لماذا عجزت إيران عن المصالحة مع محيطها الإسلامي؟   
الخميس 13/4/1427 هـ - الموافق 11/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 22:30 (مكة المكرمة)، 19:30 (غرينتش)


تركي علي الربيعو

يمكن القول إنه منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران، أواخر عقد السبعينيات من القرن المنصرم، وحتى اللحظة الحرجة المعاصرة التي تهدد بمواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جهة، وبين إيران الجمهورية الإسلامية المصرة على دخول نادي الذرة النووي، ودفع أجرة ركوب قاطرته مهما كانت التحديات التي تواجهها، وفي مقدمتها المواجهة العسكرية المحتملة، حيث تتحدث أجهزة الإعلام العالمية عن سيناريوهات كثيرة، قسم منها حقيقي يذكرنا بما جرى في العراق قبل وبعد سقوط بغداد، والآخر يقع على مستوى المتخيل الإعلامي الذي عادة ما تستهويه كثرة السيناريوهات العسكرية التي تتحدث عن إنزالات عسكرية وقصف نووي محدود للمنشآت الإيرانية.

أقول على طول هذه المسافة التاريخية، عجزت إيران الجمهورية الإٍسلامية سواء من قبل مسؤوليها المعتدلين الذين راهنوا على تعزيز دور الدولة على حساب الثورة وفي مقدمتهم الرئيس السابق محمد خاتمي، أو أولئك الراديكاليين المصرين على استعادة روح الثورة وفي مقدمتهم الرئيس محمود أحمدي نجاد، عن التصالح مع محيطها الإٍسلامي السني تحديدا إذا كان لا بد من هذا المصطلح الذي يعود إلى الواجهة من جديد.

"
الحروب التي وقعت في المنطقة على مدى عقدين ونيف لم تطمئن الكثيرين للسلوك الإيراني، فقد ركبت إيران قطار الزحف الأميركي على أفغانستان لتصفية حساباتها، وراحت تقدم دعما لوجستيا لأميركا في حربها على طالبان والقاعدة
"
بل إن سلوكها السياسي والعسكري منذ بداية الألفية الجديدة التي لم تكن بحال من الأحوال بالسعيدة لا على العرب ولا على العجم كما تنبئنا التطورات المتسارعة باتجاه المواجهة مع إيران، ساهم في زيادة جرعة الخوف لدى دول الجوار الجغرافي العربي، وأولها دول الخليج العربي التي وجدت نفسها دائما في قعر برميل النفط، والتشبيه للمفكر الخليجي محمد جابر الأنصاري في مساءلته الهزيمة.

كذلك الحروب التي وقعت في المنطقة على مدى عقدين ونيف من القرن المنصرم وبداية الألفية الجديدة، لم تطمئن الكثيرين للسلوك الإيراني، فمع بداية أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وإعلان الحرب على الإرهاب، ركبت إيران قطار الزحف الأميركي على أفغانستان لتصفية حساباتها الأيديولوجية والعقيدية والثأرية مع جماعة طالبان، وركبت موجة الطائفية السياسية هناك من خلال الهزارة الشيعية، وزحفت مع الزاحفين ضد العاصمة كابل، وراحت تقدم دعما لوجستيا لأميركا في حربها على طالبان والقاعدة، وهذا ما صرح به آنذاك رئيس مصلحة تشخيص النظام في إيران هاشمي رفسنجاني.

وسرعان ما تبين للجميع أن إيران عاجزة عن الخروج من شرنقتها الشيعية التي حبست نفسها فيها لمدة عقود منذ مجيء الثورة وقرون قبل ذلك، وبالتالي الانفتاح السياسي على الحركات الإسلامية السنية الراديكالية التي أعلنت في وثيقتها الشهيرة عام 1998 عن ميلاد "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" التي تمتد كهلال سني إن جاز التعبير مع كثرة الحديث عن الأهلة، يحيط بإيران من جهة الشرق والشمال، من كشمير إلى باكستان إلى مزار شريف إلى الشيشان مرورا بأفغانستان.

الحركات التي ناصبت أميركا العداء وتناصب إيران أيضا، وليس من فراغ سياسي، والتي ما زالت ومن باب فقه النكاية السياسي تنظر للتدين الشيعي الإيراني على أنه ضرب من الهرطقة.

الأمر نفسه حدث مع العراق، فقبل وبعد إعلان الحرب على العراق، بدا للكثير من المراقبين هذا الميل الإيراني لركوب قطار الزحف الأميركي على بغداد لتصفية الحساب مع صدام حسين عدو إيران التاريخي، الذي استطاع عن حق أن يغلق البوابة الشرقية للوطن العربي إذا كان لا بد من هذا المصطلح في وجه النفوذ الإيراني المتزايد منذ ثورة آية الله الخميني، الذي تجرع السم على يدي صدام حسين، بحسب البيان الذي أصدره الخميني مع انتهاء الحرب الإيرانية العراقية وخروج العراق منتصرا منها, وهذا ما حدث.

فبعد الفشل الإيراني في إسقاط نظام صدام حسين في حرب الخليج الثانية، حيث زجّت إيران بآلاف المقاتلين من وراء الجيش العراقي المنسحب من الكويت كما يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه "أوهام القوة والنصر"، حانت الفرصة لركوب قطار الزحف الأميركي على بغداد، فزحفت إيران بكل ثقلها ومن خلال المليشيات الطائفية التي تدربت في إيران، باتجاه الداخل العراقي، وبدت مسرعة في خطواتها لاستعادة العراق وتجيير الاحتلال الأميركي لصالحها، وهذا ما حدث.

"
حاربت أميركا نيابة عن إيران في العراق، وسبقت السلحفاة الإيرانية في الميدان العراقي الأرنب الأميركي، وهذا ما يفسر سعي أميركا إلى التفاوض مع طهران بشأن مستقبل العراق، وهذا ما يكتسي دلالة كبيرة في واقع عربي يتسم بالضعف والخور
"
فقد قيل مرارا من قبل الكثير من الخبراء والمحللين الإستراتيجيين إن الولايات المتحدة الأميركية حاربت نيابة عن إيران، وإن طهران نجحت في سحب البساط من تحت أقدام الأميركيين، وإن السلحفاة الإيرانية سبقت في قصب السبق في الميدان العراقي الأرنب الأميركي، وهذا ما يفسر إلى حد كبير من قبل العديدين سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى التفاوض مع إيران بشأن مستقبل العراق، وهذا ما يكتسي دلالة كبيرة في واقع عربي يتسم بالضعف والخور معا.

ما يلفت النظر أيضا في سياق التدخل الإيراني السافر في العراق، أن إيران أيضا لم تستطع الخروج من شرنقتها الشيعية، فراحت تدعم علنا طرفا ضد آخر، ومع أنها كانت معنية بالتصالح مع القوى الراديكالية السنية بالتحديد أيضا المعادية للاحتلال، إلا أن إيران لم تعبأ بذلك. وفي ظل عجز عربي حقيقي عن دعم المقاومة، راحت إيران تحث الخطى مسرعة باتجاه تجيير الواقع العراقي لصالحها، بصورة أدق بجعل العراق منطقة نفوذ إيراني بعد أن خسرته على مدى مئات السنين.

وهذا ما أخاف دول الجوار الجغرافي الخليجية بالتحديد، التي بدأت تشعر أن رمضاء صدام حسين أهون ألف مرة من النار الإيرانية، التي تهدد بإشعال المنطقة بفتن وحروب أهلية لا ضابط لها ولا قبل لهذه الدول بوقفها إلا بالاستعانة بالخارج.

في رأيي أنه على الرغم من المساعي الإيرانية لتهدئة دول الجوار الجغرافي الخليجية، كما تمثلت بزيارة هاشمي رفسنجاني لها لطمأنتها بشأن مستقبل إيران النووي، فإن هذه الدول التي لا تملك إلا أن تهز رأسها بالموافقة على الرغم من القلق الذي يبدو على محيا مسؤوليها، تشعر أن الفطور الإيرانية السامة الذرية منها التي تهدد عن حق مستقبل هذه الدول (مفاعل بو شهر القريب منها)، وذلك على الرغم من أن بعضها يفوح من خطابه رائحة النفاق لأميركا، والطائفية تتكاثر على جميع طرقات دول هذه المنطقة.

وهذا ما يثير الكثير من القلق لدى هذه الدول القلقة أصلا والتي تشعر بأن إطارها الخليجي ممثلا بمجلس التعاون الخليجي أعجز عن حمايتها من الفطور الإيرانية ومن حرب قادمة تبقي هذه الدول في قعر برميل النفط دون أن يتاح لها "قليل من الهواء"؟

"
السياسة الإيرانية الراديكالية التي تواجه خيارات عدة، بقيت عاجزة عن التصالح مع محيطها الإسلامي السني، وعاجزة عن الخروج من شرنقتها الشيعية، والسؤال إلى متى يتم ذلك؟
"
إن السلوك السياسي الإيراني، وعلى الرغم من التصريحات النارية للرئيس أحمدي نجاد، يظل يعمل بمبدأ التقية، فقد عجزت إيران حتى هذه اللحظة عن المصالحة مع قوى المقاومة للهيمنة الأميركية، كذلك القوى الراديكالية الإسلامية التي تحيط بها شرقا وغربا، وباستثناء حماس التي تلقى دعما إيرانيا والتي تناصبها الولايات المتحدة الأميركية العداء لفرض مزيد من التنازلات عليها مع رفضها مبدأ التنازل,
فقد بقيت إيران عاجزة عن الأخذ بزمام المبادرة، مع إدراكها أن نذر الحرب القادمة على إيران لا توقر عربا ولا عجما.

من هنا يمكن القول إن العلامة الفارقة للسياسة الإيرانية، كما في أفغانستان والعراق وهما خير مثال، هي العجز عن المبادرة والالتحام بقوى المقاومة المعادية للولايات المتحدة الأميركية، والعجز عن إقناع الدول العربية الخليجية بالتحديد بأن دخول النادي النووي العالمي لن يضر بمصالحها مع إيران، خاصة، وأن كل الدلائل الأيديولوجية والعسكرية في العراق لا تدفع هذه الدول إلا إلى مزيد من القلق، وهي قلقة أصلا كما أسلفت وكما بدا على محيا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أثناء استقباله لهاشمي رفسنجاني أثناء زيارته لهذه الدول التي تشعر باستمرار بأنها كالكرة التي تتقاذفها أرجل الغزاة، أو تلك التي يفرض عليها الغزاة الخوف وتقديم المساندة والدعم.

ما أريد أن أصل إليه هو أن السياسة الإيرانية الراديكالية التي تواجه خيارات عدة، بقيت عاجزة عن التصالح مع محيطها الإسلامي السني، وعاجزة عن الخروج من شرنقتها الشيعية، والسؤال إلى متى يتم ذلك، مع أنها باتت تدرك أن المثل الشعبي "أكلوك يوم أكلوا الثور الأبيض" قد ينطبق عليها تماما وعلى سلوكها السياسي؟
ــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة