هكذا فكر العرب في قمة بيروت   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: عبدالله العمادي*

- لماذا قبل العراق الصلح مع الكويت والسعودية الآن?
- ولماذا وافق العرب على المبادرة السعودية؟
- لماذا غاب زعماء عرب عن القمة?

انتهت قمة بيروت قبل أيام، بعد مفاجأة غير سارة في الساعة الأولى من بدء أعمالها، تمثلت في انسحاب الوفد الفلسطيني من الجلسة بسبب كلمة الرئيس ياسر عرفات التي لم تأت حسب الترتيب المتفق عليه مسبقا لأسباب شرحها الناطق الرسمي باسم القمة، الوزير غسان سلامة. وتم احتواء الخلاف وأكمل الوفد جلسات القمة في اليوم التالي.

هذه المفاجأة كادت تعصف بالقمة التي عصف بها أساسا قبل بدئها تخلف عدد كبير من الزعماء عن الحضور، إضافة إلى خلافات ظهرت بين رجالات الدولة المنظمة أنفسهم أثناء مراسم استقبال الزعماء والوفود المشاركة.. فالقمة منذ بداياتها لم تبشر بخير، واحتبست الأنفاس في الصدور بعد هذه المقدمات غير السارة. حتى وقعت مفاجأة الوفد الفلسطيني في اليوم الأول، مما زاد الأمر سوءاً، وازداد المتابعون تشاؤماً، وبدت مؤشرات على أن القمة لن تنتهي بالصورة المأمولة.

نستطيع من خلال نتائج القمة أن نحدد محورين رئيسيين يمكن ترجمتهما من خلال الأسئلة الآتية: لماذا قبل العراق الصلح مع الكويت والسعودية الآن؟، ولماذا وافق العرب على المبادرة السعودية؟.

لماذا قبل العراق الصلح مع الكويت والسعودية الآن؟


المبادرة جاءت هذه المرة من السعودية وهي الدولة التي لها التأثير الكبير بعد مصر على كل العالم العربي والإسلامي أيضا وهو ما كانت الدولة العبرية تسعى إليه منذ زمن أن تجد مباركة سعودية بما تمثله من عمق إسلامي لعملية التطبيع بعد أن وجدت العمق السياسي والثقافي من الجانب المصري
مع بداية اليوم الثاني، ظهرت بوادر أمل في خروج القمة بنتائج مقبولة ومبشرة، فكانت أولى النتائج الطيبة تغيير العراق لخطابه السياسي والإعلامي في ما يتعلق بحالته مع السعودية أولا ومن ثم الكويت على وجه الخصوص، الأمر الذي اعتبره المراقبون بداية طيبة ونتيجة غير متوقعة من العراق تجاه الكويت تحديدا. والمصافحة التاريخية التي وقعت بين الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وعزة إبراهيم نائب الرئيس العراقي، ومن ثم بين الأخير والشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية ورئيس الوفد الكويتي، مؤشر على شعور العراق بأهمية الإسراع في سد كل الثغرات التي يمكن أن تنفذ من خلالها الولايات المتحدة من أجل ضربها وتغيير نظام الحكم فيها.

وقد رأى العراق أن المسارعة إلى تحسين علاقاته مع السعودية ومن ثم جارته الكويت أفضل وسيلة، ليس لمنع تجسيد النية الأميركية لضربه وإنما حفاظا على نظام الحكم فيه كذلك، فإن المعارضة العراقية ومن ورائها الإدارة الأميركية تنتظر أي فرصة لتكرار المشهد الأفغاني في العراق تماما.

لكن يبدو أن العراق هذه المرة تنازل عن استخدام لغة الخطاب السياسي والإعلامي تجاه جيرانه وعلى الأخص الكويت والسعودية، واستوعب الدروس السابقة ورأى أن المصلحة العليا تقتضي تغيير اللهجة والخطاب مقابل تجنب خسائر غير عادية ربما تفوق خسائره جراء هجوم عاصفة الصحراء عليه عام 1991. ومن هنا يمكن اعتبار الخطوة العراقية نحو الكويت والسعودية إيجابية ودافعة نحو انفراج حقيقي في العلاقات بينه وبين جيرانه، وبالتالي على جو المنطقة بشكل عام.

ولماذا وافق العرب على المبادرة السعودية؟

مبارك والأمير عبدالله وعرفات
نأتي للسؤال الثاني الذي قد يبدو صعبا بعض الشيء والمتمثل في القبول والرضا العربي بالمبادرة التي قدمها الأمير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي، التي لقيت ترحيبا عربيا رسميا، في حين كان الرفض والتشكيك من الجانب العربي الشعبي، الذي رأى أنها تتجاهل كل تضحيات الشعب الفلسطيني على مدار الخمسين سنة الماضية وما تبع ذلك من تشريد وقتل وهدم للبيوت ومصادرة للأراضي، إضافة إلى أن المبادرة جاءت هذه المرة من السعودية، وهي الدولة التي لها التأثير الكبير بعد مصر على كل العالم العربي والإسلامي أيضا، وهو ما كانت الدولة العبرية تسعى إليه منذ زمن، أن تجد مباركة سعودية بما تمثله من عمق إسلامي لعملية التطبيع، بعد أن وجدت العمق السياسي والثقافي من الجانب المصري.

ولكن لماذا رحب العرب الرسميون بها، وهم يدركون تماما النفسية والعقلية التي عليها حكومة الدولة العبرية؟. هذه الحكومة، التي ما إن انتهت القمة، بل وهي تستعد لطي ملفاتها وعودة الزعماء إلى بلدانهم، حتى فاجأت دباباتها العالم وهي تحاصر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره، وتعتقل المئات وتعدم العشرات وتفرض حالة من الحصار على عدة مدن فلسطينية، في رسالة بالغة الأثر مفادها رفض شارون للمبادرة جملة وتفصيلا، بالرغم من الترحيب الرسمي العالمي ومن ضمنه الأميركي بها.

الأغلبية العربية الرسمية التي وافقت على المبادرة، لأن الرغبة في وضع حد لهذا النزاع المؤرق باتت مطلبا رسميا عربيا ومنذ زمن، حتى غدا العرب يجتمعون سرا حينا وجهرا حينا آخر مع الإسرائيليين من أجل الوصول إلى حل يرضي الجانب الإسرائيلي والفلسطيني حتى لو أدى الأمر بالفلسطينيين على وجه الخصوص إلى تقديم التنازلات العديدة.. الواحد تلو الآخر.

لكن تفسيرات أخرى تفيد بأن الضغوطات الأميركية قبل المؤتمر كانت أشد على العالم العربي من ذي قبل، ومحاولات العرب كسب ودها ورضاها أصبح أمرا مفروغا منه خصوصا بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن. ولعل العرض العربي للتطبيع الشامل مع الدولة العبرية، يأتي كأحد أهم العروض الأخيرة المغرية من أجل كسب الرضا الأميركي، وإن كان ليس بالعرض الأخير على أية حال. إذن نيل الرضا الأميركي كان هو السبب الرئيسي في تسارع العرب الرسميين إلى قبول المبادرة.

لماذا غاب زعماء عرب عن القمة؟


يمكن اعتبار الخطوة العراقية نحو الكويت والسعودية إيجابية ودافعة نحو انفراج حقيقي في العلاقات بينه وبين جيرانه وبالتالي على جو المنطقة بشكل عام
لكن مع هذا التسارع نحو كسب الرضا الأميركي المرغوب عالميا وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لم يحضر بعض الزعماء، والتساؤل ها هنا يدور حول غياب الرئيس المصري وملك الأردن، مع التماس العذر لعدد آخر من الزعماء لأسباب تبدو معروفة للجميع، فقد أثار غياب الرئيس حسني مبارك عن القمة، بعد تأكيد وزير خارجيته على حضوره، وغياب الملك عبدالله عاهل الأردن كذلك، الكثير من الأسئلة، وشاعت كثير من التفسيرات. ولعل الموقع الجغرافي للبلدين ومن ثم التأثير البالغ لهما على الفلسطينيين من أبرز أسباب كثرة التساؤلات والتفسيرات، بدليل غياب آخرين من الزعماء كأمير قطر وسلطان عمان دون أن يثير ذلك أحدا. فهل كان غيابهما لأسباب أمنية بحتة؟، أم لخلافات في وجهات النظر بين مصر والسعودية من جهة والسعودية والأردن من جهة ثانية، حول مبادرة الأمير عبدالله؟، أم أنه كانت هناك خفايا من الأمور غير معروفة وستكشفها الأيام؟.

القمة بشكل عام لم تختلف عن القمم السابقة، سوى أن أبرز الإيجابيات التي ظهرت من القمة هي الصلح النظري بين العراق وكل من الكويت والسعودية. في حين نالت المبادرة السعودية لقب أبرز قضية تثير خلافا بين الحكومات العربية، وتثير استياء في الأوساط الشعبية العربية بغض النظر عن مدى تأثير ذلك الاستياء الشعبي على صنع القرار في العالم العربي، إلا أنه جدير بالملاحظة.

_______________
* كاتب وصحفي قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة