ظاهرة تعبر عن الفشل وتمضي إلى طريق مسدود   
الخميس 4/2/1428 هـ - الموافق 22/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:21 (مكة المكرمة)، 10:21 (غرينتش)


بشير موسى نافع

منذ أن أطلقت القاعدة موجة العنف العالمي في النصف الثاني من التسعينيات، صنفت باعتبارها ظاهرة لحالة من الهجوم الراديكالي الإسلامي.

وقد عزز هذا الفهم جانبان رئيسان من خطاب القاعدة: تمثل الجانب الأول في استخدام لغة إسلامية لتسويغ إستراتيجية العنف العابر للحدود والقارات، أما الجانب الثاني فتمثل في فكرة استهداف المصالح الأميركية أينما كانت، ومن ثم توسيع دائرة الاستهداف لتشمل حلفاء الولايات المتحدة.

الحقيقة أن القاعدة مهما كانت حقيقتها التنظيمية -كما النهج الذي تبنته منذ نهاية التسعينيات- هي ظاهرة تعبر عن شعور عميق بالفشل لدى قادتها، كما أن الأدلة تتزايد على أنها تمضي نحو طريق مسدود.

"
مهما كانت حقيقة القاعدة التنظيمية والنهج الذي تبنته منذ نهاية التسعينيات، فإنها ظاهرة تعبر عن شعور عميق بالفشل لدى قادتها، كما أن الأدلة تتزايد على أنها تمضي نحو طريق مسدود
"
لا يجب بأي حال من الأحوال التقليل من أثر تطورات نصف التسعينيات الأول على زعيم القاعدة ورمزها: السيد أسامة بن لادن. فقد نجم عن أزمة الكويت وحرب الخليج الأولى حشد عسكري أميركي هائل في الأراضي السعودية، لم ينته بهزيمة العراق وطرد القوات العراقية من الكويت.

ومن معارضة التواجد العسكري الأميركي في الجزيرة العربية، اختار بن لادن المنفى الاختياري في السودان، لينتهي بعد طرد السودانيين له في جبال أفغانستان. ومن أفغانستان -التي وصلها في 1996- بدت كل الخيارات ممكنة.

بيد أن معارضة الوجود الأميركي في السعودية، وحالة المنفى، لم تكن هي السبب المباشر لتبني إستراتيجية العنف العالمي. لو أن الأمر اقتصر على الوضع السعودي، لكان هدف القاعدة انحصر بالساحة السعودية ومسألة الوجود العسكري الأجنبي على أرضها.

وربما كان هذا الطريق هو ما اختطه بن لادن لنفسه بعد وصوله السودان، عندما سعى إلى تأسيس لجنة سياسية سعودية معارضة بمدينة لندن.

ولكن مقابلة بن لادن لأيمن الظواهري -الذي جاء من وسط جماعات العنف الإسلامي في مصر الثمانينيات والتسعينيات- لابد أن تعتبر المؤثر الرئيس في اتجاه تبني العنف العالمي.

لقد نشأ الظواهري على أفكار عبد السلام فرج وأيديولوجيا العنف الإسلامي، التي كانت تنظر إلى مصر باعتبارها مركز الثقل العربي الإسلامي، والبلد الأكثر تأهيلاً -وزناً وتاريخاً- لقيادة النهوض الإسلامي المعاصر.

وقد اعتبرت هذه الرؤية أن أولوية أولويات الاتجاه الإسلامي ليس الانشغال بتحديات الخارج، بما في ذلك التحدي الإسرائيلي، بل تعهد عملية التغيير الإسلامي في مصر ذاتها، وبكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك وسائل العنف والاغتيال والانقلاب العسكري.

وبإحداث التغيير الإسلامي في مصر، لن يكون من الصعب إحداث تغيير مشابه في معظم الجوار، ثم التعامل مع تحديات الخارج.

ما خبره الظواهري خبرة مباشرة، كونه انتقل بمرور الثمانينيات إلى التسعينيات من الصف الثاني لجماعة الجهاد المصرية إلى الصف الأول، إن الإستراتيجية التي وضع أسسها عبد السلام فرج قد أخفقت.

لم يستطع العنف إطاحة النظام المصري، بل إن عنف التسعينيات انتهى إلى تعزيز معارضة عموم المصريين وعلمائهم -على السواء- لجماعات العنف الإسلامية ووسائلها.

"
ككل أنظمة الدولة الحديثة في أنحاء العالم المختلفة، ما إن وجدت الدولة المصرية نفسها في مواجهة قوى معارضة ترفع السلاح حتى نشرت قواها الأمنية المسلحة، بكل ما أوتيت من قوة، لسحق المعارضة
"
كما كل أنظمة الدولة الحديثة في أنحاء العالم المختلفة، ما إن وجدت الدولة المصرية نفسها في مواجهة قوى معارضة ترفع السلاح حتى نشرت قواها الأمنية المسلحة، بكل ما أوتيت من قوة، لسحق المعارضة.

اعتقل الآلاف من الشبان الإسلاميين، عوملت المجموعات المسلحة بأقصى درجات العنف، ومورست أساليب تحقيق بشعة ضد المعتقلين. ومع منتصف التسعينيات، كان أغلب تنظيمات العنف قد فكك، وتم احتواء الظاهرة إلى حد كبير.

لم ينظر الظواهري، ومن هم حوله إلى الأسباب الحقيقية لإخفاق العنف، لم يتعلموا درس ميراث أهل السنة الكبير، الذي حمل دائماً نظرة شك وإدانة لكل من يرفع السلاح داخل المجتمع المسلم، مهما كان الموقف من الحكم القائم.

وبدلاً من نقد إستراتيجية العنف (وهو الموقف الذي سرعان ما أعلنته قيادات الجماعة الإسلامية)، والاعتراف بفشلها، ولد منطق جديد، يقلب أطروحة فرج رأساً على عقب.

بني هذا المنطق على أساس أن الدول الحاكمة في العالم الإسلامي ليست قوية بذاتها، بل بدعم الخارج الأميركي ومساندته لها، وأن الطريق بالتالي هو إيقاع الهزيمة بالنفوذ الأميركي، ليسهل بعد ذلك إطاحة الأنظمة وإنجاز عملية التغيير الإسلامي.

الشعور الخفي بالإخفاق -العجز عن الاعتراف الصريح به والعودة إلى تقاليد المعارضة الإسلامية التاريخية- هو المؤسس الرئيس لإستراتيجية العنف العابر للقارات، التي وجدت هوى لدى الجهادي المخضرم، الذي وجد نفسه متنقلاً من منفى إلى آخر بسبب معارضته الوجود العسكري الأميركي في أقدس بلاد الإسلام.

منذ ذلك الحين، لم ينجم عن عنف القاعدة العابر للقارات أية نتائج إيجابية ملموسة، بل الخسارة تلو الأخرى للمسلمين عبر العالم. في العمليات المبكرة، السابقة على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لم تفرق هجمات القاعدة بين المسلمين وغير المسلمين في نيروبي ودار السلام، ولم يفهم أحد لماذا تستهدف الهجمات أكثرية من أهل البلاد، لا ناقة لهم ولا جمل في الصراع مع الولايات المتحدة.

وكان من السذاجة وغير المسوغ استدعاء مفاهيم فقه الحرب لتبرير كل هذا القتل العشوائي.

أسوأ من ذلك كان النتائج السياسية، التي رفعت مستوى الضغوط الأميركية والغربية على نظامي الحكم في السودان وكابل، وكان يفترض على الأقل أن الأخير منهما حليف للقاعدة.

كما مهدت تلك الهجمات لبيئة عالمية جديدة، أخذ في شيطنة الإسلام والمسلمين ووصم الجميع بالإرهاب.

بيد أن نقطة التحول الكبرى كانت بلا شك هجمات 11 سبتمبر/أيلول -التي ولد منها الكثير من الشرور التي يعاني منها عالمنا- والمسلمون فيه على وجه الخصوص.

أسست الهجمات لعسكرة النظام الدولي، وانطلاق آلة الحرب الأميركية لتطيح بحكومة طالبان، التي كان يمكن لها ببعض التغيير والتأقلم إخراج الشعب الأفغاني من آتون الحرب والموت.

"
بالرغم من أن هناك الكثير من الأدلة على أن مشروع غزو العراق كان تحت البحث منذ تولت الإدارة الأميركية الحكم، فإن أدلة لا تقل وزناً تشير إلى أن عملية الغزو لم تكن ممكنة دون الأجواء التي صنعتها هجمات 11 سبتمبر/أيلول
"

وبالرغم من أن هناك الكثير من الأدلة على أن مشروع غزو العراق كان تحت البحث منذ تولت الإدارة الأميركية الحكم، فإن أدلة لا تقل وزناً تشير إلى أن عملية الغزو لم تكن ممكنة بدون الأجواء التي صنعتها هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

وفي ظل هذه الأجواء تزايدت الضغوط على الأنظمة العربية والإسلامية للاصطفاف في جبهة الحرب على الإرهاب، بما في ذلك من تغيير لمناهج التعليم والدراسة، وإغلاق مؤسسات التعليم الإسلامي أو التضييق عليها، وملاحقة جيل بأكمله من الشبان الإسلاميين.

فشلت القاعدة في اختراق التيار العام للجماعات المسلمة، سواء في داخل العالم الإسلامي أو خارجه، وانحصر تأثيرها في هوامش صغيرة للشبان المسلمين.

ومن هذا الهامش، انطلقت المجموعات التي وسعت دائرة الموت العشوائي من الولايات المتحدة إلى الدول الأوروبية.

خلال الفترة التالية لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، كانت معاناة الأقليات المسلمة مقصورة على المسلمين في الولايات المتحدة.

وبعد الهجمات في إسبانيا وبريطانيا، أصبح الإسلام مرادفاً للإرهاب، وأدخلت أقليات مسلمة تقدر بعشرات الملايين، كانت قد نجحت فعلاً في تأسيس جذور لها في المهجر، كابوساً لا يبدو أن هناك نهاية له.

في السعودية -التي يفترض أنها ساحة القاعدة الرئيسة وأحد أهم أهدافها- انتهت نشاطات القاعدة إلى استهداف العاملين في الشركات الأجنبية، وأحياء العاملين الأجانب من مسلمين وغير مسلمين، مودية بحياة الأبرياء من كافة الأعمار، بلا تمييز.

وقد أودت إستراتيجية العنف العشوائي بحياة المئات من الشبان الإسلاميين، ودفعت بالألوف إلى السجون، وحولت حياة أسرهم إلى جحيم.

ثمة وهم بالنجاح يسيطر على عدد من أنصار إستراتيجية العنف العالمي، تستند إلى التدهور في سمعة الولايات المتحدة على مستوى العالم، في خروج قواتها من الأراضي السعودية، وفي استدراجها إلى العراق، حيث تعاني من إخفاق متفاقم هائل الأبعاد.

مصدر وهم النجاح هذا ليس صواب إستراتيجية القاعدة، بل العقلية المشابهه التي أسست للرد الأميركي على هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

فبدلاً من التعامل مع مخططي الهجمات تعاملاً أمنياً، أطلقت واشنطن حرباً عالمية، طالت حياة المسلمين وغير المسلمين، وقوضت ما تبقى من قوانين دولية.

بغير ذلك، فإن معارضة سياسية وشعبية جادة ومثابرة كان يمكن أن تنجح هي الأخرى في إخراج الوجود العسكري من الأراضي السعودية.

"
ظاهرة العنف جرّت وتجر الكوارث على العرب والمسلمين، ومصيرها هو التراجع والانحسار, ولكن حتى ذلك الحين ستكون قد أوقعت جراحاً عميقة في الجسم الإسلامي، سياسة ومعاشا وثقافة وروحا
"
العراق -الذي يوصف عادة بأنه مثال النجاح الأكبر للقاعدة- تحول بالفعل إلى ساحة مقاومة وطنية وإسلامية، وإلى ساحة للعمل الإرهابي.

وإلا فكيف يمكن وصف من يستهدف العراقيين في مجازر عشوائية لا أول لها ولا آخر.

ثمة حركة مقاومة بالفعل، تسعى إلى تحرير العراق وإعادة بناء لحمته الوطنية والحفاظ على هويته العربية والإسلامية. وثمة من يسعى إلى تأجيج الطائفية، وتقسيم العراق إلى كانتونات ودويلات في صراع مع بعضها البعض.

دعاة ما يسمى بالإمارة الإسلامية في المحافظات ذات الأغلبية السنية لا يختلفون عن دعاة فدرالية المحافظات ذات الأغلبية الشيعية.

وفرق الموت التي تستهدف أبناء السنة في بغداد وجوارها، كما شيوخ العشائر الشيعية في الجنوب، لا يختلفون عن من يستهدف أبناء الأحياء الشيعية، كما شيوخ العشائر السنية باسم الولاء والبيعة للإمارة الإسلامية المزعومة.

لقد جرت هذه الظاهرة وتجر الكوارث على العرب والمسلمين، ومصيرها هو التراجع والانحسار. ولكن حتى ذلك الحين، ستكون قد أوقعت جراحا عميقة في الجسم الإسلامي، سياسة ومعاشا وثقافة وروحا.
ـــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة