمن في تغيير بعض جوانب الموقف الأوروبي وأهمية المناورات بين القوى الكبرى التي قد تقود إلى إجماع آني ضده يكلفه غالياً.

حسابات عراقية خاطئة وأخرى صائبة

المراهنة العراقية على الدور الأوروبي مبنية على حسابات خاطئة وتقويم قصير النظر للدور الأوروبي, وإن كانت مراهنة من لا شيء يخسره أو من لا خيار له في الراهن والمستقبل القريب. هذه المراهنة تبدو وأنها مبنية على فرضية فحواها أن أوروبا بإمكانها الوقوف في وجه أميركا وإقناعها بالعدول عن الخيار العسكري. وهنا يكمن الخطأ في إدراك القيادة العراقية لأوروبا، فهذه الأخيرة ليست موحدة سياسياً ووضعها يشبه في كثير الأحيان وضع الدول العربية حيث تدعي وحدة الموقف بينما تتصرف منفردة. وعليه فمن الصعب الحديث عن الدور الأوروبي, وإن كانت دول الاتحاد تتفق حول بعض جوانب الملف العراقي. ثم إن أوروبا السياسية تبعد سنوات ضوئية عن أوروبا الاقتصادية، وأمنها يبقى رهن المظلة الأميركية.


الموقف الأوروبي في مواجهة أميركا يعاني نقاط ضعف جعلت أوروبا عرضة مساومات. فبإمكان واشنطن تحريك قضية البوسنة من جديد (انسحابها من قوات حفظ السلام) لتنتزع من أوروبا إذعاناً لإرادتها
الموقف الأوروبي في مواجهة أميركا يعاني نقاط ضعف جعلت أوروبا عرضة مساومات. فبإمكان واشنطن تحريك قضية البوسنة من جديد (انسحابها من قوات حفظ السلام) لتنتزع من أوروبا إذعاناً لإرادتها، بمعنى الأمن في الجناح الجنوبي الشرقي لأوروبا مقابل ضرب العراق. ثم إنه كيف لأوروبا العاجزة في البوسنة وفلسطين وحتى في الخلاف الإسباني المغربي حول جزيرة ليلى (الذي استدعى تدخلاً أميركياً) أن تنجح في العراق؟

لكن يمكن القول إن المراهنة العراقية محقة في بعض النقاط. أولها, أن أوروبا بحكمها كحليف إستراتيجي وتاريخي لأميركا هي الوحيدة القادرة على انتقاد واشنطن دون أن يترجم ذلك بمناوئة لأميركا. والملاحظ أن الانتقادات الأكثر تشدداً للأحادية الأميركية تأتي من أوروبا. وبالتالي فهي الوحيدة التي بمقدورها التأثير في سياسة واشنطن دون أن يعني ذلك حتماً تغييرها. ثانيها، أن أوروبا قلقة من الانفرادية الأميركية, وتحاول استغلال ملفات خلافية مثل المسألة العراقية لإسماع صوتها في وجه واشنطن والعمل على جرها إلى الأمم المتحدة وإعطاء الانطباع لرأيها العام الداخلي (الأوروبي) بأن أوروبا السياسية قيد البناء. ثالثها, أنه رغم وصفه بـ الدكتاتوري يحظى النظام العراقي في أوروبا وبالخصوص في بعض الأوساط بنوع من "القبول" المتردد بسبب علمانيته.

وقد تعزز هذا التوجه منذ أحداث 11 سبتمبر, إذ يبدي قسم من الأوروبيين انتقادات أكثر حدة للأنظمة العربية التسلطية التي تستمد شرعيتها من الدين فيما تلقى الأنظمة التسلطية العلمانية التوجه بعض "القبول". رابعها, أن السياسة الأميركية حضت معارضي النظام العراقي على اللجوء إلى العنف والإرهاب كما حدث في عملية حجز الرهائن في السفارة العراقية ببرلين مؤخراً، مما خلق جواً أمنياً حذراً في أوروبا التي تتخوف من عودة هاجس الرهائن ولو كان الضحايا هذه المرة أجانب.

العراق وكوريا الشمالية

تنفرد كوريا الشمالية بين الدول المستهدفة "محور الشر" من قبل أميركا بتمتعها بالدرع الحامي الصيني الذي "يردع" أي تحرك عسكري أميركي ضدها. ولولا العلاقة الخاصة بين كوريا الشمالية والصين لتعرضت كوريا لنفس الضغوطات التي تمارس على العراق، حتى وإن كان وضع هذا الأخير شديد الحساسية بسبب نفط الخليج وقربه من إسرائيل. فالصين تختلف مع أميركا تقريباً على كل شيء فيما يخص كوريا الشمالية. بينما تتفق أوروبا مع أميركا تقريباً على كل شيء فيما يتعلق بالعراق. فهي لا تختلف معها إلا حول طبيعة الوسائل وتوقيت الضربة وليس الهدف, وإن كانت ترفض تغيير نظامه بالقوة. فأوروبا ليست الدرع الواقي للعراق.


يعلم الأوروبيون أن القيادات العربية -أو على الأقل معظمها- سترتاح لإزاحة صدام من السلطة, وإن كانت لا تقر بذلك علناً لكنها طبعاً تتخوف من أن تكون الثانية على القائمة مستقبلاً
اللوبي العراقي في فرنسا

تتميز فرنسا بوجود جمعيات صداقة فرنسية عراقية, والعديد من الشخصيات السياسية الحزبية والمستقلة التي تعمل لتحسين وتطوير العلاقات بين البلدين. من بين هذه الجمعيات "الجمعية الفرنسية العراقية للتعاون الاقتصادي" التي أنشئت بمبادرة من المجموعة الفرنسية العراقية في البرلمان.

أما في مجلس الشيوخ فهناك "مجموعة الصداقة الفرنسية العراقية" والتي قادت وفداً من هذا المجلس لزيارة العراق في يونيو 2001, وأصدرت تقريراً دقيقاً عن الوضع فيه. هناك أيضاً جمعية "الصداقات الفرنسية العراقية". ومن الوجوه المعروفة بنشاطها المساند للعراق وزيرة البيئة الحالية روزلين باشلو (من حزب شيراك)، حيث كانت رئيسة مجموعة بحثية في البرلمان الفرنسي السابق. لكن الشخصيات السياسية الأكثر شهرة بدعمها العراق هي شوفنمان ولوبان. وقد ساهمت مختلف هذه الجمعيات والشخصيات السياسية في تطوير العلاقات بين فرنسا والعراق, إذ أصبحت باريس الشريك التجاري الأوروبي الأول لبغداد منذ بداية تنفيذ اتفاقات النفط مقابل الغذاء في 1996.

ويندد "أنصار" العراق بالتوجه الأحادي الأميركي ويعارضون ضربه. فمثلاً اتهم جون بيار شوفنمان أميركا بأنها تهدف من خلال هذه الضربة لتحقيق أطماع نفطية وجيوسياسية, فيما نادى بضرورة عودة المفتشين. أما جون ماري لوبان الذي تربطه بعراق صدام علاقات فقد ساهم في إرسال أدوية إلى العراق, كما ينشط في البرلمان الأوروبي عبر جمعية "أنقذوا أطفال العراق" التي تترأسها زوجته. وكانت هذه الجمعية أهدت العراق فيما أهدت له سيارة إسعاف في نهاية التسعينيات. ويعارض لوبان التدخل ويرى أن العراق القابع تحت الحظر لا يشكل خطراً وليس بمقدوره تقانياً صناعة أسلحة الدمار الشامل.

تغير فرنسي مفاجئ
حدث تراجع في المواقف الفرنسية حيال العراق دشنه رسمياً جاك شيراك في حواره لـ "نيويورك تايمز", إذ لم يستبعد عملاً عسكرياً ضد العراق ولو أنه ربطه بتفويض من مجلس الأمن, ولم يستبعد مشاركة بلاده فيه. كما تحدث عن مهلة زمنية لمدة "أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع" تمنح للعراق للامتثال لقرارات مجلس الأمن وعودة المفتشين دون شروط. وهذا يعني أنه في حال رفضه يلجأ للقوة العسكرية. وهي المرة الأولى التي تشير فيها فرنسا إلى عملية عسكرية ضد العراق. والمثير للانتباه في هذا السياق هو غياب الإشارة لمعاناة الشعب العراقي في الخطاب الرسمي الفرنسي هذه الأيام, أو الإشارة إلى ضرورة إعطاء العراق بعض الإشارات بقرب الفرج إن هو نفذ قرارات مجلس الأمن، كما تراجع التأكيد على تحرك أميركي جدي على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني كشرط مسبق لعمل عسكري ضد العراق.

هذا التغير المفاجئ أثار انتقادات في الأوساط السياسية التي تعارض في مجملها التحرك خارج الأمم المتحدة. لكن إذا كانت الأغلبية البرلمانية تدعم موقف شيراك، فإن المعارضة اليسارية واليسار المتطرف يعارضان ضرب العراق, واليمين المتطرف هو الآخر ضد هذه العملية. ويرى فرانسوا بايرو زعيم الاتحاد الديمقراطي الفرنسي (عضو في الأغلبية البرلمانية الحالية) أن "طبيعة نظام ليست سبباً كافياً للحرب", رافضاً فكرة الحرب الوقائية. الحزب الاشتراكي هو الآخر ضد الحرب الوقائية، وجناحه المتشدد مثله مثل اليسار المتطرف يرفض ضرب العراق ولو بتفويض من مجلس الأمن. وقد انضمت بعض الجمعيات الفرنسية النشطة في مجال مكافحة مساوئ العولمة إلى الحملة المناوئة للتدخل ضد العراق, مثل جمعية "أتاك" التي اتهمت واشنطن باستغلال حوادث 11 سبتمبر لخدمة مآربها ونادت بدعم مقاومة شرودر وشيراك لـ "الضغوطات الأنغلوساكسونية". وتشير عمليات سبر الآراء إلى أن أغلبية الفرنسيين تعارض ضرب العراق والمشاركة العسكرية الفرنسية في هذه العملية.

توافق فرنسي أنجلوأميركي
تبتعد فرنسا عن الموقف الألماني وتقترب من الموقف البريطاني. وهذا تطور لافت وقطيعة مع التصريحات المشتركة لـ شيراك وشرودر في قمتهما في أغسطس الفارط. وقد أكد الناطق باسم وزارة الدفاع الفرنسية جون فرانسوا بيرو يوم 12 سبتمبر وجود "توافق في تقويم التهديد العراقي" بين فرنسا وأميركا وبريطانيا فيما يخص "قدرات الدمار الشامل" العراقية لا سيما "الكيميائية والجرثومية", وإرادة العراق حيازة أسلحة الدمار الشامل.

وفي اليوم الموالي أعلن وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان أن فرنسا متشبثة بخطة من مرحلتين في إطار مجلس الأمن، موضحاً أنها تنص على إصدار قرار يوجه إنذاراً للعراق ويمنحه مهلة زمنية قصيرة لعودة غير مشروطة لمفتشي الأسلحة وتطبيق قرارات مجلس الأمن السابقة في حال رفضه الامتثال لهذا القرار, وبعد نفاد المهلة يصدر مجلس الأمن قراراً ثانياً يحدد فيه إجراءات ووسائل الرد بما فيها العسكرية. ويشير إلى أن فرنسا تريد تحقيق إجماعي دولي لعزل العراق.

نحو إجماع آني في مجلس الأمن

يبدو أن التاريخ يكرر نفسه، فكما حدث إجماع آني استثنائي حول خوض حرب الخليج، تشير المعطيات الحالية إلى أن المشهد قد يتكرر. فهناك بوادر جدية لإجماع آني في مجلس الأمن يسمح بصدور قرار يرخص استخدام القوة العسكرية بعد نفاد المهلة التي ستعطى للعراق, وإذا كان الصوت البريطاني مضموناً منذ البداية بالنسبة لواشنطن فإن هذه الأخيرة ضمنت مؤخراً صوت فرنسا.

وبقى صوتان على أميركا ضمانهما لتفادي أي نقض لقرار لمجلس الأمن. وهنا ستدخل واشنطن في مساومة ومقايضة مع روسيا والصين. الأولى تسعى للاستفادة من هذه الأجزاء للتدخل في جورجيا بترخيص من الأمم المتحدة بدعوى مكافحة الإرهاب الشيشاني, ويتلخص الموقف الروسي في مقايضة جورجيا مقابل العراق. ولا يبدو أن واشنطن ستعارض موسكو لأنها بحاجة إليها بخصوص العراق, كما أن لمفردة الإرهاب المستخدمة في الخطاب الروسي وقعاً في واشنطن.


رسميا, تبنت دول الاتحاد الأوروبي بداية هذا الشهر موقفاً يقول بضرورة استنفاد كل الوسائل السلمية قبل اللجوء إلى القوة. لكن المواقف الوطنية الأوروبية مختلفة بل ومتناقضة
وليست هذه المرة الأولى التي تحدث فيها سلسلة صفقات بين الدول الكبرى في مجلس الأمن حيث تتبادل الخدمات خدمة لمصالحها. أما الصين فهي مهتمة بالوضع في مقاطعاتها المسلمة الغربية وتتخوف من نفوذ التيارات الإسلامية, وبالتالي فهي حليف موضوعي لواشنطن في مناهضة مد الإسلام السياسي. ولا يستبعد أن يكون رفض انضمام تايوان للأمم المتحدة مؤخراً (وللسنة العاشرة) إشارة قوية (لو أرادت أميركا لضغطت على أعضاء الجمعية العامة لقبول انضمامها) للصين التي تعارض بشدة عضوية تايوان التي تعتبرها جزءا (متمرداً) منها. وبالتالي فمن المرجح أن تصوت روسيا لصالح القرار المنتظر فيما تمتنع الصين عن التصويت.

الأوروبيون في فخ بوش ؟
قرار بوش عودة بلاده لمنظمة اليونسكو التي انسحبت منها عام 1984 وخطابه أمام الجمعية العامة, يعطيان الانطباع بأن واشنطن تريد العمل في إطار المنظمات الدولية وتنتهج سياسة متعددة الأطراف. ولم تتوان الدول الأوروبية خاصة فرنسا في التأكيد على أن أميركا تتحرك في إطار جماعي, معبرة عن ارتياحها خاصة وأن باريس تسعى لكبح جماح الأحادية الأميركية في تسيير شؤون العالم. إلا أن ما حدث هو أن أوروبا انساقت وراء بوش بمجرد حديثه عن الهيئة الأممية. فهو طلب من الأمم المتحدة أن تتبنى مواقفه وأن تضفي عليها شرعية دولية وإلا سيتحرك بمفرده. يريد أن ترغم العراق على الاستجابة لمطالبه وإلا فإنها تفقد مصداقيتها بل وحتى سبب وجودها. وهنا وقع الأوروبيون في فخ بوش، فسعيهم لجلبه إلى الأمم المتحدة مهما كلف الأمر جعلهم يتبنون عملياً جل مواقفه المتشددة.

طبعاً المفاوضات في مجلس الأمن ستكون عسيرة لاستصدار قرار، لكن العملية ناجحة بالنسبة لأميركا مهما كان الأمر لأنها استجابت لحلفائها وستنفذ ما تريد بتزكيتهم. إن بوش وجه إنذارين الأول للعراق والثاني للأمم المتحدة. فعلى الأول أن ينفذ الرغبات الأميركية وإلا فسيتعرض للضرب، وعلى الثانية أن ترغمه على تلبية الرغبات الأميركية تحت غطاء دولي وإلا فعليها إضفاء شرعية على عمل عسكري أميركي، وإن تعذر ذلك فواشنطن ستتحرك بمفردها. لقد دخلت الأمم المتحدة في عد تنازلي قررته وحددته واشنطن حصراً.

مراهنة أوروبية
حسبنا أن الترحيب الأوروبي عموماً بخطاب بوش وبقبوله المرور عبر مجلس الأمن يعبر أيضاً عن مراهنة أوروبية على استجابة عراقية لما تطالب به "المجموعة الدولية". إذ أن التصور الأوروبي مبني على فكرة فحواها مطالبة صدام حسين بتنفيذ القرارات الأممية والسماح لعودة المفتشين دون شروط, من خلال قرار من مجلس الأمن يمنح له مهلة لتنفيذ ما هو مطالب به وإلا تعرض لضربة عسكرية. ومثل هذا الأجراء له إيجابيات حسب هذا التصور. أولها أنه يعطي الانطباع لبغداد بأن الأمر يتعلق بتعاون بينها وبين الأمم والمتحدة وليس علاقة عدائية حربية مع واشنطن مما يحفظ ماء وجه القيادة العراقية. ثانيها أن هذا الإجراء الأممي الذي يحوي إنذاراً جدياً من مجلس الأمن سيقنع المترددين في بغداد بضرورة التعاون مع الهيئة الدولية لتفادي المواجهة المسلحة مع أميركا. ثالثها أن فكرة الإنذار هي في حد ذاتها ردعية حتى يفهم العراقيون أنهم دائماً تحت التهديد الدولي وعليهم الانصياع للقرارات الأممية. رابعها أن التحرك بتفويض من مجلس الأمن يعني أنه من الصعب جداً على أميركا إدراج عبارات توحي بتغيير النظام العراقي في نص القرار الأممي المنتظر, مما سيشجع صدام على التجاوب بسرعة.

الرابطة "الأطلسية" تتفوق على "الأوروبية"


يبدو أن التاريخ يكرر نفسه، فكما حدث إجماع آني استثنائي حول خوض حرب الخليج، تشير المعطيات الحالية إلى أن المشهد قد يتكرر
رسميا, تبنت دول الاتحاد الأوروبي بداية هذا الشهر موقفاً يقول بضرورة استنفاد كل الوسائل السلمية قبل اللجوء إلى القوة. لكن المواقف الوطنية الأوروبية مختلفة بل ومتناقضة. حيث أبدى رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي انشغاله بسبب الانقسامات داخل الاتحاد بشأن العراق, مشيراً إلى الفارق بين المواقف البريطانية والفرنسية والألمانية. ويعبر برودي عن موقف مخالف لبعض مواقف الدول الأعضاء لما اعتبر أن خيار الحرب يجب أن يحظى بإجماع المجموعة الدولية منتقداً التوجه الأحادي الأميركي. وفي بيان مشترك صدر يوم 11 سبتمبر أعلنت أحزاب الخضر في سبع دول أوروبية (بلجيكا والنمسا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا ولوكسمبورغ) معارضتها التدخل العسكري ضد العراق. لكن المواقف الرسمية الوطنية هي التي تحدد السلوك الأوروبي المتعدد إزاء العراق.

بريطانيا مصرة على القيام بعملية عسكرية مهما كان الأمر متبنية المواقف الأميركيةً. أما ألمانيا فتعارض كل عمل عسكري ولم تغير موقفها كما هو شأن فرنسا. لكن الوضع قد يتغير لأن ألمانيا مقبلة على انتخابات تشريعية فدرالية يوم 22 سبتمبر 2002, وإن فاز فيها إدموند شتويبر (مرشح الديمقراطية المسيحية) على حساب شرودر فإن برلين ستدعم ضرب العراق بل وقد تشارك عسكرياً في هذه الحملة. أما فرنسا فكانت تقريباً خلال شهر أغسطس على نفس الموقف الألماني لكن حدث تراجع في مواقفها، إذ لم تعد تعارض ضرب العراق ولا تستبعد مشاركتها في العملية العسكرية المرتقبة تحت غطاء الأمم المتحدة.

أما الدول الأوروبية الأخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا فهي مع ضرب العراق, محبذة بأن يتم ذلك في إطار الأمم المتحدة. ويبدو من مواقف هذه الدول الثلاث أن الأمر يتعلق بتضامن مع أميركا أكثر منه باهتمام بنزع تسلح العراق. الانقسامات الأوروبية حيال الملف العراقي تظهر مدى عجز أوروبا وتزيد النقاش الأوروبي الأوروبي حول سياسة خارجية ودفاعية مشتركة وحول العلاقة مع حلف الأطلسي وواشنطن حدة, كما تظهر مجدداً غلبة الرابطة العابرة للأطلسي على الرابطة الأوروبية. فها هو شيراك يصرح لـ نيويورك تايمز بأن "لا شيء يمكنه أن يقطع الآن الرابطة العابرة للأطلسي" لأنها "رابطة طبيعية"، معتبراً أن الخلافات بين أوروبا وأميركا خلافات عائلية.

فلسطين ليست بوابة بغداد

الملاحظ أن الدول الأوروبية كانت تصر على ضرورة التحرك الأميركي بجدية على الصعيد الإسرائيلي الفلسطيني قبل التكفل بالمسألة العراقية عسكرياً، لكن هذا المطلب تراجع بصورة كبيرة إلى درجة الاختفاء من الخطاب الرسمي للحكومات الأوروبية. وفي رأينا أن الإدراك الأوروبي للوضع قد تغير. فعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية قد بلغت أدنى دركاتها, وليس هناك ما يخيف أوروبا من تدهور أسوأ من الوضع الراهن.


حدث تراجع في المواقف الفرنسية حيال العراق دشنه رسمياً جاك شيراك في حواره لـ "نيويورك تايمز", إذ لم يستبعد عملاً عسكرياً ضد العراق ولو أنه ربطه بتفويض من مجلس الأمن, ولم يستبعد مشاركة بلاده فيه
أما سقف المطالب العربية فقد انخفض إلى الحد الأدنى. وقد اعتادت أوروبا على التنديد الكلامي العربي الرسمي دون تحرك يذكر, ذلك أن الأنظمة العربية تربطها مصالح قوية بالغرب. ويعلم الأوروبيون أن القيادات العربية -أو على الأقل معظمها- سترتاح لإزاحة صدام من السلطة, وإن كانت لا تقر بذلك علناً لكنها طبعاً تتخوف من أن تكون الثانية على القائمة مستقبلاً. وهم يعلمون أيضاً أن أحداث 11 سبتمبر وضعت بعض الأنظمة العربية في وضعية حرجة جعلتها تلتزم الصمت, أو على الأقل الاعتدال في خطابها خوفاً من استهدافها بدعوى مكافحة الإرهاب.

الإصرار الأوروبي على التحرك في إطار مجلس الأمن يهدف لإرساء تقاليد سياسية عالمية مبنية على الشرعية الدولية, وضرورة استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة في فض المنازعات في العالم. كما يهدف أيضاً إلى فرملة التوجهات الانفرادية للولايات المتحدة، ذلك أن العمل في إطار الشرعية الأممية يجعل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تحظى بدعم وإجماع بقية الدول الأعضاء. وتسعى أوروبا (باستثناء بريطانيا) إلى بناء نظام متعدد الأقطاب. ويعبر وزير الخارجية الفرنسي دو فيلبان عن هذا التوجه لدى حديثه عن إرادة واشنطن ضرب بغداد قائلاً إنه يتعين وجود "أقطاب قوة ومسؤولية واستقرار إلى جانب أوروبا والولايات المتحدة, وهذه هي وجهة روسيا والصين والهند أو اليابان".

وفي حالة العراق يسمح العمل في إطار مجلس الأمن للدول الأوروبية بمراقبة العملية في حال عدم استجابة بغداد للأمم المتحدة, وبالتالي مراقبة سيرها وتوجيهها إن حاولت أمريكا التفرد بها لتحقيق أهداف لا أثر لها في القرار الذي رخص مثل هذه العملية. وبحكم ضعفها العسكري، تسعى الدول الأوروبية للتقليل من منطق توازن القوى الذي تعمل به واشنطن حتى تقول كلمتها في مرحلة ما بعد الأزمة والتوازنات الإقليمية المستقبلية. وترى بعض الأوساط الأوروبية أن أميركا تسعى لإقامة نظام موال لها في بغداد, استعداداً لتقليص وربما إنهاء حاجتها للرياض في مجال الطاقة عالميا بعد الاتهامات الأميركية للسعودية بكونها مصدر الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة. وعليه فالأوروبيون لا يريدون مساعدة أميركا في وضع يدها على ثاني أكبر احتياط نفط في المنطقة، خاصة وأنهم في تبعية طاقوية واقتصادياتهم لا تحتمل أزمة نفطية جديدة قد تنجم عن حرب ضد العراق. أما أميركا فيبدو أنها بدأت رفع احتياطها الإستراتيجي من النفط تحسباً لصراع مسلح في الخليج.

أما الهدف غير المعلن لأوروبا فيكمن في سعيها لإقناع الأميركيين بضرورة إشراكهم في صناعة واتخاذ قرار ضرب العراق, لإعطاء هذا القرار صبغة شرعية تسهل تمريره دولياً وإقليمياً (في الشرق الأوسط) وداخلياً (لدى الرأي العام الأوروبي والطبقة السياسية). ولهذا البعد الداخلي أهمية قصوى لأن الأمر يتعلق بالنقاش الجاري حول بناء أوروبا سياسياً وعجزها الحديث بصوت واحد في وجه أميركا. وعليه جلب أميركا للتحرك تحت راية الأمم المتحدة هو في حد ذاته انتصار سياسي للأوروبيين, بغض النظر عن جدية السلوك الأميركي وما ستؤول إليه الأمور.

ويبدو أن الأوروبيين يعون أن الدول العربية الرافضة لضرب العراق لن تعارض قراراً صادراً عن مجلس الأمن في هذا الخصوص وإلا ستقع في تناقض صارخ, فكيف تطالب هذه الدول إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بينما تتغاضى عنها لما يتعلق الأمر بالعراق. ويعتقد الأوروبيون أن العمل عبر الأمم المتحدة يسمح بعزل العراق لا سيما إقليمياً باستمالة العرب وجيرانهم (تركيا وإيران) لدعم – أو على الأقل حيادهم الإيجابي– عملية عسكرية بتفويض من مجلس الأمن.

وبما أن الأوروبيين يتخوفون من مرحلة ما بعد صدام في حال انفراد أميركا بزمام الأمور، فهم ضد تفكيك العراق ويصرون على وحدته الترابية, وبالتالي فالتحرك تحت غطاء الأمم المتحدة يمثل بالنسبة لهم ضمانة للحفاظ على وحدة العراق الترابية وصماما يحول دون انفلات الأمور من أيديهم. ويبدو أن مجرد إشراك الأوروبيين في قرار ضرب العراق عبر مجلس الأمن أدى بهم إلى تبني بعض المواقف الأميركية, لكنهم (باستثناء بريطانيا) لا يشاطرون واشنطن هدفها الرئيسي قلب النظام العراقي بالقوة.

مجلس الأمن وشرعنة "الدفاع عن النفس الوقائي"

الحقيقة أن التطور الأخطر -الذي قد يحدث في الأيام القليلة القادمة في هذا الجو من التجاذبات والتهديدات المتبادلة بخصوص المسألة العراقية- هو إمكانية تبني مجلس الأمن من خلال القرار المنتظر مبدأ "الدفاع عن النفس الوقائي" المبني على استباق التهديد بضرب مصدره والذي يعتبر جوهر الإستراتيجية الأميركية الحالية. ومثل هذا التطور سابقة خطيرة لأنه يعطي للقوي حق ضرب الضعيف بدعوى استباق التهديد, وتطبق إسرائيل هذه السياسة ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

وبالتالي قد تتم "شرعنة" (من الشرعية) هذه السياسة. وإن تبنى مجلس الأمن مثل هذا المبدأ, فإن على بعض الدول العربية أن تحضر نفسها لأنها ستستهدف من قبل أميركا بدعوى "الدفاع عن النفس الوقائي". فإذا كان العراق هو المرشح الأول لهذا المنصب "الإستراتيجي" فإن دولا عديدة قد تليه. إنها أخطر مفردة في القاموس السياسي الأميركي والتي تسعى واشنطن لدولنتها.

هكذا فإن نظرية الدومينو الشهيرة قد تنطبق على بعض الأنظمة العربية غير المرغوب فيها أو التي تريد أميركا ترويضها. هذا التوجه نحو "تطبيع" مبدأ "الدفاع عن النفس الوقائي" يلقى رفضاً لدى بعض القوى الكبرى. ففرنسا مثلاً أعلنت على لسان رئيسها شيراك معارضتها لأي "عمل أميركي وقائي" وأحادي لتغيير النظام في العراق. وفي نفس السياق أكدت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال أليو ماري أنه "بالنسبة للأمم المتحدة، تخيل تدخل وقائي خارج إطار شرعية الدفاع عن النفس بعد عدوان سيمثل تغيراً معتبراً بإمكانه أن يجر إلى انحرافات خطيرة". لكن إذا كانت فرنسا ودول أوروبية أخرى ترفض نظرية "الحل الوقائي" فإن قوى مثل روسيا والصين قد لا تعارضها, بل وتسعى لدولنتها لخدمة مصالحها. فروسيا ترى في هذه النظرية وسيلة لتحقيق أهدافها في التخوم السوفياتية سابقاً. أما الصين فقد تتعلل بها لتصفية حساباتها مع تايوان.

ختاماً, يمكن القول إن المراهنة العراقية خاطئة أكثر مما هي صائبة, ذلك أنه سعياً لإقناع أميركا بضرورة المرور عبر مجلس الأمن خفضت أوروبا سقف مطالبها إلى الحد الأدنى, مما جعلها لا تشير إلى رفع الحظر مثلاً في حال امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن. كما أن أوروبا تصر على القرارات الأممية, بينما يندد العراق بها بل ويرفض بعضها مثل القرار 1284 لعدم إشارته لرفع الحظر واكتفاؤه بتعليق مشروط له. ويبدو أن بغداد أخطأت في فهمها للمقاربة الأوروبية للمسألة العراقية التي تطورت باتجاه التشدد والتقرب عملياً من المقاربة الأميركية, ولو أن أوروبا ترفض تغيير النظام العراقي بالقوة. وربما هذا ما يفسر سر المراهنة العراقية على الدور الأوروبي عموماً. فأوروبا تقبل بالتعايش مع نظام بغداد على أن يتخلى عن أسلحة الدمار الشامل وألا يخل بالأمن الإقليمي, بينما تهدف أميركا أساساً إلى تغيير هذا النظام كحل جذري ونهائي للمسألة العراقية. وعليه فالمراهنة العراقية على الدور الأوروبي تبدو أنها تهدف أساساً إلى الحيلولة دون قلب النظام القائم في بغداد.

_______________
*كاتب ومحلل سياسي جزائري مقيم في باريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة